منذ المدخل يتلقفك التعريف والفيلم التوثيقي البصري القصير المعروض لمراحل تطور الأعمال ليشدك نحو التجربة في عمق القاعة لمعرض (حوار الورق) المقام بالتعاون بين متاحف قطر والمؤسسة العامة للحي الثقافي (كتارا). تنقلك الأعمال في بحث لترجمات متعددة للهوية داخل الفضاء الشرقي المتنوع آسيوية /شرقية تختلف فيها الجهات من قطر في الغرب واليابان في الشرق و إندونيسيا التي تتوسط الجانب الجنوبي الشرقي, ولك أن تتخيل مدى هذا الإختلاف داخل المناخات التي تطرأ بغزارة الأرض في جهة و جفافها في جهة أخرى, ثم تنعكس على المعيشة , ثلاث تجارب آسيوية متباعدة, تحاول التلاقي عند الشجرة في تحولاتها لحفظ ذاكرة الأرض. راسمة خطا عبر القارة يتخذ الورق مادة قديمة تصنع المكان و تتفرع من كائن حي متجذرتنحدر من وجوده أنماط المعيشة وطرائق الانسان في معالجة ما حوله وتطويعه, بوصف ذلك كله ناتجا عن الحاجة للبقاء والنجاة, ثم الرغبة في ترك الأثر وتسجيل التاريخ. وبين هذا المرور المتغير بين الأصل وأثره تنشأ لغة أخرى تتنوع حسب تنوع البيئة التي نشأ فيها الفنان. يتجرد الورق خلالها من ماديته المصقولة ليصير أثرا لما سبق أن كان, شجرة وأرضا ومناخات بيئية متغيرة, ولما مر به من أيد وطرائق وذاكرة قبل أن تستقر في هيئة جديدة. خلال هذا التحول تبدو الشجرة نصا بصريا قابلا للترجمة. فتخسر شيئا من هيئتها الأولى , وتحتفظ بشيء آخر عبرت من خلاله بتغيرات شرنقية في مراحل من الصبر والتأني, حتى تصل إلى صورتها الورقية التي نراها أخيرأ. لكن هل هي فعلا صورتها الأخيرة؟ يخبرنا المعرض في مدخله أن الحكاية الأولى كانت بين قطر واليابان خلال الاحتفاء بالذكرى الخمسين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين قطر واليابان من خلال معرض (حوار الورق) الذي جمع بين الفنان القطري (يوسف أحمد) بالفنان الياباني (هاياكي نيشيغاكي) من خلال ورشة عمل داخل استديو الفنان (يوسف أحمد) في الدوحة امتدت من 18 حتى 31 مارس 2022 دمج خلالها الفنانان خامات من البلدين تمثلت في نبات (الكوزو) الياباني مع لب ألياف (النخيل) القطري لإنتاج ورق يدوي من نوع خاص. بينما الحكاية الثانية تكونت بمناسبة العام الثقافي قطر- إندونيسيا 2023 وتحت العنوان ذاته (حوار على الورق) جمعت بين الفنان (يوسف أحمد) والفنان الإندونيسي (ويدي بانجيستو) الذي تخصصت تجربته الفنية في مجال صناعة الورق مطوعا إياه كوسيط وقد دمج الفنانان بين النخلة (القطرية) ونباتي (الآباكا) و (شجرة التوت) الإندونيسية. إلا أن الحكاية الأولى من وجهة نظري لم تكن كذلك, وإنما كانت من النقطة التي فكر فيها (يوسف أحمد) بصناعة الورق المحلي مطوعا اصعب شجرة في بيئته الصحراوية القاسية (النخلة) لما تحمله من دلالات قوية تزخر بها البيئة المحلية, التحمل, القسوة, العطاء, الاستمرارية, الشموخ, ومعاودة الحياة كل عام. منذ مطلع الثمانينات كما قال حين التقيناه في جلسة حوارية في مركز الملك عبد العزيز العالمي (إثراء) بالخبر فتخيلت اليد التي تغمس جريد النخل بصبر في ثم ترفع أليافه, ثم تعصر وتعجن وتنقع وتفرد, ثم تكبس وتطور التقنية وتحسنها يوما بعد يوم, بينما تمتلك الثقافة اليابانية تاريخا عريقا في صنع ورقها وتسجيل إرثها, ولكن (يوسف أحمد) قرر أن يبدأ من أي مكان في صناعة ورقه ثم قرر أن يستمر, ومن خلال هذا الاستمرا ولدت الحكايات, والأسئلة, والأفكار التي عليه تجربتها, وهكذا تداخلت التجارب في محاولة لإيجاد أرض وسطى تتلقى ترجمة تقرب الأطراف المتباينة في تجاربها, وهذا مافكر فيه الفنان حين استضاف الفنان الياباني مستفيدا من تواجده بقطر لتوضع التجربتين على أرضية واحدة ليس فقط بغرض محاولة الاندماج ولكن لتكتشف كل تجربة مايمكن أن تمنحه للأخرى, ثم توالت لتأتي تجربة إندونيسيا على ذات المتوالية, متوالية تحاول إيجاد الإختلاف لتصنع منه حوار متبادل من خلال الأرض التي تتحول إلى قطع فنية. من هذه البداية لم تنتهي ترجمة الأرض بل اتصل العمل إلى مواد فنية انبثقت حتى من خلال العناوين المعلقة (سعف النخيل يحتضن شمس اليابان), (شمس اليابان تشرق في قطر), (الوزار), (شجرة), (ثقافات متداخلة), (كتاب النخيل والأباكا والتوت) وانعكست على الأعمال الورقية المعروضة. ولا يمكنني تخيل أن هناك نهاية لهذه التجربة غير اللانهاية في محاولتها لأصطياد الترجمات بين الثقافات المختلفة. فالأرض لا تتوقف عن الترجمة, والثقافات عن محاولة قراءة بعضها وكل ترجمة تفتح أرضا أخرى, وربما لا يكون الورق سوى إحدى الطرق التي نحاول من خلالها ترجمة ثقافاتنا. *فنانة وكاتبة