تتأسس العلاقة التفاعلية بين الفن التشكيلي والسرد القصصي في مجموعة «عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي» للكاتبة رجاء البوعلي الصادرة عن منشورات جدل 2025 على مجاورة دلالية تنقل التصدير البصري من وظائفه التزيينية إلى الاتصال المباشر ببنية الوعي الإنساني والذاكرة الثقافية. إن الحضور التشكيلي المنسجم مع القصص يمنح النص النثري مدخلاً تأملياً يوجه القراءة، ويؤسس لمساحة تأويلية تجعل المعنى يتشكل في المنطقة الفاصلة بين الرؤية البصرية والرؤية اللغوية. تتجاوز هذه المجاورة حدود الشرح المباشر، فتغدو اللوحة عتبة نصية توجيهية تمنح القارئ طاقة دلالية تتولد عبر التقاطع الحسي والفكري بين طيات السرد وبناء اللوحة. تتعدد أبعاد القراءة النقدية حين تتحول اللوحات التشكيلية الصادرة عن فنانات وفنانين من بينهم: سكينة الجمعان، مروة النجار، تغريد البقشي، فاطمة آل حماد، مريم آل جمعة، فاطمة الحكمي، مهدية آل طالب، نورة العندس، أحمد عدنان، إبراهيم بوسعد، عالية الحربي, مريم الشملاوي، ورؤى الحوري؛ إلى إشارات سميولوجية مكثفة. تتداخل في هذه اللوحات خطوط الحركة والظل مع الأبعاد الرؤيوية للنص، ما يخلق تجربة تأملية مزدوجة لدى المتلقي. تتشكل عبر هذه العلامات التشكيلية أبعاد بصرية تصاحب الكلمة، وتفتح السرد على آفاق قراءة تترجم التحولات النفسية والوجودية للذوات السردية. تكمن القيمة الجمالية للتناص البصري في المنسوج السردي ضمن منح القارئ مساحة أفقية لبناء المعنى دون إملاء مباشر، حيث تتآزر الخطوط والألوان المعروضة في اللوحات مع الظلال النفسية والأسئلة الوجودية التي تحملها الشخصيات. تتضافر التكتلات اللونية المساحية والضربات الخطية مع الصراعات الداخلية للشخصيات، ما يجعل البناء الاستطيقي للعمل وحدة متكاملة ترفض التجزئة. هذا التكامل بين البصري والسردي يمهد بمرونة لتفكيك قضايا الذات والآخر، والانتقال نحو فضاءات التعايش والهوية. شعرية الهوية والتعايش عبر التشكيل والسرد: تتجلى إعادة تشكيل مفهوم “الآخر” المغاير عرقياً وفكرياً في قصة «عاملتي الإفريقية»، حيث يتآزر النص السردي مع اللوحة المصاحبة للفنانة سكينة الجمعان. تفكك اللوحة سميولوجيا الجسد عبر تغييب ملامح الوجه في إعتام أسود كامل يرمز للتهميش الاجتماعي وإلغاء الذات، بينما تفيض الثياب الزاهية والعمامة المزخرفة والأطواق الذهبية بدلالات الثراء الروحي والجمال المكتنز. يوازيها في السرد ذلك التوق الإنساني للحرية والحلم بعالم الأزياء، والذي يتجسد نصياً عبر رسومات الفحم والعبارات الفلسفية بالإنجليزية المعلقة على جدار غرفة العاملة، والتي تؤكد أصل التساوي الإنساني وخلق البشر على صورة الخالق، فتتحول الذات الهامشية إلى كائن ممتلئ بالعمق الروحي في مواجهة النمطية الطبقية. يتجلى التعايش الديني والفكري في نص «عشرة أيام في مركز عين قسيس الإنجيلي»، المشفوع باللوحة التشكيلية للفنانة تغريد البقشي. تتفكك سميولوجيا اللوحة عبر دائرة “الماندالا” الذهبية والبلاتينية المنتصبة خلف الجسد المسترخي، والتي تشكل ترميزاً كونياً لاحتواء التعدد وانصهار التباينات، بينما يعبر الشعر المنساب والاطمئنان على بساط الأزهار الصفراء عن الانعتاق من ثنائية الأبيض والأسود الفكرية نحو السلام الروحي الشامل. يواكب السرد هذا التجلي البصري بتسجيل تجربة العيش المشترك في قرية ضهور الشوير اللبنانية، حيث تذوب الثنائيات الضيقة، ويتشكل الوعي الإنساني القائم على استعارة عيون الآخرين لفهم العالم وتجاوز الأحكام المسبقة. يكشف التحليل النقدي لقصة «شقة في الملحق الأخير» المشفوعة بلوحة الفنانة مروة النجار، وقصة «سلام أمي» المصحوبة بلوحة الفنانة عالية الحربي، عن مأزق التصنيف الطبقي والمذهبي في البيئة الاجتماعية. يبرز التشكيل والكلمة معاناة الذات الشابة الشاخصة في مواجهة الأحكام الجاهزة وضغوط البيئة، حيث تتجلى مأساة «نورة» في انكسارها النهائي المتمثل ببطنها المنتفخ وهالاتها السوداء المتهدلة وبيجامتها المهملة تحت وطأة ابتزاز المشرف مصطفى والظروف القاسية، بينما تطرح قصة «سلام أمي» معيار التربية على الأخلاق والإنسانية والتسامح المذهبي بديلا عن التعصب والتصنيف الضيق. تنقلنا هذه الصراعات الاجتماعية مباشرة من دائرة القضايا الظاهرة إلى الأعماق النفسية والوجودية المهشمة. الظلال النفسية والجسد والأسئلة الوجودية: يفتح نص «جاثوم الحب» ولوحة الفنانة فاطمة آل حماد المصاحبة باب التعبير الجمالي عن انكسارات الجسد وصدمته في لحظات المرض والوعي الوجودي. تتجلى الحالة البرزخية بين الحياة والموت في غرفة الإفاقة إثر جراحة الورم، وتتوازى الوسادة الثقيلة والجسد المكتف الممتد في اللوحة مع الصراع النفسي الداخلي مع الندم، وفوات فرص العيش الحقيقي والتواصل العاطفي الصادق وسط انشغالات المادة ومتاهات الحياة اليومية. يعري النص السردي مع اللوحة هشاشة الكائن البشري حين يدرك ضياع الزمن واحتضار الأوقات القابلة للقرب الإنساني. يتجسد القمع والعزلة النفسية في قصة «مُتعة» واللوحة المصاحبة للفنانة مريم آل جمعة عبر أبعاد سميولوجية حادة، فيعبر الشريط اللاصق الموضوع على الفم والضربات اللونية السوداء المونوكرومية المقيدة للملامح عن تجريد الأنثى المطلقة من صوتها ومصادرة إرادتها. يوازي هذا التشكيل في السرد واقع السعي المتواصل من صاحب العمارة والقاضي للمساومة على زواج السر والمُتعة لإسقاط الإيجار أو استغلال العوز المادي للأنثى المطلقة «سليمة»، ما يعكس صدمة التهميش وابتزاز الحاجة السكنية للأمهات وكسر إرادتهن الحرة. يتكشف الاضطراب العاطفي والتفكك الأسري في قصة «عُطب أمومي» المشفوعة بلوحة الفنان أحمد عدنان وقصة «هِرة» المصحوبة بلوحة الفنان إبراهيم بوسعد. يظهر السرد والتشكيل في «عُطب أمومي» صور العنف اللفظي والسيطرة التسلطية والألفاظ النابية الصادرة عن الأم اتجاه بناتها، ما يشوه العلاقات الوالدية. وفي قصة «هِرة» يبرز التناقض الأيديولوجي الصارخ لدى الشخصية «عبير» التي تنادي بحرية الجسد ورفض الوصاية الذكورية، لكنها تمارس سلطوية قمعية بإخصاء هرتها وتجريدها من حقها البيولوجي الفطري بداعي التهذيب والنظافة. تسهم هذه التجليات السردية والبصرية في تعرية صور التمزق العاطفي، ممهدة للانتقال نحو ذاكرة الفقد والغياب. الفقد والذاكرة والاحتراق الشعوري: تتفكك المأساة المنزلية والتلاشي المادي في قصة «الحريق» ولوحة الفنانة فاطمة الحكمي عبر تحول المكان والذكريات والممتلكات الشخصية إلى ركام رمادي وأدخنة حالكة. تعكس التشكيلات اللونية المظلمة والأشكال المنصهرة في اللوحة لحظة الاشتعال الخاطفة التي التهمت غرفة المعيشة وتفاصيل الحياة اليومية! ليضع الحدث الطارئ الإنسان أمام حقيقة ضآلة المادة وبطلان التمسك بالمظاهر، مؤكداً أولوية الروح والسلامة الإنسانية على كل ما هو زائل من أثاث وأجهزة وكتب. تغوص قصة «عيني على نعش» واللوحة التشكيلية المصاحبة للفنانة مهدية آل طالب في أعماق الفقد ورحيل الأب وفلسفة الغياب. يتجلى انقسام الذات السردية والبصرية عند عتبة المغتسل وطريق مقبرة الهفوف بالأحساء، بين صدمة الفراق المباشر واستدعاء ذاكرة الطفولة وحقيبة المدرسة عند محطة القطار. تتداخل الألوان الداكنة وانشطار الوجه البصري في اللوحة مع الطرح الفلسفي النثري المنزع نحو الثنائية الديكارتية بين الجسد المادي الفاني والروح الطليقة الخالدة، محولة التجربة الذاتية المؤلمة إلى موقف وجودي يعيد تعريف الذات والزمن. تتجلى الازدواجية المعاصرة وتناقض الظاهر في قصة «رسائل كوب الشاي» مع لوحة الفنانة نورة العندس وقصة «المشهورة» مع لوحة الفنانة مريم الشملاوي. تعبر اللوحتان والنصان عن الفجوة بين الوهم الإعلاني والتسويقي المزيف عبر الشاشات الافتراضية وبين العزلة الداخلية العميقة والانكسارات النفسية الحقيقية للشخصيات. يظهر النص السردي كيف تحتجب الحقائق وراء استعراض مظاهر السعادة والنجاح الشكلي، في حين يغرق الواقع في غياهب الخيبة والشعور بالفراغ، ما يمهد لبناء الخاتمة التركيبية الشاملة. التركيب الجمالي: يحقق التناص البصري النثري في مجموعة «عشرة أيام في عين قسيس الإنجيلي» تركيبة استطيقية رفيعة تجمع شتات الرؤية الجمالية والفكريّة، فالتحمت خطوط وألوان الفنانين والفنانات بمداد الكاتبة رجاء البوعلي لإنتاج نص مفتوح التأويل، يمارس النقد الاجتماعي والوجودي برهافة وفلسفة عالية دون السقوط في المباشرة والتقريرية. وقد أتاحت هذه الحوارية بين الفن التشكيلي والسرد القصصي تعميق الدلالات الإنسانية وتثبيت القيمة الجمالية لعتبات النص، ما منح كل قصة بعداً تأملياً مضاعفاً. تؤكد هذه الخلاصة النقدية المكانة الأدبية والجمالية التي يحققها هذا العمل في مشهد السرد العربي المعاصر والدراسات الأدبية المحكمة. أثبتت التجربة السردية نضجاً أسلوبياً عبر فتح أفق فكري يرسخ قيمة الحوار المستمر بين اللون والكلمة، ويبني تجربة إنسانية جامعة تتخطى الحدود الفكرية والاجتماعية الضيقة، لتظل الكلمة المشفوعة باللون شاهدة عليا على حقيقة الوجود الإنساني وتوقه المستمر نحو السلام والجمال. * الجزائر