في العاشر من أكتوبر، لا تستوقفني في ذكرى ميلاد سعادة العلامة البروفيسور رضوان السيد سنةٌ تضاف إلى عمره، بقدر ما تستوقفني عقودٌ من العمل جعلت من الفكر سيرةً للبحث والسؤال والمراجعة. فالكتابة عن البروفيسور ليست استعادةً لسيرة أكاديمية، ولا تعدادًا للمؤلفات والجوائز والجامعات التي مر بها؛ لأن قيمة المشروع لا تختصرها محطات السيرة، وإنما تكمن في الطريقة التي جعل بها من دراسة الفكر الإسلامي بحثًا في تاريخ الأفكار، وتحولاتها، وعلاقتها بالمجتمع والدولة والسياسة. ولهذا تبدو الكتابة عنه محاولة لفهم مشروع أعاد الفكر الإسلامي من النصوص التي تُستدعى إلى التاريخ الذي يُفهم. بدأت ملامح هذا المشروع من الجمع بين تقليدين معرفيين قلّما اجتمعا في تكوين واحد بهذه الدرجة من التفاعل. ففي الأزهر الشريف تلقى البروفيسور رضوان السيد تكوينه في أصول الدين، وحصل على الشهادة العالمية سنة 1970م، ثم انتقل إلى جامعة توبنغن بألمانيا، حيث نال دكتوراه الدولة في الفلسفة من قسم الدراسات الإسلامية سنة 1977م. ولم تكن الرحلة من القاهرة إلى ألمانيا مجرد انتقال جغرافي؛ فقد منحه الأزهر صلة مباشرة بعلوم التراث ومناهجه، بينما فتحت له توبنغن أبواب التاريخ والفلسفة والدراسة المقارنة للأديان ومناهج البحث الحديثة. وهناك درس على جوزيف فان إس، أحد أبرز دارسي الفلسفة الإسلامية الوسيطة وعلم الكلام، وتعلم معه أن النص لا يُفهم مكتملًا خارج سياقه التاريخي والفكري، وأن الأفكار لا تُقرأ منفصلة عن البيئات التي أنشأتها وحاجاتها وأسئلتها. ومن هنا يمكن فهم موقفه من الاستشراق. فلم يتعامل البروفيسور رضوان السيد معه باعتباره كتلةً واحدة تُرفض أو تُقبل، ولا حصر علاقته به في خطاب الشكوى من الآخر؛ بل دخل إلى عالمه من الداخل، وتعلم لغته وأدواته، وقرأ أعلامه، ثم عاد ليعيد النظر في أسئلته ومناهجه. ولعل علاقته بجوزيف فان إس تختصر هذا المسار كله: تلميذ أزهري يدخل مدرسة ألمانية في الدراسات الإسلامية، ثم يصبح بعد عقود أحد أكثر الباحثين العرب اشتغالًا بتاريخ الاستشراق وتحولاته. وفي كتاباته عن أستاذه وعن الاستشراق، يميز البروفيسور بين الاستشراق بالمعنى الذي نقده إدوارد سعيد وبين الدراسات العربية والإسلامية التي واصلت الجامعات الغربية تطويرها في صيغ ومناهج جديدة. وهنا لا يصبح الاستشراق خصمًا فكريًا دائمًا، بل تاريخًا معرفيًا ينبغي فهمه ونقده والاستفادة من أدواته في آن واحد. لكن الأهم أن هذا الحوار مع الاستشراق لم يبق موضوعًا من موضوعات كتابته؛ فقد تحول إلى جزء من طريقته في إنتاج المعرفة. فالترجمة عند البروفيسور ليست عملًا لغويًا تابعًا للتأليف، وإنما جسرٌ معرفي بين عالمين. حين ينقل إلى العربية دراسات في الإسلام وتاريخه وفكره، فهو لا ينقل نصًا فحسب، بل ينقل معه طريقة في النظر، وأسئلةً ومناهج، ثم يضعها في المجال العربي لتدخل في النقاش والنقد وإعادة البناء. ولذلك اتسعت ترجماته لتشمل قضايا الدين والسياسة، وتاريخ الإسلام في الوعي الغربي، والاستشراق، والفكر الديني؛ بما يجعل الترجمة في تجربته امتدادًا لمشروعه في تفكيك الحواجز بين المعارف، لا نشاطًا منفصلًا عن التأليف. وهنا تتضح إحدى أهم خصائص مشروعه: إنه لا يريد للباحث العربي أن يبقى موضوعًا للدراسة في كتب الآخرين، كما لا يريد له أن ينغلق داخل رد فعل دفاعي تجاهها. المطلوب عنده أن يصبح شريكًا في إنتاج المعرفة؛ يقرأ بلغات الآخرين، ويفهم تاريخ مناهجهم، ويعرف حدودها وإمكاناتها، ثم يعود إلى مصادره وهو أكثر قدرة على مساءلتها. ولذلك ارتبط اهتمامه بالاستشراق باهتمام أوسع بإعادة بناء الدراسات الإسلامية نفسها. وفي مقالته «إعادة بناء الدراسات الإسلامية» سنة 2018م، لخّص خبرة عقود من التعامل مع التطرف والإرهاب في مفهومين دالين: «التأهّل والتأهيل». وهي صياغة تكشف انتقال المشروع من نقد الأفكار وحده إلى السؤال عن تكوين الباحث والمؤسسة التي تنتج المعرفة؛ فإصلاح الحقل، في نظره، لا يكون بتغيير الخطاب فحسب، وإنما ببناء القدرة العلمية التي تستطيع أن تقرأ وتفكك وتعيد البناء. وهذا ما يفسر أيضًا اتساع مجال اشتغاله. فالبروفيسور رضوان السيد لم يكتف بمدرسة أو مذهب أو بيئة إسلامية واحدة؛ فقد قادته أبحاثه وتعليمه إلى دراسة تنوعات التجربة الإسلامية، من التكوين الأزهري وما اتصل به من الأشعرية والتصوف، إلى علم الكلام والدراسات الكلامية في ألمانيا، ثم إلى خبرات أخرى في المشرق، ومنها تدريسه في جامعة صنعاء واشتغاله على التراث الزيدي. ولم يكن هذا الاتساع جمعًا للمعلومات، بل كان بحثًا عن الطريقة التي تشكلت بها الجماعات والمذاهب والمفاهيم داخل التاريخ الإسلامي. وهنا يصبح اختلاف المدارس جزءًا من موضوع المعرفة نفسها، لا مجرد خلاف مذهبي يُسجل في الهوامش. من هذه الزاوية يمكن فهم عنايته المبكرة بمفاهيم مثل الأمة والجماعة والسلطة والدولة. فالمفهوم عنده لا يولد مكتملًا ثم ينتقل عبر القرون كما هو؛ وإنما يتشكل داخل ظروف تاريخية، وتعيد المجتمعات تفسيره كلما تغيرت حاجاتها وأسئلتها. ولذلك فإن السؤال ليس فقط: ماذا قال الفقهاء أو المتكلمون؟ بل: متى قالوا؟ وفي أي سياق؟ وما المشكلة التي كانوا يحاولون الإجابة عنها؟ وكيف تغير معنى المفهوم حين تغيرت بنية المجتمع والدولة؟ هذه الطريقة في القراءة تقود مباشرة إلى اهتمامه بالفكر السياسي الإسلامي. وقد كان حصوله على جائزة الملك فيصل في الدراسات الإسلامية عام 2017م تتويجًا لمسار طويل في دراسة التراث السياسي الإسلامي، بما يتصل بالحكم والسلطة والدولة والمجتمع والأمة. وتكشف هذه الأعمال عن تمييز مهم بين الفكر السياسي الذي نشأ داخل التجربة الإسلامية الكلاسيكية، وبين الإسلام السياسي بوصفه ظاهرة حديثة تشكلت في ظروف مختلفة؛ من سقوط الإمبراطوريات ونشوء الدولة الحديثة إلى الاستعمار والقومية وتحول السياسة إلى تنظيمات وأيديولوجيات جماهيرية. وهنا لا تعود دراسة الإسلام السياسي عنده استدعاءً لمفردات التراث إلى الحاضر، بل بحثًا في كيفية إعادة تركيب تلك المفردات داخل شروط سياسية واجتماعية حديثة. وهنا تبرز أهمية الدولة في مشروعه. فالدولة ليست عنده مجرد مؤسسة سياسية حديثة في مواجهة التراث، بل سؤال تاريخي وفكري يكشف كيف انتقلت المجتمعات الإسلامية من صيغ سياسية واجتماعية قديمة إلى الدولة الحديثة، وما الذي بقي من المفاهيم السابقة، وما الذي أعيد تفسيره، وما الذي أصبح بحاجة إلى مراجعة. ولذلك ارتبط اهتمامه بالدولة بأسئلة السلطة والمجتمع والمواطنة، ثم انتقل إلى البحث في «التفكير بالدولة: السياسة والسياسة الشرعية في المجال الإسلامي»، وإلى الدعوة لإعادة بناء الدراسات الإسلامية. ولم يكن مشروعه الفردي منفصلًا عن صناعة المجال الذي يتحرك فيه؛ فقد شارك البروفيسور رضوان السيد الفضل شلق في إصدار «مجلة الاجتهاد» منذ عام 1988م، وظلت تصدر حتى عام 2004م. وكانت المجلة مساحة واسعة للنقاش في التراث والفقه والتاريخ والاستشراق والفكر السياسي، وجمعت بين التخصص والعناية بالشأن العربي والإسلامي والبحث في التجديد الإسلامي. وقد خصصت الرابطة المحمدية للعلماء في الرباط سنة 2013م ندوة علمية مهداة إليه، صدرت أعمالها في كتاب «الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: دراسات مهداة إلى المفكر رضوان السيد». وتضمن الكتاب عددًا من الدراسات المحكمة التي تناولت مشروعه من زوايا متعددة، من بينها دراسة محمد شهيد «ملامح المشروع الفكري لرضوان السيد من خلال مجلة الاجتهاد: الاستشراق نموذجًا»، في الصفحات 431–451، إلى جانب دراسات في جدلية التراث والحداثة، والتعدد والتسامح والاعتراف، والدين والدولة، ومنطلقات التجديد في فكره. وهنا تصبح «مجلة الاجتهاد» أكثر من محطة تحريرية في سيرته؛ إنها شاهد على مشروع كان يصنع فضاءً للحوار حول التراث والاستشراق والتجديد، بقدر ما كان يكتب فيه. ولذلك جاءت عنايته بالتراث مختلفة عن نزعتين متقابلتين: نزعة تريد تحويله إلى أجوبة نهائية، وأخرى تتعامل معه كعبء ينبغي التخلص منه. البروفيسور رضوان السيد يقرأ التراث بوصفه تاريخًا حيًا للأفكار والمؤسسات والمجتمعات؛ أي مادةً للفهم قبل أن يكون مادةً للاقتداء أو الرفض. ومن هنا تتصل عنده دراسة التراث بدراسة الحاضر: لا يمكن بناء تصور معاصر للدين والدولة والسياسة إذا لم نفهم كيف تكونت المفاهيم التي نستخدمها اليوم، وكيف انتقلت من سياقاتها الأولى إلى سياقات جديدة. ولعل شهادة معالي البروفيسور بشار عواد معروف العبيدي في حقه، حين أشار إلى تميز تكوينه الأزهري وصلته بالمنهج الألماني، تأتي هنا بوصفها شهادة على طبيعة هذا الجمع بين المدرستين، لا مجرد تزكية شخصية. لكن الشهادة الأوسع تأتي من المجال العلمي نفسه؛ فقد خصصت ندوة الرابطة المحمدية للعلماء سنة 2013م دراسات متعددة لتحليل مشروعه، لا للاحتفاء به فحسب، بل لمساءلة مكوناته وقضاياه ومناهجه. كما صدر عام 2011م عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر كتاب «الأمة والدولة والتاريخ والمصائر»، وهو مجموعة دراسات مهداة إلى مولانا البروفيسور رضوان السيد بمناسبة بلوغه الستين، وبلغ مجموع الكتاب 894 صفحة، منها 704 صفحات بالعربية و190 صفحة بالإنجليزية. ويكشف هذا العمل، بما جمعه من دراسات حول الأمة والدولة والتاريخ والمصائر، عن اتساع دائرة التفاعل العلمي مع مشروعه، وعن تحوله إلى موضوع للدرس والنقد والقراءة من باحثين ومفكرين آخرين. ثم جاءت جائزة النيل للمبدعين العرب عام 2021م لتضيف شهادة مؤسسية أخرى إلى مسيرته الطويلة في الدراسات الإسلامية والعربية. وهكذا تتعدد وجوه الشهادة لمشروعه: شهادة العالم، وشهادة البحث العلمي، وشهادة المؤسسات العلمية والثقافية. ومع ذلك، فإن قيمة البروفيسور رضوان السيد لا تختصرها الجوائز ولا كثرة الكتب، وإنما تكمن في قدرته على وصل دوائر معرفية ظلت طويلًا متباعدة: الأزهر والجامعة الألمانية، التراث والدراسات الحديثة، الفقه والتاريخ، الفكر السياسي والدولة، الاستشراق وإعادة بناء الدراسات الإسلامية. ولهذا فإن أثره الأعمق قد لا يكون في جواب قدمه عن سؤال بعينه، بل في الطريقة التي جعل بها السؤال نفسه أكثر دقة. في زمن تزداد فيه الحاجة إلى قراءة التراث بعيدًا عن التقديس الجامد والقطيعة المتعجلة، تبدو تجربة البروفيسور رضوان السيد تذكيرًا بأن الوفاء للتراث لا يعني تجميده أو استدعاءه خارج سياقه، وأن الانفتاح على المناهج الحديثة لا يعني فقدان الصلة بالمصادر. بين هذين الحدين تشكل مشروعه؛ مشروع عالم يرى أن الفكر لا يعيش خارج التاريخ، وأن المفاهيم لا تُفهم إلا إذا عُرفت أزمنتها ومساراتها وتحولاتها. ولذلك يبقى السؤال الذي يتركه لنا، أكثر من أي عنوان أو كتاب: متى قيل هذا؟ ولماذا قيل؟ وكيف تغير معناه حين تغير العالم؟