الذكاء الاصطناعي وموت الناقد الأدبي / حياة الناقد.

نقر ابتداء بقيمة النقد وما قدمه لنا عبر تاريخه الطويل، منذ اللمحات النقدية التي ظهرت فيما يسمى بالعصر الجاهلي، وما سبقه من نقد إنساني قد يمتد إلى النقد اليوناني، بل إلى النقد الطبيعي الذي ولد مع الإنسان الأول، وصولا إلى عصرنا الراهن. لقد قدمت الدراسات النقدية قيمة معرفية وإنسانية كبيرة، وأعتقد أن من أهم غايات النقد أن نصل به إلى ما هو أفضل في الحياة، على مختلف مستوياتها؛ فليست غاية النقد الانتقاد لذاته، وإنما غايته العميقة هي الكشف عن مواطن النقص، والسعي إلى بلوغ آفاق أفضل في الحياة. ولعلي أؤكد أن استدعاء مقولة «موت المؤلف»، التي ارتبطت برولان بارت، وكذلك مقولات «موت الأدب» وغيرها، وصولا إلى دعوتنا إلى تأمل مقولة «موت الناقد الأدبي»، لا يعني موتا حقيقيا تنعدم بعده الحياة، أو تمحى قبله القيمة؛ بل هو أقرب ما يكون إلى نهاية حقبة وبداية أخرى، بمواصفات جديدة، وربما بحياة نقدية مغايرة بالكلية. فمنذ ظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي وتطورها المتسارع، ولا سيما منذ عام 2023م، بدأ الذكاء الاصطناعي يأخذ دور الناقد الأدبي في جوانب كثيرة؛ من حيث قدرته على استكشاف خبايا النص الأدبي، وتحليل أوزانه الشعرية، ومعرفة مناهجه النقدية وطرائق تطبيقها على النصوص، والكشف عن طاقاتها الفنية والدلالية، واستخراج ما تستنطقه المناهج النقدية من أبعاد فنية واجتماعية ولسانية واقتصادية ونفسية، وغيرها. إن الذكاء الاصطناعي، في تطبيقاته المتطورة، بات قادرا على تجاوز قدرات الناقد الإنسان، حتى المحترف والمتخصص، في بعض المهام التحليلية والمعرفية، ناهيك عن الناقد أو الباحث المبتدئ في مراحل الدراسات العليا. وهذا ما ينبغي أن نعترف به، لا لنعلن نهاية النقد، بل لننطلق نحو بعث جديد وحياة جديدة له، نستفيد فيها مما يقدمه الذكاء الاصطناعي، في إطار مستحدثات نقدية ومعرفية تفتح للحياة مسارات إضافية، تتسق مع روح عصرها، ويشترك فيها الإنسان والذكاء الاصطناعي في إنتاج المعرفة وتطوير أدواتها. وأحسب أن من أهم هذه المسارات التي يمكن أن نسخر فيها الذكاء الاصطناعي ما يأتي: أولا: مراجعة التراث النقدي الإنساني وإعادة قراءته توظيف الذكاء الاصطناعي في مراجعة المنتج النقدي الإنساني الهائل، وتصنيفه وتحقيبه، وتوجيه طلبة الدراسات العليا في الجامعات إلى دراسته وتحليل تحولاته، ومعرفة الآفاق التي بلغتها المعرفة النقدية؛ لننطلق منها إلى أسئلة جديدة، ونؤسس لمسارات بحثية تتجاوز ما أنجز، بدلا من إعادة إنتاجه. ثانيا: تحقيق المخطوطات وإحياء التراث المعرفي ينبغي أن تعود الجامعات إلى مشروعات تحقيق المخطوطات، من خلال فرق بحثية جديدة، بإشراف أساتذة الجامعات وتوجيههم، للإسهام في تحقيق مخطوطات مهمة في مختلف العلوم والمعارف. وقد خضت مع طلبتي في الدراسات العليا تجربة مهمة في هذا المجال، ووقفنا على تطبيقات مفيدة للذكاء الاصطناعي يمكن أن تدعم مثل هذه المشروعات، وتفتح آفاقًا جديدة في قراءة المخطوطات وتحقيقها ومقارنتها وتوثيقها. ثالثًا: الدراسات الميدانية والكشف عن الآثار توجيه طلبة الدراسات العليا إلى الدراسات الميدانية، ومنها دراسة الآثار والكشف عنها وتحليل شواهدها باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وقد حاولت تطبيق ذلك في بحث علمي نشره كتاب “ملتقى النص” في نادي جدة الثقافي الأدبي، وأشرت فيه إلى تجربة مهمة لمنصة “إيثاكا” (Ithaca)، المرتبطة بأبحاث في جامعة أكسفورد، بوصفها نموذجا مبكرا لمشروعات علمية يمكن أن تتطور إلى تطبيقات أكثر تقدما في قراءة النقوش الأثرية وتحليلها واستكمال أجزائها المفقودة. رابعًا: الدراسات اللغوية والجمالية في الفضاء العام إجراء بحوث ودراسات ميدانية لقراءة لوحات الإشهار والإعلانات في الفضاءات العامة، وتحليل خطاباتها اللغوية والبصرية والجمالية، والكشف عن مواطن الخلل فيها، والإسهام في تصحيح مساراتها اللغوية والجمالية، بما يعزز حضور العربية وقيمتها الثقافية والبصرية في المشهد العام. خامسًا: دراسة الخطابات الرقمية وتوثيقها وأرشفتها إجراء دراسات معمقة لتوثيق النصوص والخطابات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وإكس وتيك توك وغيرها، وتحليلها ونقدها وتقويمها. وهناك عمل بحثي كبير ينتظر الباحثين في هذه المنصات، ومقالي هذا نفسه نموذج لنتائج حوار دار بيني وبين عدد من النقاد على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال عدة منشورات كتبتها حول هذا، وأثار أسئلة تتصل بمستقبل النقد ووظيفة الناقد في عصر الذكاء الاصطناعي. وأرى أن هذه المنصات تتيح فرصا هائلة لبحوث لا حصر لها، يمكن أن تستفيد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التوثيق والأرشفة طويلة المدى، وتحليل الخطابات، ورصد تحولاتها الفكرية واللغوية والجمالية، ودراستها وتقويمها. ولعل هذه المسارات ليست سوى نماذج أولية لمشروعات أوسع يمكن أن يتجه إليها النقد في مرحلته الجديدة. إننا، حين نتحدث عن “موت الناقد” لا ندعو إلى إلغاء النقد أو تغييب الناقد الإنسان، وإنما ندعو إلى مراجعة وظيفته، وإعادة النظر في أدواته وأسئلته ومجالات اشتغاله، في ضوء التحولات المعرفية والتقنية المتسارعة. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قد أصبح قادرا على أداء كثير من الوظائف التي ظل الناقد يحتكرها طويلا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم أكبر من سؤال: هل سيموت الناقد؟ هو: ما الوظيفة الجديدة التي ينبغي أن ينهض بها الناقد بعد أن تغيرت أدوات النقد وشروط إنتاج المعرفة؟ وبمثل هذه المشروعات، وغيرها مما لم نصل إليه بعد، تتجدد حيوات النقد والناقد، ويغدو ما نسمّيه “موت الناقد” إعلانا عن ميلاد ناقد جديد، لا يقف عند حدود ما أنجزته المعرفة، بل يتطلع إلى ما يمكن أن تنجزه. وللحديث بقية…