تعليقاً على مقال محمد السنان عن تخلف الموسيقى العربية عن التطور ..
ما هو معيار التطور في الموسيقى؟
تعليقا على مقال الأستاذ محمد السنان ، المنشور في العدد ( 2891 ) من مجلة اليمامة ، بتاريخ 1.يناير 2026 ، عن تخلف الموسيقى العربية عن التطور. الموسيقى هي إحساس وذوق وعواطف قبل أن تكون علما وقواعد، فالطفل يحس بها والطير وجميع الكائنات، والموسيقى هي فن راق كباقي الفنون ، من رسم ونحت وشعر وأدب ، ولغة . تطورت الموسيقى العربية والفارسية والتركية والكردية وغيرها بحكم الانصهار الحضاري الذي حكم المنطقة منذ نشوء الحضارة العربية الإسلامية من بلاد الهند الى الأندلس ،وقد تأثرت ببعضها وتفاعلت،وخلقت بوتقة واحدة في ذلك الزمان سميت بالموسيقى الشرقية . في بداية القرن بدأت ظهور نعرة القوميات : عربي ، تركي , فارسي ، كردي . لذا حاول المهتمون بالموسيقى آنذاك ، كمـحمد عثمان وعبده الحامولي ومحمد عبد الرحيم المسلوب ، فصل الموسيقى العربية عن نظيرائها التركية والفارسية ، لتستقـل بذاتها ، وتأخذ الطابع العربي المميز . وقد أفلحوا بقدر كبير بذلك . ولكن أسماء المقامات بقيت على حالها كما تعودها الناس ، فمنها أسماء فارسية ، و تركية ، وكردية . وهناك أيضا أسماء لمقامات عربية عديدة ، منها مقام الحجاز ، والصبا ، والبياتي وغيرها . ولا ضير في ذلك . نحن لم نستولي على موسيقى الشعوب الأخرى ، ففي العصر العباسي كانت هناك علوم وفنون كثيرة متشابهة الأذواق ، هي ملك للجميع ! الموسيقى كاللغة تمثل صفة ووجدان مجتمعها . فهل يصح ، اختصار قواعد ومفردات اللغة لكي تواكب الحضارة ؟ تضرب الموسيقى العربية جذورها بعمق تاريخ الحضارات التي سادت فيها . على المهتمين الأجانب بلغتنا وموسيقانا ، بذل جهد لفهممها كما هي ، دون تبديل ، أو إلغاء بعض القواعد . وإذا لم تتطور اللغة من داخلها ، لكي تواكب العصر ، فهذا ذنب العاملين عليها ، لا ذنب اللغة . وكذلك الموسيقى التي هي هوية الشعب ، نابعة من ترابه وتاريخه ، تتطور من ذاتها ، لا أن تقلد وتلبس ثوب غيرها ! هناك كثير من علماء الموسيقى والشعوب الأخرى ، يستمعون ويستمتعون بالموسيقى العربية بشغف . وكنت قد سألت مرة خبيرا مختصا يستخدم طرق (التداوي بالموسيقى) في مختلف المستشفيات والمراكز الصحية للأمراض النفسية والعصبية ، ما هي نوع الموسيقى المستخدمة ، فأجابني بلا تردد : الموسيقى الشرقية فقط ، بالآلات الشرقية ، كالعود ، والناي ، والقانون والدف ! أسلوب الهارموني والكونترابوينت (سلمين موسيقيين) ، كانا سائدين سابقا في الموسيقى الدينية والغناء الصوفي ، عندما كان المنشدون يرددون كلمة : جمل ( الله ، الله ) أو (لا إله الى الله) حينها ينشد المغني أبياته الشعرية في سلم آخر . والموشحات الدينية والأندلسية خير دليل على ذلك . لقد حاول الموسيقيون الأوائل ، وأكثرهم لم يدرسوا الموسيقى في المعاهد ، تلحين أغان عديدة على هذا النمط ، منها أغنية (سالمة يا سلامة) لسيد درويش ، وأغنية (اللي يحب الجمال) لمـحمد عبد الوهاب ، ولكن ذوق الجمهور كان موجه أكثر للأغنية الشعبية الخفيفة ، والأغنية المسرحية الطويلة . فتبع الموسيقيون للأسف ذوق الجمهور ، وخسرنا بذلك خطا تلحينيا مهما في الموسيقى . والقول أن مقاماتنا كثيرة ومعـقـدة ، فيها تجنّ كبير على الموسيقى العربية ، فكثرة المقامات ليست نقيصة ، كمن يصف اللغة بكثرة قواعدها ، وزخارفها ، هذه إضافات تاريخية أثرت في هذا الفن كثيرا ، وهي تعبر عن تاريخ ووجدان كل شعوب المنطقة . كما هو حال اللغة ، لها لهجات محلية كثيرة ، ومتعددة . فهل من المعقول الاستغناء عن بعض القواعد ، أو إختصارها ، لتواكب العصر ؟ تصوير المقامات على غير درجاتها ، هو زيادة في الإحساس والشعور ، لا تكرار كما يظن البعض . فمثلا مقام النهاوند على درجته الأصلية (دو) يعطي إحساسا آخر لو عزف على درجة أخرى ، وكذلك أي مقام آخر يعزف على درجة غير درجته الأصلية . إذا لم يستسغ المستمع الغربي النغمات الشرقية ، لأنها تملك أرباع النغمات ، فهذا ذنبه ، حيث أنه لم يتعود على سماع واستساغة هذه النغمة الجميلة التي تعطي موسيقانا الطابع الشرقي الجميل ، كما أننا لا نستسيغ الموسيقى الصينية ، فهي غريبة عن أسماعنا . القول أننا نحن العرب أخذنا الموسيقى من الفرس والأتراك ، ولم نضف عليها شيء . هذا ليس صحيحا . لقد صبغنا موسيقانا العربية بصبغتنا ، وأعطيناها روحا جديدة ، حتى أن كثيرا من الفرس والأتراك يسمعونها بشغف ، ويأخذون بترديدها . حتى ويركبون عليها أبيات شعرية من لغتهم ويغنونها ! في عام 1932 الذي عقد فيه أول مؤتمر للموسيقى العربية ، لم يتم آنذاك تبديل أسماء المقامات ، بل أبقوها على حالها كما هي . ولم يستطيعوا حتى الإتفاق على تثبيت درجة السيكا (ثلاثة أرباع درجة المي) ، لكي تكون موحدة في كل الأمصار . ففي العراق وتركيا ، أكثر حدة بدرجة (كوما) واحدة ، عنها في الموسيقى المصرية ، سبب ذلك أن لكل شعب ذوقه وإحساسه الخاص به . * باحث في الموسيقى ورئيس فرقة تخت شرقي (خمسة موسيقيين) في مدينة فيينا ،