1 ثمة ظاهرة تتكرر في عالمنا العربي كل عا ، وتحديدًا لحظة الإعلان عن اسم الفائز بجائزة نوبل للأدب ..هذه الظاهرة تتلخص في سؤالٍ واحدٍ مفعمٍ بالغضب والتحقير والإهانات يطلقه أفرادٌ في الوسط الثقافي والإعلامي ومن هم على هامش القراءة والكتابة والإبداع ، مفاده : من هذا - أو هذه - النكرة ؟ هذا السؤال الغاضب تكرر يوم الخميس الماضي حين ذاع خبر فوز الشاعرة الكندية آن كارسون بهذه الجائزة العالمية الشهيرة على الرغم من أننا اكتشفنا فجأةً أن لها ثلاثة كتب في لغتنا الجميلة هي : “ سيرة ذاتية للأحمر “ عن دار نينوى ، و”إيروس “ عن دار صفصاف ، و”اقتصاد ما لا يضيع “ عن جامعة الكوفة. بحضورها الواضح هذا في لغتنا العربية وفي لغاتٍ حيةٍ أخرى حول العالم ينتفي موضوع كونها نكرة ، وتصبح الكرة في ملعبنا نحن العرب الذين لا نقرأ . تلك هي الحقيقةُ المُرًّةُ المتجليةُ ليس في الوسط الثقافي المحلي ، بل في الوسط الثقافي العربي من الماء إلى الماء ، ومع ذلك ندعي الثقافة والكتابة ومتابعة الإبداع وتجليات الجمال ، ولا نخجل أن نقول من دون تردد : مَنْ هذا - أو هذه - النكرة ؟ وهنا سأسرد الحكاية نفسها التي تحدث كل عام ؛ لأثبت أننا - نحن العرب - لا نقرأ ولا نتابع ، وأننا نكتفي فقط بالاعتراض والغضب حال فوز أي كاتب لا نعلم عنه شيئًا ، مع أن العيب يكمن فينا نحن وليس في الفائز أو الفائزة أو في لجنة الجائزة. 2 دار كلمة في أبوظبي أصدرت في 2009 مختاراتٍ جميلةً للشاعرة الامريكية لويز غليك ، بعنوان “ عجلة مشتعلة تمرُّ فوقنا “ ، اختارها وترجمها سامر أبو هواش الذي ترجَمَ أيضًا العديد من المختارات الرائعة لكوكبةٍ من المبدعات والمبدعين في أمريكا وسواها.. وتمَّ إصدارها عن الدار نفسها “ دار كلمة “ في مجلداتٍ أنيقة ..أي إن صدور هذه المختارات للشاعرة لويز في لغتنا العربية حدث قبل أكثر من عشر سنوات من حصولها على نوبل ، ورغم هذا - وعندما حصلت هذه الشاعرة على الجائزة - انتفضَ الكثيرون في عالمنا العربي غاضبين : مَنْ هذه الشاعرة النكرة ؟ وكيف تُرْجِمَتْ نصوصُها إلى العربية بهذه السرعة ؟ من يعرفها سوى أمها ؟ وغيرها من الأسئلة المدببة والحانقة والبلهاء. 3 نعم ، إن هذا الأمر يتكرر كثيرًا في عالمنا العربي في كل عام ، التساؤلات هي ذاتها تقريبًا ، المناحات هي نفسها تقريبًا ، والهجاء هو نفسه وربما أشد صلفًا. لقد حدث الأمر نفسه حين فاز بنوبل الروائي الألماني بيتر هاندكه - الذي ترجمت دارُ الآداب وسواها من دور النشر العربية المعروفة منذ العام 1990 وربما قبل هذا العام - الكثيرَ من أعماله ، حين بحثتُ في “ غوغل “ وجدت أن أكثر من خمس روايات لبيتر هاندكه تمت ترجمتها إلى العربية قبل حصوله على نوبل ، منها مثلًا روايته الشهيرة “ المرأة العسراء “ التي قرأتُها بعد صدورها بثلاث سنوات مترجمةً بحبر الرائعة ماري طوق ، ورغم هذا لم يَنْجُ من وصف الكثيرين له بأنه “ نكرة “ ، وتعرَّضَ للكثير من التشكيك والقدح والذم والازدراء والهجاء والطعن في موهبته وإبداعه. 4 الروائيةُ أولغا توكارتشوك تعرضت هي الأخرى إلى الكثير من الإساءات في عالمنا العربي ، أقلها وصفها بأنها نكرة ، وهي التي تُرْجِمَتْ أعمالُها إلى أغلب لغات العالم قبل نوبل ، وفازت بالكثير من الجوائز العالمية قبل نوبل أيضًا ، وعلى المستوى العربي ترجَمَ لها - قبل حصولها على نوبل - إيهاب عبد المجيد روايةً بعنوان “ رحّالة “ ، كما ترجم لها صديقُنا المترجمُ التونسي المعروف جمال الجلاصي ثلاث روايات أيضًا. 5 وفي هذا السياق ، أحد الكتاب من دولة مغاربية ، شنِّ هجومًا قاسيًا على الروائية الفرنسية آني إرنو الحاصلة على جائزة نوبل ، مستخدمًا الكثير من الألفاظ البذيئة في وصفها ، حاطًّا من إنسانيتها ومن قامتها وقيمتها الأدبية ..فهي في نظره محض “ ضفدعة منتهية “ ، في إشارة إلى تقدمها في العمر ( 82 سنة) ..وهي في نظره أيضًا “ امرأة مجهولة ومغمورة ومحض نكرة “ ، بدليل إن حضرته لا يعلم عنها شيئًا ، خصوصًا وإنه يصف نفسه بأنه يتقن العديد من اللغات الأجنبية منها الفرنسية وإنه بالتالي واسع الاطلاع ، مشيرًا إلى إن في مكتبته العامرة بالكتب - كما يقول ممتدحًا نفسه ومكتبته وحسن اطلاعه - رواية واحدة لها بالفرنسية ولكنه قرأ قليلًا منها و لم يكمل قراءتها وقذف بها بعيدًا ! حسنًا ، كيف حكم على العمل ما دام إنه لم يقرأه إلى آخره قراءة وافية ؟ وهل لأنها غير مشهورة أو مجهولة أو مغمورة - كما يقول - مبرّرٌ كافٍ للقطْعِ برداءةِ ما تكتب ؟ أيضًا وصفها هذا الكاتب - ومن دون تردد - بأنها “ ربيبة الصهيونية “ ، واتضح فيما بعد إنها ذات اتجاه ماركسي ، وإنها تقف في صف القضية الفلسطينية وإنها تدافع عنها علنًا ، كما تدافع عن الحريات وحقوق الإنسان والمهمشين والمهاجرين والطبقات الهشة في المجتمع ، وإن لها مواقف مشهودة ومعروفة في هذا الصدد. طبعًا هذا الكاتب العربي المغاربي المتعالي ، هَجَا الكُتّابَ المشارقة - تحديدًا - هجاءً كريهًا ووصفهم بأنهم” فحمُ جهنم”، ربما لأنهم ترجموا لها ما يزيد عن تسع روايات صدرت عن دور نشر عربية محترمة قبل حصولها على “ نوبل “ ..وقال بلغة فوقية و بشكل قطعي بغيض : إن هؤلاء المشارقة لا يتقنون اللغات الأجنبية ، فكيف علموا بهذه الروائية “ المغمورة “ التي لم نعلم بها نحن الذين نتقن اللغات ؟ تخيلوا إلى أيِّ حَدٍّ بلغت “ العنطزة “ بهذا الرجل الذي يوصف بأنه كاتب ؟! 6 وفي سياقِ هجاءِ “ الآخر الناجح “ الذي يحصدُ جوائزَ مرموقة استمرت في ساحتنا الثقافية العربية حفلةُ الهجاء ذاتها حين أُعْلِن عن فوز الروائي المجري لاسلو كراسناهوركاي بجائزة نوبل للأدب في العام 2025 ، وقيل عنه - حينذاك - إنه “ مجهول “ أو غير معروف على الساحة العربية وأن لا أحد يعرفه سوى أمه ، فيما الحقيقة الجلية تقول إن الحارث النبهان مثلًا ترجم له روايتين هما : “ كآبة المقاومة “ ، و “ تانغو الخراب “..كما أنه فاز بجائزة مان بوكر في العام 2015.. 7 أخيرًا أقول : أقدّرُ وجهات النظر المتباينة في جائزة نوبل للأدب وأتفهمها جيدًا ، لكن هذا لا يعني أن كل من فاز بها أعماله رديئة وأن سبب فوزه بها هي السياسة..ثمة شعراء وروائيون ليسوا كلهم من الغرب فازوا بها وهم يستحقونها عن جدارة .. من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ...الخ ، ونحن لا يمكن أن نعزل أنفسنا مثلًا عن كتابات ماركيز الكولومبي أو فارغاس البيروفي أو ساراماغو البرتغالي أو باموق التركي أو طاغور الهندي ، أو وول سوينكا النيجيري أو فيسوافا شيمبورسكا البولندية...الخ هؤلاء كتاب مبدعون جدًّا وليس من الحكمة أن نعزل أنفسنا عن إبداعهم بحجة “ نحن عرب .. ما خصنا “ .. نعم لدينا كتاب عرب كثيرون لكن المبدعين الحقيقيين منهم قلة .. إن التلاقح الثقافي ومعرفة ما ينجزه الآخرون أمرٌ مهم جدًّا لنتجاوزهم، ونرتقي بآدابنا. سؤالي هو : لماذا يحدث هذا الأمرُ المخزي في عالمنا العربي تحديدًا ؟ وهل الذي لا يعلمُ عنه أحدُنا شيئًا يكونُ عَدَمًا بالضرورة ؟