إن تأخرت رحلة فلن يتأخر تاريخ..

السعودية.. كتاب راسخ عمره ثلاثة قرون.

مَنْ ظَنَّ أَنَّ السُّعُودِيَّةَ تَتَوَقَّفُ… فَهُوَ لَمْ يَفْهَمْ كَيْفَ بَدَأَتْ. هناك فرق بين وطنٍ يسكنه شعب… ووطنٍ يسكن شعبه. والسعودية ليست أرضًا نحمل هويتها في جيوبنا، بل هوية نحمل أرضها في أرواحنا. قد تتوقف طائرة، وقد يخلو مدرج، وقد تمر على سماء الرياض لحظات استثنائية. لكن من قال إن نهضة الأمم تُقاس بحركة المطارات؟ إن تعطّل مدرج، فلن تتعطل إرادة. وإن تأخرت رحلة، فلن يتأخر تاريخ. وإن اشتدت الظروف، فلن يصبح المستقبل رهينة للحظة عابرة. هناك من يقرأ الأحداث بعينيه، وهناك من يقرأ الأوطان بعمرها. ومن أراد أن يفهم السعودية، فليتجاوز حدود اللحظة، وليفتح كتاب ما يقارب ثلاثة قرون من التاريخ. ثلاثة قرون لم تصنع شعبًا ينتظر من الآخرين أن يكتبوا له مصيره، بل صنعت أجيالًا تعرف معنى البناء، وثمن الاستقرار، ومسؤولية الانتماء. نحن شعب لا يحتاج إلى أن يتشابه حتى يتوحد. من جبال الجنوب إلى سهول الشمال، ومن سواحل الشرق إلى جبال الغرب، تتنوع لهجاتنا وعاداتنا، لكن حين تنادي السعودية، لا يسأل أحدنا الآخر من أي منطقة أنت. لأن الوطن عندنا ليس جهة خامسة على البوصلة… بل هو المركز الذي تتجه إليه القلوب من الجهات الأربع. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، تعيش المملكة مرحلة من الطموح والتحول والعمل، بما تحمله من إنجازات وتحديات ومسؤوليات. أما الذين يختصرون الأوطان في عثراتها، أو ينتظرون من كل حادثة عنوانًا للشماتة، فقد أغفلوا الصورة الأكبر. ومن يقدم لك العسل في كلامه، بينما يزرع الشوك في طريقك، لا تكشفه بلاغته… تكشفه المواقف. لكننا لا نحتاج إلى أن نكره أحدًا حتى نثبت حبنا لوطننا. ولا نحتاج إلى الصراخ كي نثبت قوة انتمائنا. فالوطن الذي نثق به لا نخدمه بالمبالغة، وإنما بالعمل والصدق، والوقوف معه في الشدة كما نفرح به في الرخاء. وفي مثل هذه الظروف، تبقى سلامة الإنسان أولًا، وتستحق معاناة المتضررين كل اهتمام، كما يستحق العاملون في الجهات الأمنية والخدمية والطوارئ التقدير على ما يبذلونه من جهود ومسؤوليات. وأنا، بعد أكثر من أربعين عامًا في عالم الأعمال، أدركت حقيقة لا تدرسها الجامعات: المال يستطيع شراء الأرض، لكنه لا يستطيع شراء الانتماء. والنفوذ يستطيع جمع الناس حول المصالح، لكنه لا يستطيع صناعة وطن داخل صدورهم. السعودية بالنسبة لي ليست مجرد مكان بدأت فيه حياتي. إنها ذاكرة والدي، وتعب جيلنا، وأحلام أبنائنا، ومستقبل أحفادنا. نحن لا نقف خلف وطننا لأن الطريق أمامه مفروش بالورود… بل لأننا جزء من الذين يزيلون الأشواك من طريقه. ولهذا أقول: من أراد أن يعرف قوة السعودية، فلا ينظر فقط إلى أبراجها ومطاراتها ومشروعاتها. فلينظر إلى الإنسان السعودي. إلى إيمانه بوطنه، واعتزازه بهويته، وقدرته على العمل، وإلى العلاقة العميقة بين القيادة والشعب، التي لا تختصرها صورة ولا يشرحها عنوان. حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وحفظ شعب المملكة العربية السعودية الكريم، وأدام على وطننا الأمن والعزة والاستقرار. وأخيرًا… السعودية ليست وطنًا نخشى عليه من كل عاصفة… إنها وطن نحبه بما يكفي لنكون معه حين تهب العواصف.