نهايات غير معلنة.
لا يدهشني في التكنولوجيا سرعتها أو مدى الراحة التي تمنحنا إياها بقدر دهشتي من عملية التحويل التي تحدث فينا ونحن لا ندرك، كيف تحولت شقاوتنا العشوائية إلى أنظمة أكثر تعقيدًا وتنظيمًا في آن واحد؟! كيف تحولت حياتنا العفوية من المحاولة والخطأ والدهشة إلى عمليات محوسبة ومجدولة؟! كيف لم نلتقط اللحظة الأخيرة ووقعنا في شباك مترف؟! هذه (الإزاحة الهادئة) كيف تصنع نهايات غير معلنة؟ تتوارى من حياتنا تفاصيل وطقوسٌ دون أن نلحظ غيابها؛ تنتهي ببطء شديد، كأنها لم تكن في نسختنا القديمة يومًا. ومن هذه الطقوس الملل الخلاق الذي بسببه لم يأكل نيوتن التفاحة ليُهدينا قانون الجاذبية، وهو نفسه الذي أشعل شقاوة ابن فرناس ليُجرب الطيران، ودفع ألبرت أينشتاين للركض بجوار شعاع الضوء فتُولد نظريته النسبية، ومن صمت البيروني وعزلته وُلد علم الفلك وتدوين النجوم. لقد كانت تلك المساحات الصامتة في أذهانهم هي المجهر الذي أبصروا به الكون، أما نحن، فقد خلقنا من هذا الشعور ألعابًا ذهنية، فكنا نُسابق القمر في ليالي الطفولة، ونعد تشكيلات النجوم بأعيننا واحدةً تلو الأخرى، ومن وسائد الصالة بنينا صوامع وقلاع ومراجيح، ومن الجدران رسمنا لوحات فنية، ومن المشط ميكرفونًا نصدح به، ومن درج الصالة منبرًا ومنصة لعرض المواهب. اليوم، أزاحت التكنولوجيا هذه الدهشة البسيطة، بل واقتحمت الذاكرة ووضعت معسكراتها هناك؛ فلم نعد نذكر آخر رقم هاتف حفظناه.. أو كيف غادرتنا مهارة التوجه المكاني.. إنه الاتكال الذي حول المعرفة الحقيقية بالجغرافيا الصغيرة المحيطة بنا إلى خوفٍ دائم من عدم الوصول. ولا ننسى اللحظات والذكريات؛ إذ نستمر بتوثيقها والتقاطها عدة مرات؛ خشية أن تتسرب من ذاكراتنا المهترئة. وتأتي النهاية غير المعلنة في العلاقات والتواصل الإنساني على هيئة لقاءات مؤجلة مع الأصدقاء، ثم لقاء باهت، ثم وداعٍ مع وعدٍ بلقاءٍ قريب.. ثم لا نعود. وتأتي كذلك على هيئة ابتسامات حذرة عند المصعد مع الجيران، بعد أن كنا نتشارك معهم إفطار العيد ونتبادل أطباق رمضان، فاخترنا الغربة معهم في الوطن نفسه. ومع الأقارب حين تحولت المحادثات اليومية المستمرة إلى ردودٍ مختصرة، ثم إلى تهنئةٍ في المناسبات فقط، وصولًا إلى مرحلة “الرسالة الأخيرة”، التي لا يُرد عليها دون أن يعتب أحد. وما يثير الدهشة حقًا هو تلك الكياسة في الانتقال التدريجي من الاستثناء إلى الرسمية في تعاملاتنا، وتوقفنا عن مشاركة التفاصيل الصغيرة لتصبح علاقاتنا سطحية بدلًا من القرب والعمق القديم. ربما كانت النهاية في أحد الأزقة تحت الشمس القائظة دون اهتمام بلهيبها، نلاحق سيارة الآيس كريم أو نتجمع حول” بقالة” الحي لنشتري ألعابًا وحلويات ملونة.. ثم جاءت الأجهزة لتكتم زهو تلك المرة الأخيرة، دون أن نشعر... ولم تقف النهايات غير المعلنة عند حد المهارات أو الشوارع أو العلاقات، بل تسللت ببطء إلى داخلنا، إلى الذات نفسها؛ فبالغنا في أنفسنا، ورفعنا شعارات تقدير الذات، ووضعنا أوسمة رسم الحدود، فتوارَت قدراتٌ خارقة كانت فينا، كالتجاوز والتخطي.. فتضخمت فينا الفردانية، وأصبحنا نُقيّم أنفسنا بمعايير اجتماعية صارمة ومقارنات لا فكاك منها، ومثالية مفرطة لا نسمح لأنفسنا فيها بتلعثم؛ فاضمحلت بساطتنا وعفويتا كالملح والماء، وفقدنا قدرة خارقة أخرى؛ فبنقرة زر واحدة أضعنا بريق الحصول على الأشياء بعد انتظار.. وضاع منا الصبر.. نؤمن أن شكل العيش قابل للتحول ما دامت وتيرة الحياة مستمرة، وتصالحنا مع هذا التحول لا يعني جلد ذواتنا أو أن نقاوم شكل الإنسان المعاصر، إنما بالالتفات لما تركناه خلفنا، ووعينا بما يحدث فينا. في النهاية، نحن لم نودع طقوسنا ولم نلتقط صورة أخيرة معها؛ لأننا نظن أنها ما زالت بحوزتنا، ولكننا تركناها في ربائد الإنسان القديم؛ لأننا لم نعد نحتاج إليها. النهايات غير المعلنة لا تطلب منا العودة إلى الوراء بقدر ما تعني أن نبصر العالم بحواسنا الفطرية، قبل أن تدركنا حواس العصر.