الارتحال عبر متاهات الزمن.
السَّفَر عُنصر رئيسي في الارتحال، واكتساب المعارف، وتحقيق مساحات التواصل والتعارف، كما شكّلَ مدخلاً للدهشة والكتابة والثقافة. ويُمكن استحضار نَصّين قديمين جوهرهما السفر؛ نَصّين أساسيين في فهم بلاغة الارتحال، على المستويين الواقعي والخيالي. فالنصّ الأول: رحلة “جلجامش”، التي كانت في حوالي سنة 2600 ق. م.، وقد شغلتْ مساحة أغلب الألواح بحثاً عن الخلود والحياة والقيَم: هو الذي رأى كلّ شيء في تُخوم البلاد عرف البحار، وأحاط عِلماً بكلّ شيْ رآه كما نفذ بصره إلى أشدّ الأسرار غُموضاً وامتلك الحكمة والمعرفة بجميع الأشياء حوله وقطع طريقاً بعيداً حتى أصابه التعب والإرهاق ونقش على نُصُبٍ حجريّ كلّ ما عاناه أما النّص الثاني فهو رحلة “حانون” القُرطاجي، التي انطلقت من مدينة “قُرطاج” حوالي سنة 450 ق. م.، مُروراً “بسبتة” و”طنجة” و”ليكسوس” ثم ساحل المحيط الأطلسي.. مؤرّخاً وواصِفاً لشُعوبٍ لم تكُن تمتلك أدنى فكرة عن توثيق تواريخها وجغرافياتها. وبين “جلجامش” و”حانون” يقف التاريخ، وما يسقط منه تصوغه الأسطورة ببيانها اليانع، ليحفظ أسفاراً كثيرة، غيّرتْ من مسارات الحياة هنا وهناك.. مع الفراعنة والرومان والفينيقيين وغيرهم، ممّن ارتبطت أسفارهم بالتجارة والغزو والحروب برّاً وبحراً. هكذا يبدو كلّ سفَر؛ هو بحثٌ عن هويّة جديدة بأفكار وتواريخ وجُغرافيات: هِجرات أتباع الرُّسل عليهم السّلام، أو التُّجار والمُغامرون والشُّعراء، وبهذا يُصبح السّفر مُلتقى الحيوات والمعارف، فالطُّرق التي لا يعرف أحدٌ عددُها في هذه الأرض، وُجدتْ لتكون بلا نهاية، وجُسوراً للتواصل. أما أهمّ الرّحلات العربية من حيث تأثيرها فيما تحمله من محكيّات مُدهشة، فهُناك الرّحالة “ابن جُبير” الأندلسي من القرن الثاني عشر الميلادي، ترك ديواناً شِعرياً بعنوان “نظم الجُمان في التشكّي من إخوان الزمان”، كما أصبحت رحلته “تذكرةٌ بالأخبار عن اتّفاقات الأسفار” مرجِعاً لكلّ الرّحالة العرَب. وسيعرف العالَم أسفاراً، خلال السّبعة قرون الموالية على رحلة “ابن جُبير”، كانت علامات في تحوّل العالَم وتطوّر معارفه وطُموحاته، ابتداءً من رحلة “ابن بطّوطة” في القرن الرابع عشر الميلادي، والتي جابَ فيها العالَم خلال رُبع قرنٍ من الأسفار العجيبة والماتعة. وفي نفس القرن، سيكتب “ابن خلدون” رحلته العلمية، ثم تأتي أسفار المُغامرات والاكتشافات الأوروبية المُترَعة بالدهشة، قبل أن تعود الرواية في نهايات القرن العشرين لتتولّى إنتاج أسفارها، المُطعّمة بروافد رؤوية وتخييلية، تُعيد الحياة لجنسٍ أدبي لا يندثر. وبالرجوع إلى القصيدة العربية الكلاسيكية، نُلاحظ أنها تكاد دوماً تصفُ رحيلاً في أبياتها الافتتاحية، ولعلّ البيت الأول لمُعلّقة “الأعشى” أحسن مِثال على ذلك: وَدّع هُريرةَ إنّ الرّكبَ مُرتَحِلُ وَهلْ تُطيقُ وَداعاً أيّها الرّجُلُ وحسب تعريف “ابن قُتيبة” في “مُقدّمة الشّعر والشّعراء”؛ فإن القصيدة وصفٌ لسفَرٍ يقود الشّاعر إلى أميرٍ يقومُ بمدحِه، وهذا ما يُبرّر في نظَره الأبيات المُخصّصة للحديث عن المطيّة، وأيضاً عن المفازات التي يقطعُها الشّاعر قبل أن يصل إلى الممدوح. من هذه الصورة تولّد نوع أدبي جديد هو “المقامة”، وبطَلها كما هو معلوم: شاعر يجوب السّبُل والطّرقات، ويتنقّل من حاضِرةٍ إلى أُخرى، من أجل كسب عَيشِه.. وبما أنه غالباً لا يهاب الخروج عن القانون من حينٍ لآخر، فيُمكن اعتباره امتدادً لصعاليك العُصور القديمة. ولعل أفضل تجسيد لما سبق ذكره، قصيدة “الشنفرى” المشهورة “بلاميّة العرَب”، وهي من أجمل قصائد العصر الجاهلي التي وصلتنا، فيستهلّ الشّاعر كلامه بالحديث عن فِراقٍ وشيك، ويُعلِم ذويه أنه انفصل عنهم وقطعَ صِلاته بهم، لأنهم تنكّروا له، ولم يُبادروا إلى نُصرته، فيقول: أقيموا بني أُمّي صُدورَ مطيّكمْ فإنّي إلى قومٍ سِواكُم لأميَلٌ هُمُ الرّهطُ، لا مُستودَعُ السِرَّ ذائعٌ لَديهم، ولا الجاني بما جرَّ يُخذَلُ