الكلمات الأخيرة

عتــــــاب القلـــــم

مات أحد المطربين قبل أيام - والبقاء لله وحده - وراح الكتير من الصحف العربية ، وبعض وسائل الاعلام الاخرى ، يتحدث عن ( فقيد الغناء العربي ) كما لو كان بطلا أسطوريا استطاع أن يحرر فلسطين من براثن الاعداء وأن يعيد أمجاد الامبراطورية العربيه في أوج ازدهارها ٠٠ ! ومن حق أي انسان أن ينعى فقيدا عزيزا على نفسه ، ومن حقه أن يطريه .٠. ولكن أن يصل هذا الاطراء ، وذاك الرثاء ، الى حد يجعل من الفقيد شخصا فوق مستوى المعقول ، فهذا ما نرفضه وناباه .. بل ما يرفضه كل غيور على واقع أمته الاليم ! ونحن نعرف أن هذا المغني قد خلب ألباب المراهقين والمراهقات ، وأطار صواب المتصابين والمتصابيات ٠٠. وهذا هو كل أمجاده التي عاش عليها طوال حياته .. ! أي أنه لم يكن - على سبيل المثال - جنديا مرابطا في ثغر من ثغور العروبة والاسلام ، ولم يلقّ وجه ربه على هضاب الجولان أو فوق كثبان سيناء أو على مشارف الأقصى ، ولا استشهد متطوعا مع أقرانه المناضلين في أرياف أريتريا ، ولم يسهم في اختراع سلاح عربي رهيب نرد به كيد الطغاة الطامعين في بلادنا ونكيل به الصاع صاعين لاعدائنا المتربصي الدوائر بقيمنا ومقدساتنا ولم يقدم لأمّته خدمة قومية يستحق بها شكر الشاكرين وينال بها حق الاعتراف بالجميل .. بل كان (مغنواتيا) - كما يقول العامة في مصر - ساهم في صنع ظاهرة الميوعة الخلقية التي يعيشها الكثير من الشباب العربي المعاصر ، والتي كانت أحد الاسباب لهزيمتنا أمام أعدائنا..! ولقد افتقدت الأمة العربية ، في السنوات الاخيرة ، عشرات الاعلام من المفكرين والمصلحين والمجاهدين .. ومع هذا لم نر صحافتنا العربية تقوم - ولو على الآقل - بتعريف هؤلاء الى أبناء جلدتهم تعريفا يتناسب مع ماقدموه لبلادهم من خدمات وتضحيات ، فعاش هؤلاء حياتهم مغمورين ومضوا إلى بارئهم منسيين . وانى أريد أن اقول للصحافة المنساقة وراء هذا السخف من القول، وللأقلام التي راحت تتبارى ، في غباوة ، لتنعى حظ الأمة العربية (العاثر) بفقدان مطربها الكبير- أريد أن اقول لها في اخلاص: إننا أمة مافتئت تعيش في أعقاب نكسات ونكبات لم يشهد لها التاريخ نظيرا ، وهي تمر ، اليوم ، بفترة من أحلك فترات حياتها وأحرجها ... فترة تكالبت فيها أطماع الحاقدين والموتورين وتنوعت فيها أساليب التشكيك ومذاهب المكر والخداع حتى لم تعد هذه الأمة على بصيرة من أمرها ، وحتى صارت أحوج ما تكون الي الى من ينير لها مسالك الدروب ، ويأخذ بيدها الي معارج النور والحكمة ومراقي القوة والثقة بالنفس ... وأريد أن أقول لبعض الكاتبين أو (المتصاحفين) : ألا تستحون من هذا اللغو الذي تنشرونه حيث الحياء من الايمان ٠٠؟ أليس مخجلا أن يستحوذ خبر وفاة المطرب الكبير على أسلات أقلامكم .. وهي الاقلام التي كان حريا بها أن توقف في سبيل تعميق الروح العربية الاصيلة ولبناء الشخصية العربية بناء روحيا وخلقيا وقوميا لتكون قمينة باعادة ماء الوجه المراق على صفحات الحاضر .. ؟! وأريد أن أقول - من بعد - : إن الكلمات التي قيلت في مناسبات شتى حول بعض الأعلام الذين افتقدهم العالم العربي والاسلامي لاتكاد تساوي شيئا بالنسبة لما كتبته بعض الصحف والاقلام عند وفاة المطرب الراحل وإن دل هذا على شيء ، فإنما يدل - للوهلة الاولى - على خواء في أفكار بعض أدعياء القلم وعلى عدم تمييزهم بين غث الحديث وسمينه ، وضحله ومعينه ! . وكان الله في عون الصحافة الصالحة ! اليمامة- العدد 447- 4 جمادى الأولى، 1397هـ/ 22 إبريل، 1977م.