الموسيقَى صانعة الحضارة.

إن حضارات الشعوب هي نتاج التطور العلمي والثقافي والفكري للتاريخ الإنساني في كل نواحي الحياة، بالإضافة إلى الكثير من الإنجازات والإبداعات، سواء كانت تلك الإبداعات في المجال المعماري، أو الموسيقي، أو الفن التشكيلي، أو الأدبي، أو الرياضي، أو العلمي، والتي انعكست بدورها على أنماط العيش لكل المجتمعات الإنسانية، وساهمت بشكل كبير في تشكيل وجدانها وتفكيرها ومنظومة سلوكياتها. فالموسيقى لا تزال تشكل أحد المحددات الثقافية التي يشترك فيها جميع البشر بغض النظر عن الاختلافات العقائدية والثقافية المتعددة. وعلى الرغم من التغير الذي يطرأ على الموسيقى بتغير العصور، فإن أساسياتها وقواعدها العامة ما تزال هي نفسها التي ابتدعها الإنسان قبل آلاف السنين، وما الاختلاف الظاهر سوى انعكاس للواقع الثقافي الذي يتم معايشته في كافة العصور. وإن كنا في بلدنا (المملكة العربية السعودية) المترامية الأطراف لم يسجل لنا التاريخ من الحضارات سوى الحضارة الإسلامية، التي سطع نورها على كل بقاع العالم، والتي لا يزال وهجها يشع ويبهر الباحثين وعلماء الأنثروبولوجيا الغربيين، وهي الحضارة التي قام الإنسان العربي بإهمالها في حين تلقفها الغرب ليتخذ من لبناتها الأسس التي بنى عليها حضارته العظيمة، والتي أوصلته إلى غزو الفضاء؛ فقد كانت هناك عوامل مختلفة ثقافية واجتماعية ودينية ولربما سياسية أيضاً ساهمت في تأخرنا في اللحاق بركب الدول التي سبقتنا في مجالات العلوم المختلفة ومن ضمنها العلوم الموسيقية. لقد كان للمسلمين في زمن ما حضارة صنعها الإنسان ثم قام بنفسه بهدمها وتدميرها. ذلك أن الظروف والمتغيرات التاريخية أفرزت تيارات متباينة تم تأسيسها على قاعدة دينية متشددة نشأ عنها عصبيات ومذهبيات انشغلت بخلافاتها وانصرفت عن إكمال المسيرة الحضارية التي أسسها في زمن الدولتين الأموية والعباسية. لذلك بدأ الوهن يدب في أوصالها، وانشغل الحكام بتثبيت كراسيهم، وأصبحت المؤامرات والدسائس من أسس الحكم، حتى جاء المغول ليقوضوا البناء الحضاري ويمحوا كل آثاره. ولم يتبق من ذلك الإرث إلا بضع مخطوطات استطاع الغرب أن يصل إليها ويحتفظ بها لتكون شاهداً على تلك الحضارة العتيدة. ولحسن حظنا إن الموسيقى كان لها نصيب في تلك المخطوطات التي عرفنا من خلالها ما كان للموسيقى من دور في بناء الحضارة الإسلامية، شأنها في ذلك شأن الطب والكيمياء والفيزياء والهندسة والفلسفة وغيرها من العلوم الإنسانية التي نبغ العلماء المسلمون فيها، والتي أصبحت النبراس الذي اهتدى من خلاله الغرب للخروج من عصوره المظلمة إلى بناء نهضة حضارية أصبح العالم العربي والإسلامي ينهل منها فيما بعد. وإذا ما رجعنا إلى تلك المخطوطات التي دون أغلبها في العصر العباسي فسوف نجد أن الموسيقى مرتبطة بعلمائها ومبدعيها ابتداء من الكندي فالفرابي ثم ابن سينا وابن جامع وإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق ثم زرياب. فقد كان للعرب دور بارز في دراسة وتحليل وتطوير السلم الموسيقي الذي وضع قواعده الفيلسوف وعالم الرياضيات الإغريقي (فيثاغورس)، ثم جاء “الكندي” ليقومه ويعدله حتى وصل إلينا بالصورة التي اعتمدها الفيلسوف العربي “الكندي”. إذاً، فالشواهد على الحضارة الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي هي تلك الإبداعات في مجالات العلوم المختلفة كالموسيقى والرياضيات والطب، ومن بين هذه العلوم كانت الموسيقى الأشد تأثيراً على ثقافات كل الشعوب باختلاف أجناسها وبيئاتها وجغرافيتها ولغاتها، كون الموسيقى هي اللغة التي تفهمها جميع الكائنات في هذا الكون. فهي حقاً لغة كونية وصانعة الحضارات، حيث تميزت عن باقي اللغات بأنها اللغة الوحيدة التي تخاطب جميع الأجناس والشعوب بلسان واحد وإن اختلفت لهجاتها، فهي كأي لغة عالمية تتكون من حروف ومن كلمات وجمل، بل إن لها بحوراً وموازين كما في الشعر تماماً. وأيضاً في عصر النهضة، نجد أن الموسيقى قد حظيت باهتمام بالغ بسبب اهتمام أوروبا في ذلك الوقت بإحياء المثل اليونانية القديمة. وفي القرن الثامن عشر والتاسع عشر، عمل كثير من المفكرين والمربين على دفع الحياة الإنسانية إلى آفاق أسمى وأفضل. وكان جان جاك روسو من أوائل المربين الذين اهتموا بالبحث في أنواع الموسيقى المناسبة للتربية في المراحل المختلفة وإتاحة الفرصة لكل طفل أن يمارس التعبير الذاتي بالأصوات الموسيقية وباستخدام أنواع معينة من الغناء الشعبي لما فيه من أصالة، كما أشار إلى تبسيط طرق التعليم حتى يستفيد النشء ويتقنه وتنمو ملكاته الفنية. كما أن الموسيقى تعتبر أول علم عرفه الإنسان وأدخله في لغة التخاطب قبل أن تتطور اللغات على ما هي عليه الآن، وطوره وأبدع في وضع القوانين العلمية له ليصبح فناً من أرقى الفنون التي عرفتها البشرية، حيث إنه يلامس الإحساس فيؤثر ويتأثر بمشاعر الكائنات الحية بدءاً من الإنسان فالحيوان ثم النبات، وذلك ما أثبتته الأبحاث العلمية وأكدته التجارب. فالموسيقى تعتبر اللغة الوحيدة في هذا الكون التي لا تحتاج إلى ترجمة، فكل الشعوب بمختلف أجناسهم ولغاتهم وثقافاتهم يفهمونها، بل إن كل الكائنات الحية من حيوان ونبات تفهمها. إن الكون كله يسبح في أنغام الموسيقى التي تصدح بها البلابل على الأغصان، وتترنم بها النسايم بأعذب الألحان في كل مكان، وتهدر بها موجات البحار والأنهار وتهمس بها أوراق الأشجار... وأنه ما من شيء في هذا الكون إلا وله من النغم نصيب. وقد أثبتت تجارب العلماء ذلك. أما مدلول الموسيقى اصطلاحاً فهي لغة عالمية وعلم رياضي صرف قائم على أسس وقوانين فيزيائية وحسابية وهندسية، لكونها مبنية على علم وقواعد الرياضيات. فهي ترتيب وتعاقب الأصوات المختلفة في الدرجة - المتلائمة المتناسبة بحيث يتركب منها ألحان تستسيغها الأذن مبنية على موازين موسيقية مختلفة تمنحها طراوة وعذوبة. ومن الخطأ تعريف الموسيقى بأنها فن، إذ إن الفن هو في درجة إتقانها والبراعة في استعمالها. فعندما نقول إنها علم رياضي فذلك لأنها تدخل في علم الصوت، وهي مجموعة أصوات يتم مؤالفتها... وكما هو معروف أن الصوت يحدث نتيجة ذبذبة الهواء، فكلما زادت سرعة تردد الذبذبات في الثانية زادت حدة الصوت. وتتراوح سرعة ذبذبات الصوت المسموع من 20 ذبذبة في الثانية إلى 20 ألف ذبذبة في الثانية. أما ما فوق ذلك فلا يمكن للأذن البشرية أن تسمعه. فالموجات الصوتية التي تزيد ذبذبتها عن 20 ألف ذبذبة في الثانية تسمى (الموجات فوق الصوتية - ULTRA SONIC WAVES). فالصوت يعمل على اهتزاز الهواء فيحدث موجات تترجمها الأذن، أو موجات تحسها الأطراف، فيهتز الجسم تجاوباً، كما كان يحدث بالنسبة لبيتهوفن بعد أن فقد سمعه. بينما كلمة فن تعني الإبداع والابتكار وتجميل للواقع القائم، وهذا يحتاج إلى مخيلة رقيقة ونشطة. وهي ليست حصراً على الموسيقى والغناء أو المسرح.. بل هي تشمل كافة إبداعات الإنسان، فنقول فلان فنان في صنع الأثاث، أو فنان في بعض الألعاب، أو فنان في السياقة... وهناك فن التحدث، وفن الطهو، وفن الخطابة، وفن السياسة... وبذا يصبح فنان كل من يبدع في أي صنعة أو مهنة بما في ذلك الإبداع في العزف على الآلات الموسيقية أو الغناء أو الرقص، إلخ... وعليه، فالموسيقى في حد ذاتها ليست فناً بل علم رياضي صرف، ولكن مستوى الإجادة والبراعة في أدائها يعتبر فناً. والإبداع في وضع الألحان يعتبر فناً، وإجادة الغناء فناً. فالفن هنا يعكس درجة الإبداع في تحويل هذا العلم الرياضي إلى متعة سمعية ضمن الضوابط والقواعد العلمية. ومع التطور التاريخي أصبحت الموسيقى مقياساً لمعرفة ثقافات وحضارات الشعوب. إذ لا يوجد شعب على هذا الكوكب لا يتعاطى الموسيقى باختلاف أجناسها وألوانها وآلاتها. والآلات ربما تكون هوائية أو وترية أو إيقاعية، إلخ. والمملكة العربية السعودية تعتبر من أغنى شعوب العالم من حيث التنوع الثقافي والموسيقي نظراً لتنوع تركيباتها السكانية واختلاف عاداتها وتقاليدها. فهي بلد مترام الأطراف ذو بيئات طبيعية مختلفة، منها الساحلية والجبلية والصحراوية والزراعية. كما أن ثقافاتها تأثرت بثقافات الشعوب المجاورة كدول أفريقيا في الغرب والشام والعراق في الشمال والهند وفارس في الشرق. لذا فسوف نجد اختلافات كثيرة وكبيرة بين موسيقى هذه البيئات المختلفة في المملكة. *كاتب وباحث ومؤلف موسيقي.