في فيلم «مسألة حياة أو موت» (2025)، يضع المخرج أنس باطهف شخصيات فيلمه الذي ينطلق من فرضية تجمع الرومانسية بالكوميديا السوداء وشيء من الفانتازيا، مستثمراً الخوف من النهاية مدخلاً إلى تناقضات النفس البشرية، وإلى العلاقة بين الحياة كما نعيشها والحياة التي نتخيلها تحت وطأة القلق. تتمثل نقطة الانطلاق في شخصية «حياة»، التي تؤديها سارة طيبة، وهي امرأة تعتقد أن لعنة متوارثة في عائلتها ستقود إلى موتها عند بلوغ الثلاثين، بعدما ارتبط المصير نفسه بأمها وجدتها. تتحول السنوات في وعيها إلى عد تنازلي، وتغدو ذكرى الميلاد موعداً مشحوناً بالخوف بدلاً من الاحتفال. ومن هنا تتجاوز اللعنة وظيفتها الحكائية لتصبح قوة نفسية تتحكم في علاقة الشخصية بوقتها وقراراتها، ويصبح الخوف من الموت شكلاً من أشكال الغياب عن الحياة قبل وقوع النهاية. تكشف الفرضية عن أثر المعتقدات الموروثة حين تتحول إلى يقين يعطل التفكير ويؤثر في السلوك. فالخرافة تكتسب قوتها من استسلام الشخصية لها، ومن قدرتها على احتلال وعيها. وتتيح المعالجة الكوميدية تناول هذا الموضوع الحساس بقدر من الخفة، بعيداً عن المواجهة الواقعية المباشرة التي قد تضع الفيلم أمام جدل تمثيل المجتمع ومعتقداته. وقد يكون هذا الخيار أكثر أماناً لصناع العمل، لكنه يفرض تحدياً يتمثل في السخرية من الفكرة من دون اختزال الإنسان الذي يؤمن بها. وتستدعي الحكاية المقارنة مع الفيلم السوداني “ستموت في العشرين” للمخرج أمجد أبو العلا، الذي يعيش بطله تحت وطأة نبوءة تتوقع موته عند بلوغ العشرين. في العملين يفرض الموت المتوقع حضوره على الزمن الدرامي ويحد من قدرة الشخصية على عيش الحاضر. لكن الفيلم السوداني يتجه إلى نبرة تراجيدية تتداخل فيها الأسئلة الوجودية مع أجواء روحية، بينما يستثمر “مسألة حياة أو موت” الرومانسية والكوميديا السوداء والفانتازيا. وهكذا تكشف المقارنة كيف يمكن لفكرة واحدة أن تنتج تجارب مختلفة بحسب نبرة المخرج والعالم الذي يبنيه. يدخل “يوسف”، الذي يؤدي دوره يعقوب الفرحان، إلى عالم “حياة” بوصفه جراح قلب يعاني من بطء نبضاته، ويحمل تجربته الخاصة مع الجسد والموت. ومن التقاء الشخصيتين تنشأ مفارقة بين امرأة تستسلم لنهاية تعتقد أنها محددة سلفاً، ورجل يواجه الموت من زاوية مختلفة. وتتحول العلاقة العاطفية إلى فرصة لمراجعة المعتقدات واستعادة الحاضر، بما يمنح الفيلم بعداً إنسانياً يتجاوز المواقف الكوميدية. غير أن فاعلية هذا المسار تظل مرتبطة بقدرة الحكاية على إظهار التحول في سلوك الشخصيات، وليس الاكتفاء بجعل الحب إجابة جاهزة عن مخاوفها. على مستوى الإخراج، يلفت الفيلم الانتباه بلغته البصرية واهتمامه بتكوين الكادر والألوان، مع حضور واضح للأزرق الذي يمنح الصورة طابعاً جمالياً متماسكاً، ويستدعي دلالات الهدوء والبرودة والعزلة. كما يضيف تداخله مع الأحمر درجات بنفسجية تثري التكوين اللوني. وتبدو العناية بالصورة من أبرز عناصر العمل، إذ تمنحه هوية بصرية مميزة تناسب المزج بين الرومانسية والكوميديا والفانتازيا. ومع ذلك لا تعني قوة الصورة أن جميع عناصر الفيلم بلغت المستوى نفسه من النضج. ويظهر ذلك في المراحل الأخيرة، حين يصبح السرد أكثر ترهلاً بسبب الإفراط في تفسير دوافع الشخصيات وتبرير مسارات الحكاية. رغم وضوح الحكاية، العنة المتوارثة، كان يمكن لبعض المواقف والصور أن تنقل المعنى من دون تكرار الشرح، بما يحافظ على الإيقاع ويمنح المشاهد مساحة للاكتشاف. فالكوميديا تحتاج إلى توقيت دقيق، والإفراط في التفسير قد يضعف المفارقة، حتى عندما تظل الفكرة جذابة والأداء التمثيلي مقنعاً. لذلك يمكن وصف الفيلم بأنه متميز في جوانب محددة، من دون أن يصل إلى مرتبة التميز الاستثنائي. ولا تنفصل التجربة عن جوانبها الإنتاجية والتجارية. فالفيلم إنتاج مشترك يجمع أرابيا بيكتشرز السعودية، وفيلم كلينك المصرية، وفرونت رو فيلمد إنترتينمنت الإماراتية، في نموذج يتيح تبادل الخبرات وتوزيع أعباء الإنتاج والتسويق. وتكلفة إنتاج بنحو سبعة ملايين وخمسمئة ألف ريال سعودي. ورغم أن غالبية العاملين في الفيلم سعوديون، فإن مشاركة كوادر من جنسيات أخرى في الإنتاج والتصوير وغيرها تمثل جانباً من تبادل الخبرات الذي تعتمد عليه الصناعة السينمائية. ويلفت الانتباه أيضاً حضور بعض المنتجات والأماكن، مثل سيارة ميني كوبر التي يستخدمها يوسف ومشاهد معرض ساكو. وقد تكون هذه العناصر جزءاً طبيعياً من العالم الدرامي، وترتبط باتفاقات تجارية تسهم في دعم تكاليف الإنتاج، نقدياً أو عبر توفير منتجات وخدمات. لكن من المشروع التساؤل عن مدى اندماجها في الحكاية. فقد يساعد هذا النوع من الشراكات أحياناً على تقليل الأعباء المالية، شريطة ألا يتحول حضور العلامات التجارية إلى عنصر يشتت الانتباه عن الشخصيات والسرد. وقد ورد تصنيف الفيلم +18 في بعض بيانات العرض التجاري، مع الإشارة إلى أفكار مرتبطة بالانتحار عند حياة للتخلص من حياتها قبل موعد الميلاد، كذلك استخدام أدوات حادة، وهو ما يضع طبيعة الجمهور المستهدف ضمن الاعتبارات المهمة في التعامل مع موضوعاته الحساسة. ويأتي اختيار “مسألة حياة أو موت” لتمثيل المملكة العربية السعودية رسمياً في فئة أفضل فيلم دولي ضمن الدورة التاسعة والتسعين من جوائز الأوسكار امتداداً للحضور المتنامي للسينما السعودية في المحافل الدولية. وقد سبقت هذه المشاركة أفلام سعودية متعددة، مرشحة من هيئة الأفلام، من بينها “وجدة” لهيفاء المنصور، و”بركة يقابل بركة” لمحمود صباغ، و”سيدة البحر” لشهد أمين، و”حد الطار” لعبد العزيز الشلاحي، “أغنية الغراب” لمحمد السلمان، و”الهامور ح.ع” لعبد الإله القرشي، و”ناقة” لمشعل الجاسر، إلى جانب أعمال أخرى واصلت تقديم تجارب محلية متنوعة. ويعكس هذا المسار تعدد الاتجاهات التي تسعى السينما السعودية إلى استكشافها، من القضايا الاجتماعية إلى الأسئلة النفسية والوجودية، ومن الحكايات الواقعية إلى التجارب التي توظف الفانتازيا والكوميديا السوداء. أما محلياً، فقد أثار قصر وجود الفيلم في دور العرض ومحدودية الإقبال سؤالاً عن فرص الأعمال غير الجماهيرية في الوصول إلى جمهورها. ولا يمكن إرجاع ضعف الحضور إلى سبب واحد من دون بيانات تفصيلية عن أوقات العرض وعدد الشاشات والترويج والمبيعات. ومع ذلك فإن الأفلام التي تقدم موضوعات غير مألوفة قد تحتاج إلى مدة عرض أطول كي تتشكل حولها حالة من الاهتمام، خصوصاً أن استجابة الجمهور قد تأتي تدريجياً عبر النقاش النقدي والتوصيات المتبادلة. ولا يعني ذلك إعفاء الفيلم من مسؤولية جذب المشاهد أو تجاوز ملاحظات البناء والإيقاع، وإنما يعني مراعاة طبيعة التجربة والوقت المتاح لها. فالصناعة السينمائية تحتاج إلى أفلام واسعة الجماهيرية، كما تحتاج إلى تجارب مختلفة تمنح صناعها فرصة الاختبار والتطور، وتمنح الجمهور مجالاً لاكتشاف أنماط جديدة من الحكايات. في المحصلة يمتلك “مسألة حياة أو موت” فكرة قابلة للتأمل ويقدم لغة بصرية متميزة ويمنح المشاعر الإنسانية مساحة مهمة، لكنه يعاني من ترهل في النهاية وإفراط في التبرير يحدان من تماسكه. أما ترشيحه لتمثيل المملكة في الأوسكار، فيفتح أمامه نافذة للتعريف بالسينما السعودية، فيما يظل حضوره المحلي تذكيراً بحاجة بعض الأفلام إلى فرص عرض تتناسب مع طبيعتها. فالفيلم الذي يتناول الموت يعيدنا إلى سؤال أكثر إلحاحاً: ماذا نفعل بالحياة التي نملكها ما دمنا لا نملك يقيناً بشأن نهايتها؟ وربما تحتاج السينما التي تطرح مثل هذه الأسئلة إلى وقت كافٍ كي تُفهم، ومساحة كي تنمو، وجمهور يمنحها فرصة اللقاء قبل أن يصدر حكمه الأخير.