لم يكن ملتقى الفلسفة الخليجي الأول لحظة عابرة لما طرحه الدكتور عادل الزهراني في ورقته (ما بعد الإنسانوية) بل كان فضاء لنقاش مفتوح، وفرصة لاستظهار إشكالات فكرته وتساؤلاتها التي عبرت لحظتها، وتجاوزت موقفها، فأثارت مسلمات المنطق، وناهضت مفهوم الوجود الإنساني المطلق، ونزعته المركزية، فغدا مالي الملتقى وشاغل المشاركين. هذه المحاولة الجادة والجانحة تنتظم ضمن خط زمني في لبنة النقد والثقافة مع عبارة ابن رشيق القيرواني “مالي الدنيا وشاغل الناس” التي أطلقها على المتنبي ملامسا أثره الهائل الذي خلفه، وأشغل به الناس. وهي لا تنم عن قناعة مطلقة لدى متلقي المتنبي بقدر ما تنم عن شخصية جدلية في مواقفه، وإبداعه، وغروره ونرجسيته. هذا المثول المعرفي في الذهنية العربية لم يكن مثولا لحظيا، بل استمرأته الذاكرة العربية حتى تضخمت المعرفة حول المتنبي كحالة من حالات الجدل المعرفي، وغدت وعدا ووعيدا في سياق الإبداع، ومعيارا لمحاسنه وإنتاجه. ولولا جنوح الفكرة ونزالها المرير مع ما سلمت به بعض العقول لما استنطقت الأفهام، ودفعت أرحام الأقلام بأطروحات زادت المشهد الثقافي وهجا واختلافا. في محيطنا العربي كان طه حسين شرارة جانحة توالت بعده محاولات أكثر جرأة في نقد العقل العربي الدوغمائي، وتفكيك المقدس، كمحاولة محمد أركون، ومحمد عابد الجابري، وعلي حرب، ثم الغذامي الذي امتلأت به أقلام الكتاب، وألسنة الخطباء فترة من الزمن. هذا الوجه الثقافي - المترهل بمشاريع كبرى أحادية النظرة لم تولد ولادة سليمة -بكل أسف-ولم يكتب لها عمرا مديدا، فطويت صفحاتها دون أن تسجل أثرا فاعلا إلا استدعاءات نقدية حادة خفتت بخفوت أصحابها، لتبقى الفكرة النقدية تدور حول مناهضة الأشخاص أكثر من مناهضتها للفكرة التي يطرحها- يتعزز وجوده ويبقى خيطه متصلا، وجذوته مشتعلة ويضعنا أمام رؤى فكرية معاصرة يحتويها السؤال الفلسفي بكل تعقيداته ومتاهاته. وكم هي القضايا الفكرية والفلسفية التي تتنزل في هذا السياق! ما طرحة الزهراني عادل في مداخلته تلك التي أثقلت التفكير، وقدمت وعدا بالخروج من وهم المركزية لم تكن إلا فكرة واسعة يحاول إكمال شواردها وتفاصيلها وأبعادها ضمن مشروعه (متاهة الأزلي، ما بعد الإنسانوية) وهي فكرة كبيرة وقادة تدخلنا في صلف معرفي من جديد، وتعيدنا إلى بناء تفكيري مختلف، لا يستعمل فيه مطرقة فردريك نيتشه اللينة، بل مطرقة صلبة تهشم منطقيات التفكير، وحاكمية العقل، وبداهة التسليم؛ فهو يعيد النظر في طبيعة العلاقة بين الطبيعة والإنسان، وينزع عن الإنسان مركزيته ليقرر أن علاقته بالطبيعة علاقة تفاعل متوازنة لا تعطي غلبة لأحدهما على الآخر، ويضع حتمية الحقيقة أمام وهم التوقع، فتنفرج فكرته عن قناعته بأن الواقع وهم، والحقيقة ما نصنعه من ذلك الوهم. إذ إن ما يلحظه الإنسان من سلطة وتصرف، وأنه محور النظام الكوني ما هو إلا وهم يتوهمه، فمتى ما تجرد منه أدرك توازيه مع بقية الكائنات الأخرى في مساحة حياته. ونجد أننا ونحن في محيط هذه الفكرة نتجاوز حدود المفاهيم، ونحاول استظهار دلالتها المتجددة التي تقتضيها؛ فلم يعد الوجود الإنساني ذلك الوجود عرفا ومنطقا، ولم يعد الوهم وهما بمعناه المعجمي، بل تحول إلى مفهوم فلسفي يحمل حجة ودلالة؛ أما الحجة ففي نقيض الوهم ذاته حين يبرز الذكاء الاصطناعي واحدا من الحجج الكبرى التي يبرهن بها على وهم المركزية البشرية، وأما الدلالة فتكرس ضعف موقف من يناوئ هذه النزعة المركزية. يفتح الزهراني السؤال الوجودي عن ماهية المخلوقات من جديد في وقت حسم فيه الوحي كمصدر قاطع كل إشكالاته ومعضلاته التي عجز عنها فلاسفة ما قبل الميلاد، سالبا الإنسان مركزيته، متغافلا عن الإسنادات الشرعية والمنطقية التي تأسس وجود الإنسان عليها استخلافا وسلوكا ومرضا وموتا. يسلب السيطرة مِنْ مَن له السيطرة، وينازعه سلطته الكونية ويجرده منها، ويقرر توازيه مع غيره من مكونات الطبيعة ليثير هنا سؤالا عن ماهية الإنسان وماهية الطبيعة لينتهي به القول إلى تماثل الماهيتين؛ ماهية الإنسان وماهية الطبيعة، وأنهما شركاء في كل المكونات، وعيا وشعورا وإحساسا، بل أنها قد تتفوق على الإنسان في جانبها التكنلوجي؛ فتتحدى المرض والهرم، والموت كذلك، ويترك حقيقة الجواب عن هذا كله متروكة في وهم الزمن، وما تفرضه مستجدات الذكاء الاصطناعي، إذ هو كفيل بقلب هذه القناعات والأوهام التي تلبست البشرية طيلة هذه القرون الماضية. يحاول إلصاق الوهم بما يعيه الإنسان تجاه مركزيته، فيعد وعيه ويقينه بها وهما تشكل عبر الزمن من روافد مختلفة نضحت من الإصلاح الديني، والروح العلمية والثورة الصناعية، ليستخلف ما بعد الإنسانوية كمساءلة فكرية شاملة لما قررته تلك الروافد لتكون مرحلة ممكنة وموازية، قد يغدو الإنسان فيها أمرا ثانويا وقد ينتهي تماما. وهنا -إذا سلمنا بما يذهب إليه- تنشط في مخيلة الذهن تساؤلات عدة: ماذا نسمي مرحلة ما بعد الإنسانوية؟ وهل سيعقبها مرحلة أخرى ما بعد بعد...وهكذا حتى نصبح في سلسلة غير منتهية؟ وما الكائن الطبيعي غير الإنساني حينذاك الذي تكتمل معه طبيعة الحياة؟ وما دور الظواهر الطبيعية التي كانت تنظم حياة الإنسان من ليل ونهار، وأجرام سماوية من شمس وقمر وغيرها في هذه المرحلة؟. إن هذه الفكرة لا تنساق تحت نزع مركزية الإنسان المتوهمة واستحداث فاعل آخر يوازيه في الوجود، ويفوقه في القدرة وحسب، وإنما تقتضي رؤية شاملة للكون والحياة، وأمورا أخرى لا يمكن تصورها تصورا حسيا، إذ لا سبيل لها في أذهاننا إلا تخيلا. ومن هنا نصبح وكأننا نعالج وهما بوهم، ونغالب واقعا بخيال، مما يجعل هذه المحاولة بعمقها وجديتها تستحث الوقوف عندها وقوفا موضوعيا يستدعي كل تساؤلاتها العلمية والمنطقية والواقعية.