البيانات ثروة وثورة جديدة.

نعيش في عالم يتغير بسرعة تفوق قدرتنا أحياناً على ملاحقة تفاصيله، ثمة ثروة جديدة ولدت من قلب العصر الرقمي، لا تستخرج من باطن الأرض، ولا تحتاج إلى منجم أو آبار، وإنما تتولد كل لحظة من حركة الإنسان وعمله وتعاملاته واتصالاته وخدماته الرقمية. الثروة الجديدة هي (ثروة البيانات)، إن البيانات اليوم ليست مجرد أرقام محفوظة في أجهزة الحاسب، ولا ملفات متراكمة في قواعد معلومات، وإنما أصبحت من أهم أصول الاقتصاد الحديث ومصدراً لصناعة المعرفة والابتكار وصنع القرارات، إنها ثروة صامتة، لكنها تتحدث بلغة الأرقام وتكشف لنا ما لا نستطيع أن نراه. إننا نعيش عصراً أصبحت فيه البيانات ثروة وأصبحت في الوقت نفسه ثورة تقنية. لقد عشنا في مملكتنا الحبيبة مع ثروة البترول عقوداً من التنمية ونحن نستفيد من ثروتنا البترولية التي كان لها الدور الأكبر في بناء الإنسان والاقتصاد وتمويل مشاريع التنمية الحديثة. واليوم ومع رؤية المملكة 2030 نشهد تحولاً مهماً نحو اقتصاد أكثر تنوعاً يقوم على المعرفة والتقنية والابتكار والاقتصاد الرقمي. ولا يعني ذلك أن الثروات التقليدية كالذهب والبترول فقدت أهميتها، بل إن العالم أضاف إليها نوعاً جديداً من الثروة، فالبترول مادة خام تتحول إلى طاقة ومنتجات، أما البيانات فهي مادة خام تتحول إلى معلومات ومعرفة وقرارات وخدمات وابتكارات. وعندما تصبح البيانات متاحة للجهات المعنية وفق أطر الحوكمة المناسبة، يمكن أن تتحول إلى أداة لفهم احتياجات المجتمع وتحسين الخدمات ودعم التخطيط ورفع كفاءة الإنفاق واستشراف المستقبل، وهنا تنتقل البيانات من كونها معلومة مخزنة إلى كونها قيمة مضافة. ومن أكثر المجالات التي تظهر فيها قيمة البيانات كثروة، قطاع الصحة، فالسجل الصحي الرقمي لا يمثل مجرد ملف إلكتروني للمريض، وإنما يمكن أن يكون مصدراً مهماً لفهم التاريخ الصحي وتحسين جودة الخدمة ودعم الأطباء والمختصين بالمعلومات اللازمة، يتيح لنا المستشفى الذي نتعامل معه اليوم الاطلاع على ملفاتنا الصحية والتعرف على نتائج التحاليل والأشعة ونوع الأمراض والأدوية، كما أصبح ملفنا الصحي متوفراً ويمكن عرضه على الطبيب المعالج القديم أو الجديد. وفي مجال التعليم أيضاً تفتح البيانات أبواباً وفوائد جديدة وعديدة، فالمنصات التعليمية تستطيع أن تكشف مستوى التفاعل ونقاط القوة والضعف والموضوعات التي يواجه فيها الطلاب صعوبة. ومع الذكاء الاصطناعي يمكن الانتقال تدريجياً من التعليم الذي يقدم المحتوى نفسه للجميع إلى تعليم أكثر قدرة على فهم احتياجات المتعلم. قد يأتي اليوم الذي لا ينتظر فيه المعلم نهاية العام الدراسي لكي يعرف أن طالباً ما يواجه صعوبة، وإنما تساعده البيانات على اكتشاف ذلك مبكراً. والتقنية هنا لا تحل محل المعلم، ولكن تمنحه عيناً إضافية تساعده على فهم طلابه. إن ثروة البيانات مثل أي ثروة أخرى تحتاج إدارة حكيمة على مستوى الإنسان والمؤسسة، فلا يكفي أن نجمع البيانات فحسب، بل علينا أن نعرف لماذا نجمعها وكيف نستخدمها ومن يحق له الوصول إليها وكيف نحميها ومتى يجب التخلص منها أو عدم استخدامها. والتقنية تساهم في حفظها وتنظيمها، سواء في جوالاتنا أو أجهزتنا الحاسوبية المتعددة، فعلى المستوى الشخصي (ها هو جوالي السامسونج يتحفني بين وقت وآخر بعرض معلومات وصور لي ولأبنائي وأحفادي وأقاربي وأصدقائي في مناسبات متعددة، يذكرني بأنه يحتفظ ببيانات أهم وأجمل المناسبات ويذكرني بها كشريك وصديق تقني دائم). وكلما تحدثنا عن البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي يجب ألا ننسى أن وراء كل نظام ذكي عالماً من البيانات، والخوارزمية مهما كانت متقدمة تحتاج إلى بيانات مناسبة حتى تتعلم وتنتج نتائج ومخرجات ذات قيمة. إن السباق العالمي في الذكاء الاصطناعي ليس سباقاً في الخوارزميات فقط، إنه سباق جودة البيانات وقدرة الدول والمؤسسات على إدارتها، وهذا يجعل البيانات عنصراً من عناصر القوة الوطنية في هذا العصر. مملكتنا العظيمة تملك فرصة مهمة في مجال البيانات خصوصاً مع ما تشهده من تحول رقمي واسع واستثمارات في التقنية وتوسع في الخدمات الحكومية الرقمية وبناء القدرات الوطنية في البيانات والذكاء الاصطناعي. وبقدر ما تكون البيانات ثروة وطنية جديدة، فهي ثورة تقنية جديدة، باعتبارها امتداداً طبيعياً للثورة الصناعية الرابعة والثورة المعلوماتية، لكنها تختلف عنهما في سرعتها واتساع نطاقها وقدرتها على التأثير في مختلف مجالات الحياة. وفي مفهوم إدارة المعرفة KM تتحول البيانات إلى معلومات، والمعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى حكمة، تترجم إلى قرارات وابتكار وقيمة، وهذا التدرج أو السلسلة هي التي تجعل البيانات ثروة ومورداً استراتيجياً للدول والمؤسسات. Chmq2012@gmail.com