في أمسية ثقافية نظمتها جمعية بيادر بمحايل ..

عبده خال : الروائي يتحدث باسم الحياة .. وإذا تكلم يصمت الجميع.

نظّمت جمعية بيادر للفلسفةِ والأدبِ والدراساتِ الثقافيةِ بمحايل أمسية ثقافية استثنائية ضمن برامجها المعرفية، استضافت خلالها الروائي الكبير عبده خال في لقاء حمل عنوان “حكاية تجربة”. أدار اللقاء بحرفية ووعي نقدي د. معيض بن عطية القرني، وسط حضور نخبوي وثقافي واسع تفاعل مع محطات الإبداع السردي وفلسفة الكتابة، ليتحول اللقاء من مجرد شهادة إبداعية عابرة إلى حفر عميق في فيزياء السرد وجماليات التخييل. جذور الشغف وبدايات البوح استهل الروائي عبده خال اللقاء مسترجعاً عتبات البدايات الأولى، حيث كتب أول عمل قصصي له وهو في سن السابعة عشرة، ليتجه بعدها خائضاً تجارب مبكرة في الإذاعة. وتوقف الضيف عند محطة فارقة ومضيئة في مسيرته؛ حين تلقى شهادة نقدية مبكرة من أحد النقاد في نادي جدة الأدبي، قيل له فيها: “لو كتبت الرواية الحداثية في السعودية سيكتبها هذا الشاب”؛ وهي شهادة لم تكن عابرة، بل كانت وثيقة تأبيد في مسار الشقاء الجميل، ليعود إثرها مشتبكاً مع نصه الأول “الموت يمر من هنا” طيلة أحد عشر عاماً من الكتابة والمكابدة. تلك البدايات لم تكن بمعزل عن ظلال الذاكرة الأولى ومقترحات الحياة؛ فالكاتب الذي يقرر أن يكتب، يكتب ليُرضي عالمه الداخلي أولاً وقبل كل شيء، لا ليبحث عن رضا الآخرين. ومن هنا تأتي فلسفته في أن “الروائي يتحدث باسم الحياة، وإذا تحدث يصمت الجميع”. فيزياء السرد: بين طين أينشتاين وسوبرمان في حديثه عن عوالمه الروائية، توقف عبده خال عند روايته “طين” بوصفها اشتغالاً على عوالم أخرى تتجاوز المألوف، مستلهمة أفكار أينشتاين ومفهومه للزمن والفيزياء، وكيف يمكن للمفاهيم العلمية أن تعيد تشكيل رؤيتنا للحياة. السرد هنا ليس حكايات مسلية، بل هو إعادة هندسة للزمن والوجود. هذا الشغف بالعوالم الفسيحة يعود جذره إلى الطفولة الأولى ومغذياتها؛ حيث شكلت قراءة سلسلة “سوبر مان” -في زمن ما- رافداً إنسانياً أعاده مراراً إلى رحاب المتخيل الفسيح. فالكاتب الحقيقي يظل حاملاً لطفل الداخل، يستنطق الأشياء ويطارد الدهشة. وفي معرض إجابته عن السؤال التقليدي والمزمن حول قراءة العمل الروائي بوصفه سيرة ذاتية للكاتب، قطع عبده خال الشك باليقين مؤكداً أن الروائي يأتي محركاً للحدث وسارداً له، ولا يمكن للقارئ العادي أن يجد عبده خال بشخصه في روايات مثل “ترمي بشرر” أو سواها، فالنص يعبر عن عوالم موازية ومستقلة تتخلق في أتون المخيلة الإبداعية. إضاءات نقدية ومداخلات مثرية لم تكن الأمسية منبراً للبث الأحادي، بل تحولت إلى فضاء تفاعلي رحب بفضل المداخلات النقدية والثقافية الثرية التي قدمها أساتذة النقد والأدب؛ حيث أضاء أ.د. صالح معيض الغامدي جانب الأسطورة والتراث الشعبي، متسائلاً عما إذا كان الأدب الشعبي يمثل مستودعاً للأساطير بموازاة الأساطير العالمية، فضلاً عن مقاربته لجدلية السيرة والروائي. وتوالت الإضاءات المتميزة عبر مشاركة الأستاذ علي فايع حول تجربته في الكتابة الصحفية، ورؤى الأستاذة أميرة عسيري حول جماليات التجربة، وقراءة د. أحمد ملبس للبعد الأسطوري في البناء الروائي، وإطلالة د. مفرح شعبان على آخر أعمال الضيف، وتساؤل الأستاذ لاحق حول حدود الانجذاب بين النقد الأكاديمي والنقد الانطباعي. خاتمة المطاف توجت الأمسية بتوالي المداخلات والأسئلة من الحضور الكريم، واختتمت بمداخلة مركزية لرئيس لجنة الأدب د. يعقوب الألمعي، الذي قدم خالص الشكر والتقدير للضيف الكبير الروائي عبده خال، وللمحاور البارع د. معيض القرني، ولرئيس الجمعية د. إبراهيم بن عامر على هذا الإثراء المعرفي الذي يؤكد مجدداً ريادة جمعية “بيادر” في صناعة الأسئلة وتعميق الوعي الثقافي في المنطقة وسائر فضاءات الوطن.