أنسنة التاريخ في رواية غصيبة.
يملك التاريخ من الحساسية ما يجعل الكاتب والقارئ له أمام خيارين: «مع أو ضد»، إلا ما رحم ربي، وتقع الروايات التاريخية في مساحة الحساسية تلك، إضافة إلى معضلة اختيار زاوية التأريخ التي تعيدنا إلى المربع الأول: «مع أو ضد». ولكن أنسنة التاريخ في الروايات تحرّك قلم الكاتب نحو مساحة أكبر من الموضوعية والحياد، مع ما قد يتسلل إلى النص مما يحمله الكاتب من صورة ورؤية وانتماء. ولهذا تحديدًا، كثيرًا ما تُعدّ كتابة الروايات التاريخية من أصعب أنواع الكتابة الروائية وأكثرها تعرضًا للنقد، لأن هنالك فريقًا «مع» يميل إلى التصفيق، وفريقًا «ضد» يميل إلى الهجوم، وبينهما يقف النص أمام قارئ يريد أن يقرأ التاريخ وقارئ يريد أن يرى ما ينتمي إليه. لطيفة هيف، الروائية السعودية، تحاول في روايتها «غصيبة» القبض على شيء من تاريخ الدولة السعودية الأولى، والمبهر في الرواية أن الراوية امرأة تنقل لنا حياة غصيبة، أحد أقدم أحياء الدرعية، وسط المجتمع النسائي، ومن خلال ما رأته وعاشته وسمعته في بيوت ذلك الحي. تقع الرواية في 365 صفحة، وصدرت عن دار تشكيل ضمن مبادرة «تاريخنا قصة» بالتعاون مع دارة الملك عبد العزيز، وهي إحدى المبادرات اللافتة والمهمة لإثراء الساحة الأدبية، فكم من تاريخ لنا ينتظر أن يُروى كي لا يُنسى. وأمام هذه الرواية، لم أملك، كقارئة تنتمي إلى ذات الخارطة الجغرافية، إلا أن أسير مع هيا، التي تروي ما حلّ بها منذ طفولتها حتى آخر كلمة في الرواية، وآخر ما كتبته هيا لابنة ابنتها، الرضيعة، عمّا حلّ بها، وما بقي في ذاكرتها من أهل وبيوت وأحداث. وهي حياة ترويها امرأة عن نساء عرفتهن، وعن رجال رأت أثر أعمالهم في تلك البيوت، وعن أطفال حملتهم وكبروا أمامها، ثم حملت ما حلّ بهم من فقد وألم. فالتاريخ يمرّ بنا مع هيا من داخل بيتها، وبين أهلها وجيرانها. إن أردنا أن نختار كلمة واحدة تصف هذه الرواية، فإن كلمة «فاجعة» ستكون الأقرب إليها دون منازع، فأحداث الرواية لا تكفّ عن الانتقال من فاجعة إلى أخرى. فهذه الراوية، هيا، تنتقل بين الأحزان مرورًا بأحزان أكبر، ومن فقد وموت إلى موت وفقد آخر، ومن فقر وجوع إلى قحط وخراب أكبر. وما الذي يمكن للصحراء أن تقدمه؟ إنها صحراء يباب، تنتظر المطر لتقدم شيئًا، وينتظر أهلها معها ما يعينهم على حياتهم وما يحملونه من أوجاع. حملت هذه الرواية وصفًا لأحوال المجتمع والبيوت والجيرة والثقافة وأعمال النساء عن كثب، وأعمال الرجال في عيون النساء، والحمل والزواج، وتعدّد الزوجات في أعين النساء، والأمومة والحرمان منها، والمعارك والفروسية والبطولة وإعلاء الإسلام، ومكانة الشيوخ، وفقد الشباب، وضعف العجائز. وحملت الكثير من أهازيج الدرعية وكلمات أهلها، وكم وددت لو استطعت إيجاد حاشية تشرح كلمات لسان الدرعية لأفهم ما يقولونه، وأستطيع فهم ما قدّرته بنحو 20% من نص الرواية. مفردات استعصى عليّ فهمها وأنا ابنة الأحساء القريبة من الدرعية، فكيف سيفهم قارئ من تونس أو لبنان أو العراق أو مصر هذه المساحة من النص؟ وكيف سيتابع ما تحمله تلك الكلمات من معانٍ في حياة الشخصيات وأحاديثهن؟ بقدر مكانة هذه الرواية في ميزان الأعمال الأدبية السعودية، هي بحاجة إلى العناية، وربما إضافة حواشٍ للشرح في الطبعات القادمة، تحفظ للكلمات لسانها وتعين القارئ على فهمها. وبقدر ما صوّرت لنا هيا الراوية حياتها مع جدتها طرفة، التي تشبه جدات نعرفهن حين توصيها بالعمل والصبر ومساعدة الأخرين والحياء والحذر وألّا تكلّم الرجال، ظهرت هيا المرأة البدوية المتأملة والمفكرة، تمر بالمحن لتصبر وتتحمل المزيد، بما تملك من قدرة وفهم ورؤية للعالم من خلال الحي الذي تعرفه، وحلقة العلم التي التحقت بها لتعلّم القرآن، وبمقدار ما سمعت من عيال مزنة، الذين أصبحت أمًّا لهم بعد موتها وزواجها من حسن. وربما كان قرب هذه الجدة من جدات نعرفهن أحد أسباب هذا السير مع هيا، ففي وصاياها شيء سمعناه، وفي خوفها عليها شيء عرفناه، وفي أحاديث النساء وأعمالهن ما يجعل القارئة تتوقف أمام ما بقي من تلك الحياة في حياتنا، وما تغيّر منها، وما حملته الجدات إلى الأمهات والبنات. وبمقدار اتساع رقعة أمومتها، التي احتضنت عيال زوجها وذريتهم وثنيان، الذي قامت تجاهه بما يمكننا أن ندعوه (التبني)، كان لهيا مواقف تستدعي وقفة دراسة تاريخية. فكيف كانت امرأة من الدرعية في مطلع القرن التاسع عشر تفهم العدوى والوباء حين حلّ الطاعون بهم؟ وكيف تشكّل لديها ذلك الاحتراز الذي جعلها تتلثّم، وتبتعد في نومها على سطح منزل جدتها، الذي أصبح منزلها، متّقيةً اتجاه الريح كي لا تصاب بالعدوى؟ السؤال هنا عن تفاصيل هذا الفهم كما عاشته هيا في بيئتها، وما وصل إليها من معرفة وتجربة. وأمام إعجاب هيا الراوية بالإمام وقراراته السياسية وحنكته وحكمته وقدرته الإدارية، يظل قرار منع الأهالي من دفن الموتى فترة الوباء، وأمرهم بإخراج الجثث إلى الطرق وتكليف رجال من الدولة بدفنهم، تفصيلًا يستدعي معرفة سنده التاريخي. وهل يمكن أن يكون شيء من واقع كورونا قد تسلّل من ذاكرة الروائية إلى ذاكرة الرواية؟ يبقى هذا سؤال قراءة يحتاج إلى الرجوع إلى المصادر التي استندت إليها الرواية، دون حكمٍ على ما ورد فيها. وأمام كل هذه الأسئلة التي يمكن الاتفاق والاختلاف عليها، ما الذي كانت تحمله هيا تجاه أهل الشرق، الذين كانت تصفهم بأنهم «أقوام من الشرق»، أمام حقيقة أنها زوّجت ابنتها سلمى، الأقرب إلى قلبها، لرجل من البحرين، وأمام حقيقة أنها في آخر أيامها، بعد وفاة سلمى، رحلت إلى شواطئ البحرين تحمل ابنتها نورة؟ لماذا وصفتهم بأنهم «أقوام من الشرق»، رغم أنها رأتهم تجارًا يجيئون في مواسم التجارة، يبيعون الزعفران والبهارات لأهل الدرعية؟ قوم من العرب والمسلمين، يتحدثون ذات اللغة ويحملون ذات الدين، وتتشابه ملابسهم. بدت لي عبارة «أقوام من الشرق» محيلةً إلى أقوام بعيدة ومختلفة، بين أهل الدرعية وبينهم اختلاف كبير، رغم إشارتها الواضحة وإن كانت سريعة لارتحال عدد من أهالي الدرعية «للأحساء» تحديدًا في سنة «القحط» والحقيقة أنهم من نسيج عربي واحد. كل هذا يمكن أن يُحال إلى خوف هيا وحساسيتها من كل غريب أو بعيد، وإلى حدود العالم الذي عرفته في حياتها. بجانب أن النص كان مثخنًا بأشكال التشبيهات والأساليب البلاغية، التي تكاد لا تخلو منها جملة في الرواية، عدا الأجزاء التي كانت تنقل أخبار المعارك؛ فقد بدت أكثر مباشرة وأقل مجازات وتشبيهات، وإن لم تخلُ منها. هذه الملاحظات ليست سوى لفتات سريعة لنص كبير حمل تاريخًا مهمًّا، وجدير بأن يؤخذ مثالًا يُحتذى به في أنسنة تاريخنا، الذي يحمل احتمالات كثيرة تنتظر أن تصبح واقعًا لروايات تاريخية تتحدث عنّا وتحكينا، وتحمل أخبار من سبقونا من أفواههم، وتوثّق أقوالهم وثقافتهم وطباعهم وما يستسيغونه وما لا يستسيغونه، وأن نؤرّخ لانتقالاتنا وتغيّراتنا واختلافاتنا واتفاقاتنا. وهذا الإرث جدير بأن يكون أدبنا الخالد. *روائية وكاتبة سعودية