الحنين بوصفه اغترابًا..

جدل المكان والذاكرة في “نوستالجيا الجبال” .

ليست الغربة مسافةً بين جسدٍ ومكان، بقدر ما هي اختلالٌ في علاقة الذات بالعالم؛ وليست النوستالجيا استعادةً وجدانية لماضٍ انقضى، بل وعيًا مأساويًا بأن ما مضى لا يعود، وأن الذات التي تستدعيه لم تعد هي الذات التي عاشته. من هذه المنطقة الملتبسة بين الوجود والفقد، وبين الذاكرة والزمن، يمكن قراءة كتاب سهام معيض آل فاضل الوادعي، «نستولوجيا الجبال: شعرية الغربة والحنين عند شعراء منطقة عسير من 1400 إلى 1440هـ»؛ بوصفه بحثًا في شعرية الغربة، وبوصفه ـ في مستوى أعمق ـ مساءلةً للعلاقة التي يعيد بها الإنسان تشكيل وجوده حين يفقد التطابق بين المكان والذاكرة والذات. فالكتاب، وإن اتخذ من شعراء منطقة عسير مجالًا إجرائيًا، لا يقف عند حدود الجغرافيا الأدبية؛ لأن الغربة التي ينطلق منها سرعان ما تتجاوز المكان لتغدو بنيةً وجودية. والمؤلفة نفسها تشير إلى أن الغربة ليست «مجرد انفصال مكاني»، وإنما حالة وجودية ونفسية واجتماعية تتجاوز حدود الجغرافيا إلى أعماق التجربة الإنسانية (الوادعي، ص12). وبهذا الانتقال يتحول المكان من حيّز خارجي إلى مكوّن من مكونات الوعي؛ فلا يعود الوطن ما تقيم فيه الذات، بل ما يقيم فيها. ومن هنا تتأسس المفارقة المركزية للحنين: فالذات لا تشتاق إلى المكان لأنه مكان فحسب، وإنما لأنها أودعت فيه جزءًا من تاريخها. إننا حين نستعيد بيتًا قديمًا، أو جبلًا، أو طريقًا، لا نستعيد الأشياء في ماديتها؛ بل نستعيد ذواتنا وقد انعكست عليها. لذلك يمتد الحنين في الكتاب إلى الوطن والأهل والأصحاب والطفولة والشباب (الوادعي، ص13)، بما يكشف أن موضوعه الحقيقي ليس شيئًا واحدًا مفقودًا، بل عالمًا من العلاقات كان يمنح الذات إحساسها بالاتصال والاستمرار. ولعل هنا تكمن القيمة الدلالية العميقة للجبل في عنوان الكتاب. فالجبل، في التجربة الشعرية، لا يبقى حقيقة طبوغرافية صامتة؛ إنه يتحول إلى أرشيف للوجود الشخصي. ثمة فرق بين الجبل الذي تقيسه الجغرافيا والجبل الذي تستحضره الذاكرة: الأول كتلة في المكان، والثاني كثافة في الزمن. الأول قائم خارج الإنسان، أما الثاني فقد عبر إلى داخله وأصبح جزءًا من نظامه الرمزي. ولذلك لا يستعيد الشاعر الجبل كما هو، بل كما صار فيه. إن المكان، بهذا المعنى، لا يُمتلك بالإقامة فيه، وإنما بما يترسب منه في الوعي. ولهذا يصبح الرحيل فعلًا يتجاوز الانتقال المكاني إلى إعادة تشكيل الذات. ويكشف الكتاب، في حديثه عن دوافع الاغتراب، عن الرحلة بوصفها دافعًا مركزيًا، سواء فرضتها ظروف قسرية أم اختارها الشاعر طلبًا للعلم والمعرفة أو الرزق، ثم يتتبع أثرها في رؤية الشاعر للعالم ولذاته (الوادعي، ص15). فالرحيل لا يغير موضع الإنسان فقط؛ إنه يغيّر زاوية وجوده. وما كان مألوفًا في القرب يصبح، بعد المسافة، موضوعًا للوعي. ذلك أن الأشياء لا تظهر لنا دائمًا في أثناء امتلاكها؛ فكثيرًا ما نحتاج إلى فقدها لكي ندرك مقدار حضورها. ومن هذه المفارقة يولد الحنين: الغياب يمنح بعض الأشياء فائضًا من الحضور. فما دام المكان متاحًا لا يحتاج الوعي إلى استعادته، وحين يغيب يتحول إلى صورة، ثم تتحول الصورة إلى معنى، ويتكاثف المعنى حتى يغدو جزءًا من تعريف الذات لنفسها. ولهذا فإن الغربة عن المكان ليست سوى المستوى الأول للاغتراب. فالكتاب ينتقل إلى الغربة عن الإنسان: الوالدين، والمرأة، والأبناء، والأصدقاء، ويصل في وصف أثر الغياب إلى أن الغائب يمكن أن يغدو رمزًا «للوطن المفقود أو الذات المبتورة» (الوادعي، ص16). وهذه العبارة تمس جوهرًا فلسفيًا شديد العمق؛ إذ تكشف أن الآخر ليس موضوعًا خارجيًا مكتمل الانفصال عنا. نحن نبني أجزاء من ذواتنا في علاقتنا بالآخرين، ولذلك فإن فقدهم لا ينتزع أشخاصًا من عالمنا فحسب، بل ينتزع صورًا من ذواتنا كانت لا تتحقق إلا بهم ، وهكذا تصبح الغربة انكسارًا في مرآة الهوية. فالإنسان يعرف نفسه، جزئيًا، عبر المكان الذي يألفه والوجوه التي تعرفه. فإذا غابت الوجوه وتبدلت الأمكنة، وجد نفسه أمام سؤال أكثر جذرية من سؤال: أين أنا؟ وهو: من أكون خارج العالم الذي كان يمنحني معنى أن أكون؟ غير أن أعمق مستويات الغربة في الكتاب هو ما تسميه المؤلفة «الاغتراب الزماني». ففي هذا المستوى يتراجع المكان أمام الزمن، ويغدو الحنين إلى الطفولة والشباب واستعادة الذكريات ومقارنة الماضي بالحاضر تعبيرًا عن وعي الذات بما انقضى من عمرها (الوادعي، ص17). وهنا ينكشف السر الأشد قسوة في النوستالجيا: إن الإنسان يستطيع، نظريًا، أن يعود إلى المكان، لكنه لا يستطيع أن يعود إلى الزمن الذي جعل ذلك المكان ممكنًا بالصورة التي يتذكرها. يمكن أن يعود المرء إلى البيت، ولا يعود إلى طفولته، يمكن أن يرى الجبل ذاته، ولا يستعيد العينين اللتين رأياه أول مرة. ومن ثم فإن موضوع الحنين النهائي ليس المكان، بل الزمن المتجسد في المكان. إننا لا نشتاق إلى الأشياء كما كانت، بل إلى أنفسنا حين كانت الأشياء كذلك. ومن هنا يغدو الحنين وعيًا بالانفصال بين ذاتين: ذات ماضية لم تعد موجودة، وذات حاضرة لا تستطيع الوصول إليها إلا عبر الذاكرة. وما الذاكرة، في هذا السياق، إلا محاولة الوجود لترميم انقطاعه الداخلي. غير أن الذاكرة لا تعيد الماضي؛ إنها تعيد تأليفه. وهذه المسألة تمنح الشعر وظيفته الأكثر عمقًا. فحين يستحيل استرجاع الماضي وجوديًا، يصبح ممكنًا استعادته رمزيًا. وهنا تتدخل اللغة، لا بوصفها أداةً لوصف الفقد، وإنما باعتبارها المجال الذي يحصل فيه المفقود على وجود ثانٍ. ومن هذه الزاوية تكتسب دراسة الكتاب للخصائص الفنية والأسلوبية معناها؛ إذ تنتقل المؤلفة من التجربة النفسية إلى كيفية تشكلها لغويًا، فتتناول الوحدة الفنية والموضوعية، ثم مصادر الصورة وأنماطها، ثم الموسيقى الشعرية (الوادعي، ص17–19). وهذا الانتقال جوهري؛ لأن التجربة، مهما بلغت كثافتها، لا تصبح شعرًا بمجرد حدوثها. ثمة مسافة بين الألم والشعر، ولا تعبرها التجربة إلا حين تتحول إلى شكل. والصورة الشعرية هي إحدى آليات هذا التحول. فالكتاب يرد مصادرها إلى الموروث الديني والشعري والطبيعة، ثم يتابع تشكلها عبر الحواس: البصر والسمع والذوق والشم واللمس (الوادعي، ص18). وهنا تتحول الذاكرة من مفهوم مجرد إلى تجربة حسية: اللون يستعيد مكانًا، والصوت يستدعي غائبًا، والرائحة تفتح فجأة زمنًا ظن الوعي أنه انقضى. وهكذا لا يتذكر الإنسان بعقله وحده؛ الجسد أيضًا يتذكر. أما الإيقاع، فيغدو ذا دلالة تتجاوز وظيفته الموسيقية. فالكتاب يتناول الوزن والقافية بوصفهما من الموسيقى الخارجية، والتكرار والجناس والطباق والتدوير والتصريع ضمن الموسيقى الداخلية (الوادعي، ص19). وفي شعر الحنين على وجه الخصوص يمكن النظر إلى التكرار باعتباره محاكاة لغوية لبنية الذاكرة نفسها؛ فالذاكرة تعود، والحنين يعود، والصورة المفقودة تعود، وكأن الذات تكرر ما لا تستطيع تجاوزه، فالحنين، في جوهره، ذاكرة ترفض أن تنتهي. غلاف الكتاب وقد أحسنت الدراسة، من حيث بناؤها المنهجي، في الجمع بين المنهجين النفسي والأسلوبي؛ إذ تجعل الأول سبيلًا إلى استكشاف الدوافع والانفعالات والرموز الكامنة وراء التجربة، وتجعل الثاني أداةً لتحليل مستويات تشكلها داخل النص (الوادعي، ص13). غير أن المادة التي يكشف عنها الكتاب تستدعي، إلى جوار هذين المنهجين، أفقًا تأويليًا ثالثًا هو الأفق الوجودي؛ لأن الغربة، بعد تجريدها من صورها الجزئية، تفضي إلى سؤال الإنسان عن علاقته بالعالم والزمن والآخر. فالغربة المكانية تسأل: أين مكاني؟ والغربة الاجتماعية تسأل: إلى من أنتمي؟ والغربة النفسية تسأل: كيف أستعيد اتساقي مع ذاتي؟ أما الغربة الزمانية فتطرح السؤال الأكثر استعصاءً: كيف أظل أنا، مع أن كل ما صنع هذه الـ«أنا» يمضي؟ عند هذا الحد تتجاوز «نستولوجيا الجبال» خصوصية مدونتها العسيرية إلى أفق إنساني أرحب. فالجبال والوديان والقرى والأهل والطفولة ليست مجرد موضوعات للحنين، وإنما علامات على صراع الإنسان مع حقيقة الزمن. نحن كائنات لا تعيش الحاضر وحده؛ نحمل داخلنا طبقات متراكبة من أمكنة غادرناها، وأشخاص فقدناهم، وأزمنة انقضت، وذوات كناها ثم لم نعدها. ولهذا ربما لا يكون الحنين رغبةً ساذجة في استعادة الماضي؛ بل صيغةً من صيغ مقاومة الفناء. فالإنسان يعرف أن الزمن لا يرجع، ومع ذلك يتذكر؛ ويعرف أن الغائب لا يستعاد كاملًا، ومع ذلك يكتب. والقصيدة هي المساحة التي يتحول فيها هذا العجز من نقص وجودي إلى قدرة جمالية: ما تعجز الحياة عن إعادته، تستطيع اللغة أن تمنحه صورةً أخرى من البقاء. وهنا تبلغ دلالة الكتاب ذروتها: فالشعر لا يلغي الغربة، ولا يعيد الماضي، ولا ينتصر على الزمن؛ لكنه يفعل شيئًا أكثر تواضعًا وعمقًا: يمنع الفقد من أن يكون عدمًا خالصًا. فالشيء الذي غاب يمكن أن يبقى معنى، والمكان الذي ابتعد يمكن أن يصبح لغة، والزمن الذي انقضى يمكن أن يستمر إيقاعًا. وعندئذ لا تعود «نستولوجيا الجبال» حنينًا إلى جبالٍ بعينها، بقدر ما تصبح كشفًا عن تلك المفارقة الملازمة للوجود الإنساني: أن نظل نحمل الأمكنة التي غادرناها، وأن تظل ذواتنا القديمة تسكننا، مع استحالة العودة الكاملة إلى أيٍّ منهما. فالجبال لا تحنّ إلى العابرين. العابرون هم الذين يكتشفون بعد الرحيل، أن شيئًا منهم بقي هناك.