حراس البيئة.. أمن الحياة.

ليست البيئة ترفًا أخضر، ولا مشهدًا جماليًا يكتمل به المكان، ولا قضية موسمية نستدعيها في أيام التشجير والمناسبات العالمية ثم نطوي صفحتها. البيئة هي المكان الذي تبدأ منه الحياة، والحاضنة التي تتشابك فيها مصائر الإنسان والحيوان والطير والأسماك والنبات والكائنات الفطرية، حتى ليصعب أن ننتزع خيطًا واحدًا من هذا النسيج من دون أن نهتز جميعًا. فالإنسان يتنفس من هوائها، ويشرب من مائها، ويأكل مما تنبته تربتها وما يعيش في بحارها ومراعيها. والحيوان يجد في غطائها النباتي غذاءه وموطنه، والطير يجد في أشجارها وواحاتها وممراتها فضاء الهجرة والتكاثر، والأسماك والكائنات البحرية لا تستقيم حياتها إلا ببحر لم تفسده الملوثات، فيما تعمل النباتات والكائنات الفطرية، المرئية منها والمجهرية، في صمت على حفظ التربة وتجديد خصوبتها واستمرار دورات الحياة. حين يُقطع غصن بلا حاجة، أو تُقتلع شجرة معمرة، أو يُصاد طائر في موسم تكاثره، أو يُقتل كائن فطري مهدد، أو تُجرف تربة، أو تُستنزف مراعي، أو تُرمى ملوثات في البر والبحر، فإن الضرر لا يتوقف عند الشجرة أو الطائر أو البقعة التي امتدت إليها يد العبث. إنه يمتد عبر سلسلة مترابطة، قد لا نرى حلقاتها كلها، لكننا سنرى نتائجها ذات يوم في التصحر، وشح الموارد، واختفاء الأنواع، واضطراب التوازن الطبيعي، وتراجع جودة الحياة. ولهذا لم تعد حماية البيئة في الدول الحديثة مجرد نشاط تطوعي، بل أصبحت جزءً من مفهوم الأمن الوطني الشامل. أدركت المملكة العربية السعودية مبكرًا حجم التحديات التي تواجه بيئتها، ولا سيما في بلد شاسع المساحة، تتنوع تضاريسه وبيئاته بين الصحاري والجبال والغابات والمراعي والسواحل والجزر، وتعيش فيه أنواع متعددة من الكائنات الفطرية، وتعبر أجواءه ومساراته أسراب الطيور المهاجرة. ومع رؤية السعودية 2030 اكتسبت حماية البيئة بعدًا أكثر شمولًا، يرتبط بجودة الحياة والتنمية المستدامة والمحافظة على الموارد وحقوق الأجيال القادمة. ومن أبرز التعبيرات المؤسسية عن هذا التحول إنشاء “القوات الخاصة للأمن البيئي” لتصبح البيئة مجالًا له قوة أمنية متخصصة تحرس أنظمته وتلاحق المعتدين عليه. وقد تأسست القوات الخاصة للأمن البيئي عام 2018، وبدأت تنفيذ مهامها عام 2020 قطاعًا أمنيًا تابعًا لوزارة الداخلية، وأسندت إليها مسؤوليات شاملة لإنفاذ الأنظمة البيئية بالتنسيق مع الجهات البيئية والأمنية ذات العلاقة. وجاء إنشاؤها بأمر سامٍ، في إطار اهتمام القيادة بحماية البيئة وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، وتحظى القوات بدعم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ومتابعة سمو وزير الداخلية الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف. ولعل الأرقام التي سبقت تأسيس القوات تفسر لماذا أصبح وجودها ضرورة لا ترفًا. فقد كشفت دراسات عُرضت عند الحديث عن أسباب إنشائها أن التكلفة السنوية للهدر البيئي في المملكة قدرت آنذاك بنحو (86) مليار ريال، وأن الرعي الجائر أسهم في تدهور مساحات واسعة من الغطاء النباتي، إلى جانب الضغوط الناتجة عن الصيد والاحتطاب وغيرهما من الممارسات المضرة بالبيئة. وهنا تتضح الفكرة التي يقوم عليها الأمن البيئي: إن الاعتداء على البيئة ليس اعتداءً على شجرة أو حيوان أو تربة فحسب، وإنما اعتداء على مورد وطني. ما يميز القوات الخاصة للأمن البيئي أن نطاق مسؤوليتها لا ينحصر في المحميات كما قد يتبادر إلى الذهن. فاستراتيجيتها تستهدف المحميات الملكية والطبيعية، والغابات والمراعي والمتنزهات، والمناطق المهمة للطيور، والمناطق الساحلية، فضلًا عن المناطق الحضرية والضواحي. أي أننا أمام مفهوم جديد نسبيًا للعمل الأمني: رجل الأمن هنا لا يحرس إنسانًا أو منشأة فقط، إنه يحرس شجرة من فأس، وطائرًا من بندقية، وتربة من جرافة، وروضة من مركبة، ومرعى من الاستنزاف، ومحمية من عابث. وتشمل مهام القوات المراقبة والتحري الأمني البيئي، والضبط وتحرير المخالفات، والقبض والإيقاف، والإحالة إلى الجهات المختصة، وتلقي الشكاوى ومتابعتها، والمساندة والدعم الأمني، والمشاركة في حالات الطوارئ والتوعية البيئية. وقد توسع انتشارها حتى بلغ، وفق بيانات رسمية منشورة عام 2024، (52) مقرًا ومركزًا موزعة على ست مناطق وسبع محميات ملكية ومحميتين طبيعيتين ومتنزه. واللافت أن هذه القوة تجمع بين الردع والتوعية؛ فالمقصود ليس ضبط المخالف بعد أن يعتدي على البيئة فقط، وإنما بناء ثقافة تجعل المجتمع نفسه شريكًا في منع الاعتداء قبل وقوعه. الأرقام هنا أكثر قدرة من الكلمات على إظهار حجم المهمة. ففي حصيلة رسمية منشورة في سبتمبر 2021، أي في مرحلة مبكرة نسبيًا من عمر القوات، تجاوز عدد المخالفات البيئية التي ضبطتها القوات (3725) مخالفة. ولنتوقف قليلًا أمام الاحتطاب الجائر. فالحطب في هذه الحالة ليس مجرد أخشاب ضُبطت في مركبات أو مستودعات. فوراء كل كمية منه شجرة أو شجيرات احتاجت سنوات طويلة لتنمو في بيئة صحراوية شحيحة المياه، وربما كانت مأوى لطائر، أو حيوان فطري، أو غذاء لحيوان، أو حاجزًا أمام زحف الرمال. وحين تمنع القوات قطعها أو بيعها أو نقلها، فإنها لا تحمي قطعة خشب، بل تحمي دورة حياة كاملة. والأمر نفسه مع الصيد المخالف. كل هذا يجعلنا ندرك أن حماية الحياة الفطرية لا يمكن أن تعتمد على الوعي وحده، وإنما تحتاج كذلك إلى قوة النظام والردع. لا تزال الدوريات الميدانية للقوات الخاصة للأمن البيئي تواصل عملها. ففي عام 2026 وحده نشرت وكالة الأنباء السعودية أخبارًا عن ضبط معدات لتجريف ونقل التربة واستغلال الرواسب في مناطق مختلفة، من بينها الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة، وكذلك داخل محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية. وهكذا لا تعود كلمة “الأمن البيئي” شعارًا يتردد، بل دورية تتحرك، ومخالفة تُرصد، ومعدات تُضبط، وكائن يُحمى، وشجرة تنجو، وتربة لا تُجرف. الأمن البيئي، بحكم اتساع الجغرافيا السعودية وصعوبة بعض تضاريسها، لا يمكن أن يعتمد على العنصر البشري وحده. ولهذا دخلت التقنية بقوة في منظومة عمل “القوات الخاصة للأمن البيئي” لتشمل طائرات الدرون والكاميرات الحرارية المستخدمة لمساندة الدوريات الميدانية. وهذه الأدوات تغير طبيعة الرقابة البيئية، فمساحات شاسعة من الصحراء والجبل والغابة والمحمية يمكن متابعتها بكفاءة أعلى، والوصول إلى المواقع البعيدة، ورصد بعض الممارسات التي كان من السهل أن تجري بعيدًا عن الأنظار. إننا، بهذا المعنى، أمام انتقال من مفهوم “حارس المحمية” التقليدي إلى منظومة أمن بيئي متخصص، تجمع رجل الأمن والنظام والتقنية والمعرفة البيئية في مهمة واحدة. مع كل هذا وذاك، ومهما بلغ عدد الدوريات والطائرات والكاميرات، تظل مساحة المملكة أكبر من أن يقف عند كل شجرة رجل أمن. ولهذا فإن المعادلة لا تكتمل إلا بالمواطن والمقيم. وقد جعلت “القوات الخاصة للأمن البيئي” المجتمع شريكًا في حماية البيئة، ودأبت في بياناتها على دعوة الجميع إلى الإبلاغ عن الاعتداءات على البيئة والحياة الفطرية. وهي اليوم تستقبل البلاغات على الرقم (911) في مناطق مكة المكرمة والمدينة المنورة والرياض والمنطقة الشرقية، وعلى الرقمين (999) و (996) في بقية مناطق المملكة، مع التأكيد على التعامل مع البلاغات بسرية تامة دون أدنى مسؤولية على المُبَلِّغ. وهذه الشراكة هي التي تنقل الأمن البيئي من اختصاص جهاز حكومي إلى ضمير مجتمع. فالقوات تستطيع أن تضبط المُحْتَطِب، لكنها لا تستطيع أن تزرع في قلب كل إنسان احترام الشجرة. وتستطيع أن تصادر بندقية الصياد المخالف، لكنها تحتاج إلى وعي يجعل الطائر الحي المغرد في السماء أثمن في عينه من طائر صريع بين يديه. وتستطيع أن تحمي المحمية بالسياج والدورية والكاميرا، لكن الحماية الأكثر استدامة هي أن يشعر الإنسان أن هذه الأرض ملك له ولأبنائه ولأحفاده من بعده. ومن هنا يلتقي الأمن بالضمير. إن تجربة القوات الخاصة للأمن البيئي تستحق أن تُقرأ باعتبارها تحولًا في مفهوم الأمن ذاته. فالأمن لم يعد حماية الإنسان من الإنسان فحسب، وإنما أصبح حماية الإنسان من النتائج البعيدة لسلوكه تجاه الطبيعة. فرجل الأمن البيئي حين يمنع قطع شجرة لا يحرس الشجرة وحدها، وحين يوقف صيد طائر لا يحرس الطائر وحده، وحين يمنع تجريف التربة لا يحرس حفنة من التراب. إنه يحرس نسيج الحياة. وقد تبدو الشجرة صامتة، والطائر ضعيفًا، والتربة جامدة، والمحمية بعيدة عن المدن، لكنها جميعًا أجزاء من منظومة واحدة إذا اختل بعضها وصل أثر الخلل إلى الإنسان نفسه. ولهذا فإن أعظم نجاح يمكن أن تحققه القوات الخاصة للأمن البيئي لن يكون في ارتفاع عدد المخالفات التي تضبطها، بل في اليوم الذي تبدأ فيه هذه الأرقام بالانخفاض، لا لعجز عن الضبط، وإنما لأن الوعي أصبح أقوى من المخالفة، والضمير أسبق من العقوبة. عندها سنكون قد وصلنا إلى المعنى الحقيقي للأمن البيئي: أن نحرس الطبيعة بالنظام حين يلزم النظام، وبالوعي قبل أن نحتاج إليه. فنحن، مهما تعددت المدن والحدود والأوطان، لا نملك في نهاية المطاف سوى أرض واحدة، وحين نحمي بيئتها فإننا لا نصنع معروفًا للطبيعة، بل نحمي البيت الوحيد الذي منحنا الحياة.