أنثروبولوجيا الذاكرة الحسية.

تُشكلنا المحفزات الحسية في كل لحظة متدفقة عبر الوسائط والمشاهد المعرفية المختلفة، غير أن اعتياد المحفزات يُفقد الإنسان قدرته على التفاعل الحقيقي مع الأشياء، وتتلاشى شيئًا فشيئًا دلالاتها الرمزية وتتحول إلى نوع من اللامبالاة، وهذا يقودنا إلى أن الحواس لغة تؤدي دورها الثقافي الذي يُعيد للإنسان وعيه بهويته عبر استدعاء الذاكرة الجمعية الكامنة وراء تلك المحفزات بما تمنحه من خطاطات رمزية تبقيه متصلًا بالأشياء من حوله. وعليه فإن الحواس قوة فاعلة تشكل إدراكنا للأشياء التي تحضر في سياقات متعددة بوصفها محفزات مفعمة بالمعاني والدلالات التي تمنح الإحساس معناه، مما يجعل الإحساس بالأشياء وجهًا آخر للإحساس بالذات، فالأشياء المألوفة تمنح الذات شعورًا بالانتماء يعيد وصل الجسد بالعالم المحيط عبر استدعاء الذاكرة التي تحيل الإحساس المجرد إلى خبرات شعورية عميقة تعيد رسم هويته الفردية والجمعية في آن واحد. فالروائح والأصوات والملامس كما أنها تفاعل فيزيولوجي، فهي ارتداد وجودي ولغة اجتماعية متكاملة تحيل إلى بيان ثقافي متعارف عليه داخل المكون الثقافي الواحد. إن تدفق هذه المحفزات الحسية يفقد الإنسان قدرته على التشكل الحقيقي وتختفي الروابط الرمزية التي كانت تعطي للأشياء دلالاتها الممتدة عبر الذاكرة العميقة؛ فيبرز الإحساس اللحظي العابر الذي لا يستدعي مخزون الذاكرة الكامن خلف المحفزات التي تعيد الإحساس بالذات والوعي بما هي عليه، وفي السرديات الحديثة، يظل التفاعل بين الإنسان والأشياء عبر الذاكرة والخطاطات الرمزية يحمي الهوية من التلاشي ويعيد وصلها بالذاكرة العميقة التي لا تعيش بمعزل عن الجذور الرمزية والحسية المكتنزة في أعماقها، وهذا يؤكد أن الحواس شكل محمل بدلالات ثقافية؛ فالإنسان لا يستخدم حواسه بمعزل عن مجتمعه وثقافته التي تمنح هذه الماديات معانيَ تجعلنا أكثر ارتباطًا بعمقنا الوجودي؛ ولذا فإن محاولة استدعاء اللحظة الحسية ضرورة لإنقاذ الذات من التبلد الحسي.