ناهل السعودية
كل يوم من أيام الوطن هو يوم من أيام ناهل العامرية ولمن لا يعرف العامرية فهي سيدة جنوبية جازانية طاعنة في الحب يكللها الشيب الذي لم تحاول إخفاءه أو تلوينه وتزينها زرقة في عينيها اعتادت نساء القرية على نسبتها للشيطان ورحلت هي قبل أن تعلم أنه يمكن لطبيب العيون معالجتها ! كانت ناهل العامرية ـ رحمها الله ـ موسوعة متحركة رغم أميتها المفروضة فهي لم تلتحق بأي مدرسة رسمية لكنها حفظت القرآن وروت الحديث والشعر حيث التحقت بالكُتّاب في منزل والدها الذي أحسن تعليمها فكانت تدندن بالشعر أثناء حلبها للبقر أو خض اللبن وقد تسمعها تلحنه وتغنيه وهي تكنس عتبة دارها بمكنستها المصنوعة من خيوط الخوص.. ربما تتساءل الآن عن علاقة كل ذلك بالوطن؟ وللأمانة فأنا لا أعرف تحديداً متى بدأت علاقتهما لكني سأخبرك بما شاهدته أثناء غزو العراق للكويت في تلك الفترة كنت لا أعدو كوني طفلة مدللة تقضي معظم وقتها في حضن جدتها التي تبالغ في العناية بها كانت ناهل التي بدأت قدرتها السمعية في التناقص تقترب من التلفاز كلما ارتفعت موسيقى نشرة الأخبار وكان كل من في المنزل يصمت امتثالاً لأمرها وكنت أتأملها باستغراب وهي تصفق فرحاً كلما ظهرت صورة الملك فهد رحمه الله على الشاشة الصغيرة الملونة أو لاح مشهد لجنودنا المرابطين أو استهلت أغنية من أغاني الوطن الثائرة لاسيما أغنية “ أوقد النار يا شبابها – وصمة العار ما نرضى بها “ حيث كانت ترددها كثيراً كما أشاهد استياءها الكبير وغضبها كلما أعلن خبر استهدافٍ لإحدى مدننا العزيزة راقبت ذلك كله وأنا ألهو بالقرب منها لكن أكثر مشاهدها جموحاً كانت ملامحها وهي تستمع لقصائد الشاعر خلف بن هذال العتيبي كانت العامرية بذاكرتها المتوقدة وحبها الفطري للشعر تصغي له وتحفظ كل ما يقول أو معظمه فـإذا انتهت فقرته في التلفاز اتخذت مجلسها بيننا فيما تجتمع الجارات لشرب القهوة والاستماع لناهل وهي تروي تفاصيل ما يحدث فتبدأ بالدعاء للمليك والوطن ثم تنشد بحماسة لا تقل عن حماسة الشاعر القصائد التي سمعتها مشيرة بيدها مثله ومتمثلة لأبياته بيتاً بيتاً فيما تتجاوب النساء بالتهليل والفرح و لا أبالغ إن قلت إنني حفظت الكثير من القصائد مشافهة منها، لذلك لا تخلو مناسبة من طيفها الشامخ وهي تدعو أو تنشد أو تروي ملاحم هذا الكيان السعودي الذي تشربت حبه والإخلاص له ولا يمكن أن تمر قصيدة لخلف بن هذال دون أن يرن صوتها في مسمعي وهي تعيد تشكيلها بقامتها المهابة ونبرتها الحماسية الشجاعة. رحم الله ناهل العامرية التي مازالت ذكراها تحرس الوطن وغفر لها وحفظ لهذه البلاد أمنها واستقرارها وولاة أمرها وجنودها المرابطين.. وكل عام وسعوديتنا بخير ...