لم يكن أحمد الأسود يعرف، وهو يمضي في حياته بين ضمد والرياض وجازان، ثم في مواقع العمل والمسؤولية، أن أحداً سيجلس بعد سنوات طويلة ليكتب عنه من زاوية لا تتصل بما أنجزه في الهندسة، ولا بما قدمه في التعليم، ولا بالسنوات التي قضاها عضواً في مجلس الشورى. وربما لم يخطر له أن تصرفاً عفوياً صدر عنه في يوم من الأيام سيصبح، في ذاكرة صديق، مدخلاً لقراءة حياته كلها. لكن هذا ما يحدث أحياناً حين تتجاوز أفعال الإنسان حدود اللحظة التي وقعت فيها، وتستقر في وجدان الآخرين باعتبارها جزءاً من صورته التي لا تتغير. أكتب عن الدكتور المهندس أحمد محمد الأسود، الرجل الذي عرفته وأحببته، والذي سبق أن خصصت له مقالاً في صحيفة «عكاظ» في السادس من يناير عام ٢٠١٩ بعنوان «أحمد الأسود.. كيف تحوّل من فرد إلى مؤسسة»، أو في هذا المعنى. كنت آنذاك أرى في تعدد أعماله ومبادراته، وفي اتساع علاقاته وحضوره الاجتماعي، ما يجعل تلك العبارة قريبة من حقيقة الرجل. واليوم، بعد مرور السنوات، أجدني أكثر اهتماماً بالجانب الذي لا تستطيع السيرة المهنية أن تقدمه كاملاً، وبذلك التكوين الإنساني الذي جعل أحمد الأسود قريباً من قلوب من عرفوه. قبل مدة نشرت تغريدة على منصة (X) أشرت فيها إلى ظروفي الصحية. لم أوجهها إلى أحد، ولم أطلب فيها مساعدة. قرأها أحمد الأسود، واتصل بي، ثم بدأ من تلقاء نفسه التواصل مع عدد من كبار الأطباء في مصر، بحثاً عمن يمكنه النظر في حالتي. وسافر إلى هناك، وأخبرني بأنه رتب لي موعداً مع طبيب مرموق. وفي الليلة السابقة للموعد عاد واتصل بي قائلاً إنه سيكون في العيادة قبلي، حتى يضمن ألا يسبقني أحد إلى الطبيب. كنت أصغي إليه، وأشعر بأن ما يفعله يتجاوز حدود ما اعتدنا عليه في علاقاتنا، حتى بين الأصدقاء المقربين. فقد أخذ على عاتقه أمراً لم أطلبه منه، وتابع تفاصيله بنفسه، وبدا في حديثه وكأنه يؤدي شيئاً طبيعياً لا يستحق التوقف عنده. ولعل هذا أكثر ما أثّر في نفسي، أن الرجل لم يكن مشغولاً بحجم ما قدمه، وإنما بما يستطيع أن يفعله بعد ذلك. وقد بقي الموقف في ذاكرتي على حاله، محتفظاً بعفويته وحرارته، دون حاجة إلى إضافة شيء إليه. وحين أفكر في أحمد الأسود، أجد أن هذه العناية بالآخرين تنسجم مع ما عرفته في شخصيته من جدية في التعامل مع المسؤولية، وحرص على إتمام ما يبدؤه. وقد أمضى الرجل جانباً كبيراً من حياته في العمل الهندسي والإداري، حيث لا تكفي النوايا الحسنة لإنجاز المشروعات، وحيث تصبح متابعة التفاصيل شرطاً لنجاح العمل. وربما كانت هذه الخبرة الطويلة قد أسهمت في تشكيل طريقته في التعامل مع شؤون الحياة، غير أن ما أعرفه فيه يجعلني أعتقد أن جذور ذلك أعمق من حدود المهنة. ولد أحمد الأسود في ضمد بمنطقة جازان، وفقد والده قبل أن يكمل عامه الأول، ثم نشأ في رعاية جده العالم أحمد بن حسن عاكش، قبل أن يفقده هو الآخر. وقد حملته الحياة من تلك البدايات إلى جامعة الملك سعود، حيث درس الهندسة المدنية، ثم عاد إلى جازان ليعمل أكثر من ثلاثة عقود في مشروعات التعليم وإدارته. وأشرف خلال تلك السنوات على ما يزيد على مئتي مشروع مدرسي، وتولى مسؤوليات هندسية وإدارية متعددة، قبل أن تمتد تجربته إلى العمل البلدي، ثم عضوية مجلس الشورى السعودي. وبعد هذه المسيرة واصل دراسته حتى حصل على الدكتوراه من جامعة الإسكندرية في مجال التحكيم في عقود الإنشاءات الدولية. وتكشف هذه المحطات عن رجل لم يكتف بما وصل إليه في مرحلة من حياته، وظلّ قادراً على مواصلة التعلم وتحمل مسؤوليات جديدة. وقد استوقفتني دائماً عودته إلى الدراسة بعد سنوات طويلة من العمل، ففي ذلك ما يدل على علاقة جادة بالمعرفة، وعلى استعداد لبذل الجهد في وقت قد يختار فيه كثيرون الاكتفاء بما حققوه. أما تجربته في مشروعات التعليم، فإنني أراها من أكثر محطات حياته اتصالاً بالناس. فقد شارك في بناء مدارس أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لأجيال من الطلبة والمعلمين، وأسهمت في توفير بيئة تعليمية لأبناء المنطقة. ولعل المهندس الذي يتابع مراحل إنشاء مدرسة يعرف تفاصيلها الفنية أكثر مما يعرف مصائر الذين سيدخلون أبوابها، لكنه يشارك، من حيث لا يدري، في تهيئة المكان الذي ستبدأ منه تجارب إنسانية كثيرة. ومع أن أحمد الأسود أمضى سنوات في مواقع إدارية وعامة متعددة، فقد احتفظ في علاقتي به بشخصية واضحة لا تتكلف التواضع، ولا تحتاج إلى استعراض المكانة. إنه رجل يعرف قدر نفسه، ويعتز بتجربته، ويتحدث بثقة مَن خَبَر الحياة والعمل، لكنه يظل قريباً من أصدقائه، حاضراً في شؤونهم، مهتماً بما يمرون به. وهذه الموازنة بين الاعتداد بالنفس والقدرة على الاقتراب من الآخرين من أجمل ما عرفته فيه. وقد أتاحت له مسيرته أن يتعامل مع مسؤولين وشخصيات من مجالات مختلفة، وأن يكتسب خبرة واسعة في الإدارة والعمل العام. لكن ما يعنيني في هذه العلاقات هو أنها لم تتحول إلى وسيلة لإظهار النفوذ أو المكانة في حضوره الإنساني. فقد بقي، كما عرفته، يتعامل مع الصداقة باعتبارها علاقة قائمة بذاتها، لها قيمتها التي لا تستمدها من المناصب أو المصالح. وأذكر أنني حين كتبت عنه قبل سنوات كنت أحاول فهم ذلك النشاط الذي جعله حاضراً في مجالات متعددة، وكيف استطاع أن يجمع بين العمل الرسمي والمبادرات الاجتماعية والعلاقات الإنسانية الواسعة. وقد بدا لي يومها أن وصفه بالرجل الذي تحول إلى مؤسسة يلخص جانباً مهماً من تجربته. أما الآن فأجد أن العبارة نفسها تحتمل معنى آخر، يتعلق بقدرته على أن يكون مؤثراً في حياة الآخرين من خلال شخصيته، وما تمنحه علاقته بهم من ثقة واطمئنان. وأنا أعرف أن الكتابة عن صديق عزيز قد تجعل الكاتب ميالاً إلى استحضار أجمل ما فيه، وربما أغرته اللغة بأن يمنحه صفات لا يستطيع إنسان أن يجمعها كلها. ولهذا أحاول أن أبقى قريباً مما عرفته بنفسي، وأن أترك للوقائع أن تقدم الرجل كما هو. فالمحبة التي أحملها لأحمد الأسود لا تحتاج إلى أن أصنع منه شخصية مثالية، ولا أن أتجاوز حدود معرفتي به. يكفيني أن أكتب عما رأيته في سلوكه، وما استقر في نفسي من أثره خلال سنوات صداقتنا. لقد عرفته رجلاً يحسن المبادرة، ويأخذ ما يستطيع فعله للآخرين بجدية، ويمنح علاقاته الإنسانية من اهتمامه ما يجعلها ممتدة وقادرة على تجاوز تغير الظروف. وقد يكون لهذه الخصال حضور في حياة كثيرين، لكن اجتماعها في شخصيته، بالطريقة التي عرفتها، هو ما يجعل له مكانة خاصة في وجداني. ولا أستطيع أن أنظر إلى تجربته بمعزل عن المكان الذي جاء منه، وعن السنوات التي قضاها في خدمة مجتمعه. فقد ظل اسم (ضمد) حاضراً في سيرته، مثلما بقيت جازان مجالاً واسعاً لعمله وعلاقاته. ولعل الانتماء إلى المكان يكتسب معناه الأعمق حين يتحول إلى مشاركة في حياته اليومية، وفي مؤسساته، وفي الفرص التي تتاح لأبنائه. وقد كانت مشروعات التعليم التي عمل عليها أحمد الأسود جزءاً من هذا الحضور الممتد. وحين انتقل إلى مجلس الشورى، حمل معه خبرة ميدانية تكونت عبر سنوات من التعامل مع المشروعات والإدارة والخدمات. ثم أضاف إلى تجربته بعداً أكاديمياً جديداً بدراسته للدكتوراه. وهذه القدرة على الجمع بين الخبرة العملية والتعلم المستمر تكشف عن جانب مهم من شخصيته، هو احترامه للعمل بوصفه جهداً يتطلب التطور والمراجعة، لا مجرد موقع يشغله الإنسان لبعض الوقت. ومع ذلك، فإنني كلما حاولت أن أكتب سيرته وجدت أن أكثر ما يشدني إليه يقع خارج التسلسل الزمني المعتاد. فقد تتشابه السير المهنية في محطاتها، لكن التجارب الإنسانية تمنح أصحابها ملامحهم الخاصة. وما أريده من هذه الكتابة أن يصل إلى القارئ شيء من أحمد الأسود الذي عرفته، بصوته وطباعه ومبادرته وحضوره، بعيداً عن اللغة التي تحول الأشخاص إلى أسماء تتبعها قوائم من الوظائف والشهادات. ولعلي أكتب عنه اليوم أيضاً لأنني أرى أن الاعتراف بفضل الناس ينبغي أن يكون جزءاً من علاقتنا بهم وهم بيننا. فقد اعتدنا أن نحتفظ بكثير من مشاعر التقدير لأنفسنا، وأن نؤجل التعبير عنها حتى تأتي مناسبة تستدعي ذلك. وأحياناً يمضي الوقت، ونكتشف أن كلمات كان يمكن أن تقال ببساطة أصبحت أثقل مما نحتمل. أما أنا فأريد أن أقول لأحمد الأسود ما أشعر به الآن، وأن يعرف أن محبتي له ليست امتداداً لسنوات المعرفة وحدها، وإنما لما وجدته فيه من صفات جعلت هذه المعرفة أكثر قيمة مع مرور الزمن. يا أبا محمد، حين كتبت عنك قبل سنوات كنت أتأمل مسيرتك وما قدمته من أعمال، وأحاول أن أجد عبارة تليق باتساع تجربتك. واليوم أعود إليك من باب آخر، أحمل فيه امتناناً شخصياً عميقاً، وأرى في صداقتك واحداً من المكاسب الجميلة التي منحتني إياها الحياة. ولست أدري إن كانت الكلمات تستطيع أن تنقل إليك تماماً ما أريد قوله، لكنني أعرف أن بعض الأشخاص يجعلوننا أكثر ثقة في المعنى الإنساني للعلاقات، وأكثر تقديراً لتلك المساحة التي يتركها حضورهم في حياتنا. لقد أمضيت سنوات طويلة تبني وتعمل وتتعلم وتخدم مجتمعك، وتركت في كل مرحلة شيئاً من جهدك وتجربتك. وهذه سيرة تستحق التقدير، غير أن ما أحتفظ به لك في نفسي يتجاوز ما يمكن تدوينه في سجل مهني أو عرضه في مناسبة تكريم. فقد استطعت، يا دكتور أحمد، أن تمنح حياتك معنى يتسع لحياة الآخرين، وأن تجعل محبتك في قلوبهم عملاً لا ينتهي بانتهاء أيّ منصب أو مسؤولية. (*) كاتب وصحافي سعودي