كانت رحلتنا من المدينة المنورة إلى الرياض هذه المرة مختلفة. فقد رافقني الصديقان قايد الحارثي وهارون الجهني لحضور الندوة الأولى للكتابة التاريخية السعودية، التي نظمها قسم التاريخ بجامعة الملك سعود يومي السابع والثامن من أكتوبر الجاري، تحت عنوان «المنهج والاتجاهات والمستقبل»، برعاية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز، رئيس مجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز. ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أنها لم تنته بانتهاء جلسات الندوة، بل امتدت إلى لقاءات وزيارات كان لها من الأثر والمعرفة ما يستحق أن يُروى. كانت الندوة فرصة جميلة للقاء نخبة من جهابذة التاريخ السعودي، ممن قضوا سنوات طويلة في البحث والكتابة وتحقيق المخطوطات وجمع الوثائق، وأسهموا في بناء المعرفة التاريخية عن المملكة والجزيرة العربية. وقد وجدت في اللقاء بهم متعة لا تقل عن الاستماع إلى أوراقهم العلمية، فبعض الأسماء التي اعتدنا رؤيتها على أغلفة الكتب وصفحات المراجع كانت حاضرة أمامنا، تستعيد تجاربها وتناقش ما أنجزته الكتابة التاريخية السعودية وما ينتظرها في المستقبل. والجميل في هذه الندوة أنها اختارت موضوعًا قلّما نتوقف عنده، وهو الكتابة التاريخية ذاتها. فقد اعتدنا أن نقرأ التاريخ ونناقش أحداثه وشخصياته، لكننا لا نتوقف كثيرًا عند مناهج المؤرخين، وكيفية تعاملهم مع المصادر، والموضوعات التي استحوذت على اهتمامهم، وتلك التي لم تنل نصيبها من البحث والدراسة. وقد تنوعت الأوراق بين دراسة أعمال عدد من المؤرخين السعوديين، والآثار والنقوش، والتاريخ الشفوي، وعلاقة التاريخ بالعلوم الإنسانية، وصولًا إلى التحول الرقمي ومستقبل الدراسات التاريخية. وأرى أن توقيت هذه المبادرة يحمل دلالة مهمة؛ فنحن على أبواب الذكرى الثلاثمئة لتأسيس الدولة السعودية في عام 2027م، وهي مناسبة تستحق أن نستعد لها بمزيد من البحث والتوثيق والمراجعة العلمية. فهذه الندوة، بما تطرحه من أسئلة حول مناهج الكتابة التاريخية واتجاهاتها، يمكن أن تكون واحدة من المبادرات التي تسهم في تطوير سردية وطنية متماسكة ومتعددة المصادر، قادرة على تقديم تاريخنا بصورة تليق بعمقه وتنوعه، وتمنح الأجيال القادمة فرصة لفهمه بعيدًا عن الاختزال أو تكرار الروايات دون تمحيص. ومن بين الأوراق والمداخلات التي استوقفتني، كانت مشاركة الأستاذ الدكتور زهير بن عبدالله الشهري، الذي تناول اتجاهات كتابة التاريخ السعودي من خلال دراسة واسعة للإنتاج العلمي، شملت 748 رسالة ماجستير ودكتوراه. وقد كشفت دراسته عن تفاوت واضح في اهتمام الباحثين بالموضوعات التاريخية، إذ استحوذت العلاقات الدولية وتاريخ المناطق على نحو 61.6% من الرسائل، مقابل 13.5% فقط للتاريخ الاجتماعي والثقافي والإداري مجتمعة. وهي أرقام تستحق التأمل، لأنها تكشف لنا جانبًا من التاريخ الذي انشغلنا بكتابته، وجوانب أخرى ربما لم نمنحها الاهتمام الكافي. غير أن أكثر ما بقي في ذهني من حديث الدكتور زهير هو أهمية الانتقال بالتاريخ من كونه معرفة بالماضي إلى معرفة يمكن الاستفادة منها في الحاضر والمستقبل. وهذه، في رأيي، من أهم القضايا التي ينبغي أن تشغل المشتغلين بالتاريخ اليوم. فما الفائدة من تراكم الدراسات التاريخية إذا بقيت حبيسة المكتبات والرسائل الجامعية، ولم تتحول إلى معرفة يستفيد منها المجتمع ومؤسساته؟ إن دراسة تاريخ المدن، على سبيل المثال، يمكن أن تساعدنا على فهم تطورها العمراني والاجتماعي، كما أن دراسة الأزمات الاقتصادية والأوبئة والتحولات التعليمية والإدارية تتيح لنا قراءة تجارب سابقة قد تعين على فهم مشكلات معاصرة. ولعلنا بحاجة إلى النظر إلى المعرفة التاريخية بوصفها منتجًا ثقافيًا ومعرفيًا يمكن توظيفه في التعليم والإعلام والمتاحف والتخطيط وصناعة المحتوى، بل وفي بعض مجالات اتخاذ القرار. وليس المقصود أن يقدم التاريخ حلولًا جاهزة لكل مشكلة، وإنما أن نستفيد من تجارب الماضي في فهم الحاضر واستشراف المستقبل. ومع إعجابي بتنوع الأوراق العلمية، فقد لفت انتباهي غياب موضوع أراه من المصادر المهمة للكتابة التاريخية السعودية، وهو الصحافة السعودية. فقد استمعت إلى نقاشات مهمة حول الآثار والتاريخ الشفوي والتكامل بين علم التاريخ والعلوم الإنسانية الأخرى، لكنني كنت أتطلع إلى حضور أوسع للصحف والمجلات القديمة بوصفها وثائق تاريخية لا تقل أهمية عن كثير من المصادر التقليدية. لقد وثقت الصحافة السعودية، منذ بداياتها، جوانب واسعة من حياة المجتمع وتحولاته. فمن يقرأ أعداد «أم القرى»، و«المنهل»، و«المدينة»، وغيرها من الصحف والمجلات، يجد أمامه مادة ثرية عن التعليم والحج والتجارة والعمران والحياة الاجتماعية والثقافية، فضلًا عن الأخبار والإعلانات والصور والمقالات التي تعكس طبيعة الحياة في فترات مختلفة. وهذه المواد لا تقدم الأخبار وحدها، بل تكشف كذلك عن لغة المجتمع واهتماماته وقضاياه وطريقة تفكيره في زمن صدورها. وأعتقد أن الصحافة السعودية بحاجة إلى حضور أكبر في الدراسات التاريخية، خصوصًا في ظل ما تواجهه بعض أرشيفاتها من تحديات تتعلق بالحفظ والرقمنة وإمكانية الوصول إليها. ومن المهم أن تتجه أقسام التاريخ والإعلام إلى مشروعات بحثية مشتركة تعيد قراءة هذا الإرث، وتتعامل مع الصحيفة باعتبارها وثيقة قابلة للتحليل والنقد والمقارنة مع المصادر الأخرى، لا مجرد وعاء نستخرج منه خبرًا أو تاريخًا ثم نغلق صفحاته. والمفارقة الجميلة أن هذا الاهتمام بالصحافة رافقنا حتى خارج قاعة الندوة. فقد كانت لنا بعد انتهائها زيارة إلى منزل الباحث والمؤرخ الثقافي الأستاذ محمد بن عبدالرزاق القشعمي في الرياض، وهو أحد الأسماء التي ارتبطت بتوثيق تاريخ الصحافة السعودية وروادها، وأمضى سنوات طويلة يتتبع بدايات الصحف والمجلات، ويبحث عن سير من أسهموا في تأسيسها وتطورها. ومن أعماله كتاب «مائة عام من الصحافة السعودية»، إلى جانب مؤلفاته المتعددة في البدايات الصحفية والسير الثقافية. كانت زيارة القشعمي من المحطات الجميلة في رحلتنا، وقد وجدت فيها امتدادًا للموضوع الذي ظل يشغل تفكيري أثناء الندوة. فالتاريخ الذي نناقش مناهجه في الجامعات، هناك من قضى عمره يجمع مادته من الصحف والكتب والوثائق وسير الأشخاص، ويحفظ من التفاصيل ما قد يغيب عن كثير من الدراسات. ولعل من الإنصاف أن تحظى تجارب هؤلاء الباحثين بعناية أكبر، وأن تُقرأ أعمالهم باعتبارها جزءًا من مسيرة التوثيق التاريخي والثقافي في المملكة. وفي اليوم التالي، ونحن في طريق العودة إلى المدينة المنورة، كانت لنا محطة أخرى في عنيزة، حيث زرنا في منزله الأستاذ الدكتور أحمد بن عبدالعزيز البسام، أحد الباحثين المعروفين بعنايتهم بالتاريخ النجدي وتحقيق مصادره، ومن أبرز أعماله دراسة وتحقيق «تاريخ ابن عيسى»، ذلك العمل الذي استند في تحقيقه إلى عدد كبير من الوثائق والمصادر التاريخية. وكانت زيارته إضافة جميلة إلى رحلتنا، التي جمعت بين الاستماع إلى المؤرخين في الندوة واللقاء بهم في مجالسهم الخاصة. ولعل ما أعجبني في هذه الرحلة هو أن المعرفة لم تكن مرتبطة بمكان واحد. بدأت من الطريق بصحبة صديقين عزيزين، ثم انتقلت إلى قاعات جامعة الملك سعود، وامتدت إلى منزل القشعمي في الرياض، ثم إلى منزل الدكتور البسام في عنيزة. وفي كل محطة كان هناك جانب مختلف من الاهتمام بالتاريخ؛ من قراءة مناهج المؤرخين ونقد إنتاجهم العلمي، إلى توثيق الصحافة والسير الثقافية، ثم تحقيق المصادر التاريخية والبحث في الوثائق. عدنا إلى المدينة المنورة بعد رحلة قصيرة في أيامها، غنية بما حملته من لقاءات ومعرفة. وقد خرجت منها بقناعة أن لدينا في المملكة رصيدًا كبيرًا من المؤرخين والباحثين الذين يستحقون أن نتعرف إلى تجاربهم عن قرب، وأن نمنح إنتاجهم العلمي مساحة أوسع للحضور في المجتمع، بعيدًا عن حدود التخصصات والقاعات الأكاديمية. أما الندوة الأولى للكتابة التاريخية السعودية، فأرجو أن تكون بداية لمشروع علمي متواصل، تتسع موضوعاته في دوراته القادمة، وتقترب أكثر من المصادر التي لم تُدرس بما يكفي، وفي مقدمتها الصحافة السعودية، وأن تسهم في تحويل تاريخنا إلى معرفة حاضرة في حياتنا اليومية ومؤسساتنا الثقافية والتعليمية.