كانوا يعلمونهم الرسم. يطلبون منهم أن يرسموا، وأن يكتبوا، وأن يصنعوا أشياء جميلة بأيديهم. ثم تأتي امرأة غامضة بين حين وآخر، تختار بعض تلك الأعمال وتأخذها إلى مكان يسمونه «المعرض». كان الأطفال يظنون أن المسألة تتعلق بالفن. لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة بكثير. لم يكونوا يريدون لوحاتهم. كانوا يبحثون عن أرواحهم. شاهدت فيلم Never Let Me Go قبل سنوات، وكتبت عنه يومها مقالة. وحين عدت إليه الآن، وجدت أنني لا أعود إلى الفيلم وحده، بل إلى المشاهد الذي كنته حين كتبت عنه أول مرة. بعض الأفلام تنتهي بانتهاء شريطها، وبعضها يترك فيك سؤالًا ينتظر أن تكبر قليلًا كي تسأله من جديد. والسؤال الذي عاد إلي هذه المرة كان: كم يحتاج الإنسان من الأدلة لكي يثبت أنه إنسان؟ الفيلم، المأخوذ عن رواية كازو إيشيغورو، يبدأ بهدوء يكاد يخدعنا. أطفال يعيشون في مدرسة داخلية إنجليزية جميلة اسمها «هيلشام». يلعبون، ويتشاجرون، ويغارون من بعضهم، ويرسمون، ويكتشفون الحب كما يفعل الأطفال في أي مكان. كاثي، وتومي، وروث؛ ثلاثة أطفال سنمضي معهم حتى يكبروا. لكننا نكتشف بالتدريج أنهم ليسوا أطفالًا عاديين. لقد استنسخوا لغاية محددة: أن يكبروا، ثم يتبرعوا بأعضائهم للبشر الآخرين؛ الكلى، والكبد، والرئتان، والقلب. يتبرع الواحد منهم مرة، ثم ثانية، وربما ثالثة أو رابعة، إلى أن «يكتمل». هذه هي الكلمة المهذبة التي يستخدمها عالم الفيلم للموت. لا أحد يقول لهم: سنقتلكم. اللغة أكثر تهذيبًا من ذلك. وهذا أحد الأشياء التي أخافتني في الفيلم. فالقسوة لا تأتي دائمًا وهي تصرخ. أحيانًا ترتدي معطفًا أبيض، وتستخدم كلمات نظيفة، وتنجز عملها بهدوء. لكن أكثر ما ظل عالقًا في ذهني لم يكن موضوع الاستنساخ نفسه. كان الحب. تنتشر بين هؤلاء الشباب إشاعة تقول إن اثنين منهم، إذا كانا يحبان بعضهما حبًا حقيقيًا، يستطيعان الحصول على تأجيل لسنوات قبل بدء التبرع بالأعضاء. فكرة بسيطة، لكنها تصبح بالنسبة إليهما بابًا صغيرًا للحياة. ومن هنا يعود الرسم. يعتقد تومي أن اللوحات التي كانت تجمعها المدرسة لم تكن عبثًا. ربما كانوا ينظرون إليها لكي يعرفوا حقيقة أصحابها. وربما يستطيع الإنسان أن يكذب بالكلام، لكنه لا يستطيع أن يكذب حين يرسم. كان يظن أن الفن يكشف الروح. ولهذا يبدأ في الرسم. يرسم كائنات غريبة، دقيقة، مليئة بالتفاصيل. كأنه يقول: انظروا، أنا هنا. هذه روحي. وأنا أحب. فدعوني أعيش قليلًا. وهنا يصبح الفيلم موجعًا بطريقة أخرى. فنحن نعرف أن طلبه متواضع جدًا. هو لا يريد الخلود، ولا يريد أن يقلب النظام، ولا أن يصبح بطلًا ينقذ الآخرين. يريد فقط وقتًا. بضع سنوات مع المرأة التي يحبها. وحين يصل تومي وكاثي أخيرًا إلى الحقيقة، نكتشف أن إشاعة التأجيل لم تكن صحيحة أصلًا. لم يكن هناك استثناء للعشاق. أما اللوحات، فقد كانت لها وظيفة أخرى. كان القائمون على هيلشام يعرضون أعمال الأطفال ليقولوا للمجتمع: انظروا إلى ما يصنعونه. هؤلاء ليسوا أجسادًا احتياطية فقط. لديهم مشاعر وخيال ووعي. إنهم بشر. أو، بتعبير أكثر قسوة: كان عليهم أن يقدموا دليلًا على أن لهؤلاء أرواحًا. وهنا توقفت طويلًا. ليس لأن السؤال معقد، بل لأنه بسيط إلى حد الفضيحة. إذا كان كائن يحب، ويغار، ويتألم، ويتذكر طفولته، ويخاف الموت، ويرسم، ويحلم بأن يعيش يومًا إضافيًا مع من يحب... فأي دليل آخر نحتاجه؟ وما قيمة الحضارة إذا احتاج الضحية فيها إلى لوحة كي يقنعنا بأنه إنسان؟ ومع ذلك، هناك سؤال أزعجني أكثر كلما فكرت في الفيلم: لماذا لم يهربوا؟ لماذا لم يرفض تومي وكاثي وروث هذا المصير كله؟ السيارات موجودة، والطرق مفتوحة، ولا نرى حولهم أسوارًا عالية، ولا حراسًا يحملون البنادق. كان بإمكانهم، ظاهريًا على الأقل، أن يذهبوا. لكنهم لا يذهبون. عندما شاهدت الفيلم أول مرة، بدا لي الأمر ثغرة في الحكاية. ثم بدأت أراه بطريقة مختلفة. ربما كان هذا هو أكثر ما في الفيلم رعبًا. السور الحقيقي لم يكن حول هيلشام. كان داخلهم. لقد تربوا منذ طفولتهم على أن هذه هي الحياة. وأنهم وجدوا لهذا الغرض. وأن التبرع ليس احتمالًا، بل مصير. ولذلك، حين كبروا، لم يكونوا بحاجة إلى حارس يمنعهم من الهرب. لقد حملوا الحارس معهم. وهنا، في رأيي، يغادر الفيلم قليلًا حكاية الخيال العلمي عن الاستنساخ، ويقترب منا نحن. كم من إنسان يعيش داخل حدود لم يضعها بنفسه؟ وكم من فكرة ورثناها عن أنفسنا وعن الحياة، ثم تعاملنا معها كأنها قانون طبيعي؟ ربما لا تحتاج السيطرة دائمًا إلى سجن. يكفي أحيانًا أن تقنع الإنسان منذ طفولته بأن الباب المغلق لا يفتح. بعد أن يعرف تومي أنه لا تأجيل، ولا استثناء، ولا سنوات إضافية، يخرج من السيارة إلى الظلام. ثم يصرخ. صرخة طويلة، بدائية، عاجزة. وهي بالنسبة إلي من أكثر مشاهد الفيلم صدقًا. فاللغة انتهت. ماذا سيقول؟ إنه يحب كاثي؟ هم يعرفون. إنه يريد أن يعيش؟ يعرفون. إنه إنسان؟ لهذا أخذوا رسوماته أصلًا. كل الحجج قيلت. فلم يبق إلا الصراخ. ثم يعود إلى المصير نفسه الذي كان ينتظره منذ طفولته، ويموت بعد تبرعه الأخير، بينما تبقى كاثي وحدها تنتظر دورها. عندما انتهى Never Let Me Go لم أفكر كثيرًا في مستقبل الاستنساخ، ولا في المختبرات، ولا حتى في إمكان أن يصل العلم يومًا إلى العالم الذي يتخيله الفيلم. فكرت في شيء أبسط. نحن أيضًا نعرف أننا سنموت. الفارق أننا لا نعرف الموعد. نؤجل أشياء كثيرة لأننا نتصرف وكأن أمامنا دائمًا متسعًا من الوقت: كلمة نريد أن نقولها، شخص نريد أن نقترب منه، حياة نريد أن نعيشها، حب نؤجله إلى ظرف أفضل. أما تومي وكاثي، فقد عرفا متأخرين أن الحب لا يمنحهما وقتًا إضافيًا. وربما لهذا بقي الفيلم معي كل هذه السنوات. ليس لأنه يسأل إن كان للمستنسخين أرواح. بل لأنه يعيد السؤال إلينا نحن: إذا كنا نعرف أن لنا أرواحًا، فلماذا نؤجل الحياة؟