ردًا على مقال الأستاذ بشير ميرزو ..

النقد الموجَه إلى مقالي انفعالي .. ويفتقد إلى التدقيق العلمي .

الأستاذ الفاضل عبد الله الصيخان المحـترم تحية طيبة وبعد، أود أن أشكرك على مشاركتك الورقة التي بعث بها اليك الأستاذ/سليمان الحربش، والتي تضمنت ملاحظات ونقد من الأستاذ بشير ميرزو، الموسيقي العربي المقيم في فيينا. وأنا سعيد بأن شخصية موسيقية تعيش في عاصمة الموسيقى العالمية قد استوقفه مقالي المتواضع المنشور في مجلة اليمامة في عددها الصادر في مطلع شهر يناير من هذا العام تحت عنوان “ عقدة المقامات الشرقية وتأثيرها السلبي على تطور الموسيقى”. وقد توقعت أن أتلقى نقداً علمياً بناء قد يفيدني أو يضيف لي شيئاً من المعرفة في مجال الموسيقى. لكن يبدو لي أن الأستاذ بشير قد استفزه المقال ودفع به الحماس والتعصب القومي إلى أن يوجه رسالة إلى مجلتكم لنقد مقالي دون أن يكلف نفسة عناء البحث والتدقيق والتمحيص في خصائص الموسيقى الشرقية والتي تشمل العربية والفارسية والتركية والباكستانية وغيرها أيضا من دول آسيا وأفريقيا. كما أنه لم يحاول فهم مضمون المقال جيداً وإنما أخذه على ظاهره، لذلك جاء نقده عاطفياً وانفعالياً إلى حد ما. ومع ذلك، فسوف أقوم بالرد على ملاحظات الأستاذ بشير بما يلي: أولاً) أنا لم أقل أن الموسيقى العربية لم تتطور، لأنه في واقع الأمر ليس لدينا موسيقى وإنما لدينا غناء بمصاحبة الموسيقى، باستثناء شيئ واحد وهو “التقاسيم”. فالتقاسم موسيقى مرتجلة يقوم العازف على آلة العود أو الكمان أو القانون بارتجال جمل موسيقية عادة ما تكون مقدمة لتثبيت المقام قبل بدء الأغنية كما كان يفعل الموسيقار رياض السنباطي والموسيقار فريد الأطرش، أو تكون التقاسيم عبارة عن فاصل حر في وسط الأغنية وهي التي ابتدعها الموسيقار محمد القصبجي في أغنية “رق الحبيب” للسيدة أم كلثوم ثم سار على منوالها كل من رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي ومحمد الموجي في الأغاني التي لحنوها لأم كلثوم.. والتقاسيم عادة لا تدون بالنوتة لعدم تقيدها بميزان إيقاعي. ثانيا) يقول الأستاذ بشير ( إذا لم يستسغ المستمع الغربي النغمات الشرقية لأنها تملك أرباع النغمات فهذا ذنبه، حيث أنه لم يتعود على سماع واستساغة هذه النغمة الجميلة التي تعطي موسيقانا الطابع الشرقي الجميل، كما أننا لا نستسيغ الموسيقى الصينية، فهي غريبة عن أسماعنا). وهذا شيئ مضحك حقا. فأولاً أنا استغرب كيف لمدرس موسيقى وقائد فرقة لا يعرف بأن الموسيقى الشرقية لا يوجد بها ربع تون (نغمة) وإنما يوجد بها ثلاثة أرباع التون وهذا يفرق كثيرا، وليس هذا المجال للخوض في هذا الموضوع. ثانيا، لقد نسب العيب لعدم تذوق العالم الغربي للموسيقى الشرقية هو لعدم قيامهم بمحاولة فهمها، وكأنه يقول أن العربي إذا ذهب لأية دولة غربية وتحدث باللغة العربية ولم يفهمها الناس فإن العيب فيهم لأنهم لم يتعلموا اللغة العربية، وهذا كللام غريب جدا. أليس المفروض أننا نقدم للغرب موسيقانا ونشرح لهم الفروق الكثيرة بين موسيقانا وموسيقاهم، ونبين لهم بأن وجود ثلاثة أرباع التون في موسيقانا ليس نشازا كما قد يتبادر إلى إذهانهم وإنما هي جزء من طبيعة الإنسان الشرقي الذي يجد في هذه النغمة ما يتوافق مع لغته وتعبير دقيق لمشاعره، مثلها مثل عدم وجود حرف الضاد والقاف والغين في معظم اللغات الغربية. ثالثا) الأستاذ بشير ينفي أننا أخذنا موسيقانا من الفرس والأتراك ولم نضف إليها شيئاً، ويستدل على ذلك بأن الفرس يستمتعون بالإستماع إلى موسيقانا. والحقيقة أن الموسيقى الشرقية هي لغة مشتركة بين هذه الشعوب، فالكل يفهم ويتذوق موسيقى الكل، لأنها تخضع لنفس الأبعاد ونفس المقامات، ولكن ما هو دليله على أننا أضفنا شيئاً للموسيقى الشرقية؟ رابعاً) الأستاذ بشير تحدث عن المقامات الشرقية التي نوقشت في مؤتمر الموسيقى العربية الأول الذي عقد في القاهرة عام 1932م وذكر أن المؤتمر اعتمد المقامات الموجودة في ذلك الوقت دون تبديلها بل أبقوها على حالها كما هي. وهذا الكلام يجانب الصواب، وهو يدل على أن الأستاذ بشير قد تلقى معلوماته بالنقل من شخص إلى آخر ولم يبذل أي جهد للتحقق من صحتها. إذ كان من الواجب عليه أن يعرف بأن عدد المقامات الشرقية التي كانت سائدة قبل إنعقاد المؤتمر قد تجاوزت 360 مقاما، ولكل مقام إسم مستقل. وقد ناقشت اللجنة التي عهد إليها بمراجعة تلك المقامات واستقر القرار على إعتماد 56 مقاماً فقط. ولكي تتضح للأستاذ بشير الصورة كاملة، فأنا أدعوه إلى قراءة مقالي المنشور في مجلة اليمامة، العدد (2925) وتاريخ 10 سبتمر 2026م تحت عنوان “مؤتمر الموسيقى العربية الأول وأزمة المقامات الشرقية”. لعل ذلك قد يساعده في فهم قصدي من أن موسيقانا الشرقية لا تستطيع مواكبة الموسيقى العالمية وذلك للأسباب التي ذكرتها والتي تتمثل في تعـدد المقامات المبالغ فيه كثيراً ووجود ثلاثة أرباع التون. علماً بأنني لم أقل أن وجود ثلاثة أرباع التون في الموسيقى الشرقية هو عيب في حد ذاته، بل هو السمة التي تتميز بها الموسيقى الشرقية بشكل عام عن الموسيقى العالمية والتي ترتبط بطبيعة هذه المجتمعات السلوكية والتربوية والقومية والثقافية، لكن ذلك يحول دون عولمتها. مع خالص التحية والإحترام للأستاذ بشير، والذي أرجو أن لا يأخذ ردي هذا بشيئ من الحساسية، فالإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. * كاتب وباحث ومؤلف موسيقي