لحظتانِ عند النافذة.
ثمة أوقات لا تمرّ كما تمرّ بقية الأيام، بل تظل معلّقة في زاوية بعيدة من الذاكرة، حتى تأتي لحظة تشبهها فتوقظها من جديد. كان المساء قريبًا من سابقه؛ ضوء خافت يتهيأ للانطفاء، وهواء بارد يعبر في هدوء، ورائحة لا يمكن الإمساك باسمها، لكنها مألوفة إلى حدّ يثير شيئًا غامضًا في الداخل. لم يكن في المشهد ما يستدعي التوقف طويلًا، لكن مع ذلك بدا كأن الزمن عاد خطوة إلى الوراء. تُرى فيه الرائحة ذاتها، والنسمة نفسها، والهدوء الذي يسبق الغروب كما هو، وحتى الأشياء المحيطة بدت وكأنها احتفظت بمواقعها القديمة ولم يمسسها شيء، لكن شيئًا ما كان مختلفًا، ليس في السماء، ولا في الهواء، ولا في المكان؛ وإنما كان الاختلاف في المسافة التي صنعتها الأيام بين لحظتين متشابهتين. عام واحد فقط، لكنه كان كافيًا لأن تتبدل أشياء كثيرة دون ضجيج، فبعض الأسئلة لم تعد كما كانت، وبعض الإجابات فقدت أهميتها، وبعض الأمور التي بدت يومًا بعيدة أصبحت أقرب مما كان متوقعًا، ثم انفتح بعدها ما هو أبعد، فالزمن لا يكتفي بأن يمرّ، بل إنه يعيد ترتيب الأشياء داخلنا بصمت. يغيّر حجم المخاوف، وطريقة النظر إلى ما كان يبدو كبيرًا، ويمنح بعض التفاصيل معنى لم يكن ظاهرًا من قبل، بينما يسحب من تفاصيل أخرى كثيرًا من بريقها القديم. ولعل أغرب ما في التحول أنه لا يُرى لحظة حدوثه، ولا توجد لحظة محددة يمكن أن نقول عندها: هنا تبدّل كل شيء؛ وإنما يحدث الأمر تدريجيًا؛ بين يوم ويوم، وبين تجربة وأخرى، وبين سؤال تأخر جوابه وآخر لم يعد مهمًّا أن نجد له جوابًا. ثم تأتي رائحة واحدة، أو نسمة واحدة، أو مساء يشبه مساءً قديمًا، فتنكشف المسافة كاملة. في حينها ندرك أن الأشياء من حولنا ربما تكون أكثر ثباتًا منا، فالفصول تعود في مواعيدها، والهواء يعرف منافذه، والغروب لا ينسى طريقه، والروائح القديمة تستطيع أن تعبر إلى اللحظة الجديدة بالملامح نفسها. أما الإنسان، فلا يعود بالطريقة نفسها، وإن كان يقف أمام المشهد ذاته، ويظن للحظة أن الزمن أعاد إليه ما مضى، ثم يكتشف أن ما عاد ليس الماضي، وإنما صورته فقط. أما الذي كان يقف أمامها يومًا، فقد ابتعد، ليس بالضرورة بعيدًا في المكان، بل بعيدًا بما أضافته الأيام إلى نظرته، وبما أخذته منها، وبما أصبح يعرفه دون أن يكون قد خطط لمعرفته، وهنا تصبح العودة مستحيلة، حتى لو عاد كل شيء. فالنافذة قد تبقى كما هي، والهواء قد يأتي من الجهة ذاتها، والرائحة قد لا تتغير، لكن الذي يستقبلها يكون قد عبر عامًا كاملًا لا تستطيع الفصول أن تعيده. *كاتب وناقد في الأدب الحديث – جامعة الملك عبد العزيز Abdulrahman1045f@gmail.com