لغة الواجهة.
كثيراً ما تلفت انتباهي وأنا أسير في شوارع مدننا لوحات بعض المحلات التجارية، لا بسبب جمال تصميمها أو غرابة أسمائها، وإنما لما تحمله أحياناً من أخطاء لغوية فادحة؛ فهذا مرفوع حقه النصب، وذاك منصوب حقه الرفع، وأحياناً لا تقف المشكلة عند حدود الخطأ النحوي أو الإملائي، بل نجد عبارات عربية كُتبت بالطريقة المكسرة التي يتحدث بها بعض الوافدين ممن لم تكن العربية لغتهم الأم، حتى أصبحت تلك الصياغات معلقة على واجهات المحلات يقرؤها آلاف المارة كل يوم. ولست هنا بصدد تحميل الخطاط أو مصمم اللوحة كامل المسؤولية، ولا حتى صاحب المحل وحده، فالسؤال الأهم: كيف وصلت هذه العبارة إلى اللوحة أصلاً، وكيف مرت عبر الإجراءات الرسمية حتى أصبحت واجهة لنشاط تجاري مرخص؟ فالاسم التجاري تنظمه وزارة التجارة، والعلامة التجارية تدخل ضمن اختصاص الهيئة السعودية للملكية الفكرية، واللوحة التجارية تخضع لاشتراطات البلدية. وهذه الجهات، وإن اختلفت اختصاصاتها، تلتقي في النهاية عند مشهد واحد يراه الناس في الشارع. ومن هنا تبدو الحاجة إلى حلقة لغوية تكمل هذه المنظومة، بحيث لا يكفي أن يكون الاسم مستوفياً لشروط تسجيله، والعلامة قابلة للحماية، واللوحة مستوفية لأبعادها وموقعها واشتراطاتها الفنية، بينما العبارة العربية المكتوبة عليها تحمل خطأً ظاهراً لا يليق بلغة البلاد الرسمية. وتزداد أهمية ذلك بعد موافقة مجلس الوزراء بالقرار رقم (588) وتاريخ 15/8/1447هـ على السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية، التي أكدت تعزيز حضور اللغة العربية في المشهد العام، ومن ذلك اللوحات التجارية، كما أكدت ترسيخ استعمالها في مجال الأعمال بالصورة اللائقة بها. وإذا كان المشهد اللغوي يبدأ مما نراه ونقرأه في الأماكن العامة، فإن لوحات المحلات واحدة وهي أكثر حضوراً أمام المواطن والمقيم والزائر. ولا أعتقد أن معالجة الأمر تحتاج إلى إجراءات معقدة أو أعباء جديدة على أصحاب الأنشطة التجارية، فالتقنية اليوم قادرة على أن تجعل التدقيق اللغوي خطوة بسيطة ضمن إجراءات اعتماد الاسم أو العلامة أو اللوحة، كما يمكن إيجاد تكامل إلكتروني بين الجهات المعنية، والاستفادة من الجهات اللغوية المختصة عند الحاجة، بحيث يُصحح الخطأ قبل أن يتحول إلى لوحة تبقى سنوات في الشارع. وقد يكون من المفيد أيضاً البناء على ما بدأته وزارة التجارة باستحداث “منصة خبراء اللغة العربية” ضمن نظام الأسماء التجارية، بهدف زيادة المخزون اللغوي من الأسماء العربية في البيئة التجارية، لتتسع العناية من اختيار الاسم العربي إلى سلامة اللغة التي يظهر بها أمام الناس. لغتنا العربية لا تحتاج منا إلى رفع الشعارات دفاعاً عنها بقدر ما تحتاج إلى احترامها في استعمالنا اليومي، ومن أبسط صور هذا الاحترام ألا نمنح الخطأ اللغوي مكاناً دائماً فوق واجهات محلاتنا، فواجهة المحل ليست مجرد لوحة تعريفية، بل جزء من واجهة المدينة، ولغة الواجهة ينبغي أن تليق بلغة الوطن.