صفحات من تاريخ نجد خلال القرنين الـ 13 والـ 14 الهجريين..

رحالة انجليزي يشبّه حياة أهل عنيزة بالإيطاليين في القرون الوسطى.

كتاب جمع فيه المؤرخ د. عبدالعزيز بن صالح الشبل مجموعة مقالات له سبق نشرها، وإضافة إلى المقالات التي شغلت معظم الكتاب عن تاريخ نجد، فقد خصص الفصل الأول للتأملات في فلسفة التاريخ، كما ترجم لبعض من أعيان القصيم رجالاً ونساءً، وخص معركة المليدا بمقال، كما أفرد مقالاً لدخول القصيم مع باقي أنحاء نجد في حكم الملك عبدالعزيز الذي وحد ما تفرق من أقاليم الجزيرة العربية. معظم الكتاب كان عن التاريخ الاجتماعي والحضاري لنجد، أو بالأحرى للقصيم وخاصة مدينة عنيزة، وهذا اختيار واع، فالمؤلف ابن عنيزة التي استأثرت بالكثير من إعجاب الرحالة الذين مروا بالمنطقة، أما لماذا اعتمد في تأريخه على الرحالة؟، لأن التاريخ السياسي قد استأثر باهتمام معظم المؤرخين، أما الرحالة فقد كان اهتمامهم بأشكال الحياة أوسع من الدائرة السياسية. ولذا راجع الكاتب ما كتبه تسعة من الرحالة، وما كتبه سليمان فيضي باشا، وهو أحد رواد النهضة العربية، الذي زار القصيم وحائل في سعيه لمقابلة حاكم حائل، طالباً منه أن يتوسط لدى السلطان عبد الحميد ليعفيه من عقوبة التجنيد في الجيش العثماني. أول رحالة قطع الجزيرة العربية من الشرق إلى الغرب هو الكابتن البريطاني جورج فوستر سادلير، وجاء ممثلاً للحكومة البريطانية في الهند، ليقابل إبراهيم باشا، الذي قاد حملة تركية من مصر للقضاء على الدولة السعودية الأولى، وكان شاهداً على الدمار الذي ألحقته الحملة بالبلاد والوحشية التي تعاملوا بها مع الناس، وقد فصل في وصف أجزاء الجزيرة. وقد سبق تقديم عرض عنه في اليمامة https://www.alyamamahonline.com/810 ، في عام ١٨٦٤ قام الإيطالي كارلو جوماني برحلة كتب عنها (شمال نجد: رحلة من القدس إلى عنيزة في القصيم). الرجل إيطالي ينتمي إلى أسرة هاجرت إلى بيروت عندما كان في العشرين من العمر، وقد عمل في مكتب البريد الفرنسي في القدس، وهناك تعرف على طباع البدو العرب، وأصبح لديه اهتمام بالخيول العربية، ولذا فقد وكلته الحكومتان الإيطالية والفرنسية في شراء خيول أصيلة من الذكور غير المخصية بقصد الاستيلاد، قادته رحلته من القدس إلى البتراء ثم إلى الجوف، وكان في حماية قبيلة الرولة من عنزة، واضطر أحياناً إلى دفع عمولات، تسمى باسم خليل أغا، وأظهر الإسلام، وادعى أنه مسؤول خيول فؤاد باشا والي دمشق، مر بمدينة تيماء وخيبر ثم قصد مضارب قبيلة عتيبة حيث مراعي الخيول الأصيلة، وحضر حرباً بين قبائل عتيبة وجيش الإمام عبدالله بن فيصل، وصف الحرب تفصيلاً، ومن الغنائم التي أحرزتها عتيبة أهدوه خيلاً أصيلة، كان تواقاً للوصول إلى عنيزة لما سمعه عن نشاط سوقها، وفي الطريق أسره رجال ابن سعود وعاملوه على أنه جاسوس تركي، وأرسلوه إلى عنيزة ليتم احتجازه هناك، ولكن أميرها زامل السليم أحسن إليه، وأرسله إلى بريدة ومن ثم إلى حائل، وصف سوق عنيزة التي تمتاز بجودة خيولها التي توردها قبائل قحطان، وقد علم أن تصدير الخيول عن طريق البحر قد مُنع لظروف الحرب الأهلية، مما سيؤدي إلى خسارة كبيرة لبائعي الخيول، وعاد إلى دمشق عن طريق حائل ومعه عدد من الخيول. ما بين عامي ١٨٧٦- ١٨٧٨م كانت رحلة تشارلز داوتي، يمثل داوتي نموذجاً لرحالة العصر الفيكتوري في بريطانيا الذين يحملون روح إنجلترا الاستعمارية التي تخترق جهات العالم، ينتمي إلى أسرة أرستقراطية، تعرضت لكارثة مالية، كان طموحه خدمة بريطانيا العظمى، لم يفلح في الفحص الطبي ليتأهل للعمل في البحرية الملكية، تحول إلى دراسة اللغات السامية إلى جانب لغة شكسبير، حملته طموحاته إلى مصر، ثم الأردن والشام، سمع بالآثار والنقوش الثمودية فعزم على الذهاب إلى الجزيرة العربية، بقي في دمشق فترة يتعرف على الثقافة العربية، لم تساعده القنصلية الإنجليزية كما توقع، حصل على إذن بمرافقة قافلة الحج الشامي إلى مدائن صالح فقط، حضر نفسه ليستخدم خبراته في التطبيب سعياً وراء تمويل نفسه. كان قد رافق طبيباً في فيينا، وكذلك رافق طبيب حملة الحج الشامي ليتعلم منه، حمل مجموعات من الأدوية والأعشاب الطبية، لم يجد قبولاً في خيبر، انتقل من تيماء إلى حائل، راغباً في العودة إلى العراق، لكن حاكم حائل الموالي للعثمانيين تشكك فيه، كونه إنجليزياً نصرانياً، غير خط سيره، يريد عنيزة حيث مركز طرق وسط الجزيرة، من حائل إلى بريدة، لم يجد ترحيباً، انتقل إلى عنيزة، أميرها زامل السليم كان متسامحاً مضيافاً، طلب منه أن يقول إنه هارب من الجيش العثماني، وأرشد أحد مرافقيه ليجد له دكاناً يطبب فيه المرضى، وتصادف وجوده مع موجة من موجات الجدري جاءت بعد سبع سنين من موجة سابقة، انتقلت مع أطفال من الرقيق اشتراهم حجاج قادمون من مكة. كان الجدري سبباً للعمى، يتذكر الأهالي أن أحدهم جاء بلقاح قبل ثلاثين عاماً، تسببت هذه الموجة في وفاة ثلاثين شخصاً. لاحظ داوتي أن الجدري لم ينتقل عبر وادي الرمة من عنيزة إلى بريدة. راجعه كثير من المرضى، ودعاه البعض لمعاينة أمهاتهم في البيوت، أصبح له أعداء كارهين للنصارى، خاصة مع أجواء الحرب العثمانية الروسية، إضافة لتعجرف داوتي ونظرته الاستعلائية، كما أصبح له أصدقاء، وجد منهم من اطلع على ثقافة عصره وخاصة من خلال سفرياتهم إلى العراق والشام والحج، كثيراً ما دُعي إلى الوجبات الثلاث، ومجالس القهوة، وصف طعام أهل عنيزة ومجالس قهوتهم، وملابس أغنيائهم، وحال فقرائهم. ومبانيهم وأسواقهم ونمط حياتهم وأيامهم، البيوت أنيقة، حسنة التأثيث، بعضها فيها جنائن يقضون فيها أوقاتهم، وصف الحرب التي وقعت بينهم وبين قبائل قحطان تفصيلياً. للكاتب قصة طريفة في البحث عن تراث داوتي بين كاليفورنيا وكامبريدج، حصل على أكثر من طبعة، وراجع وثائقه الأساسية المحفوظة في كامبريدج، والكتب التي كُتبت عنه، صدرت أول طبعة لكُتبه في كامبريدج، بعد رفضها من قبل ناشرين، لصعوبة لغتها الشكسبيرية وطولها، إذ ربت على ألف صفحة، لكن اهتمام رجال السياسة البريطانيين واتخاذها لهم دليلاً ساهم في إعادة طباعتها، اعتبرها لورنس العرب إنجيلاً للمهتمين بالبلاد العربية، وكذلك هوجارت أحد أركان المكتب الاستعماري البريطاني في القاهرة. استعاد ذكرياته الرحالة الذين تبعوه مثل أمين الريحاني وعبدالله فيلبي. وخاصة في مقابلاتهم مع معاصريه وأبنائهم. ارتحل الرجل مع الحجاج النجديين إلى الطائف ثم جدة ومنها إلى مومباي بعد أن تفاقم النفور منه. وجاء دور روسيا لترسل رحالة لاستطلاع أحوال العالم العربي، عام ١٨٨٣م جاء البارون إدوارد نولده مصحوباً بفريق، وبإذن من السلطان العثماني، قابل الأمير محمد بن عبدالله الرشيد أمير حائل بعد انتصاره في معركة المليدا، مكث في معسكر ابن الرشيد جنوب نجد عشرة أيام ثم انتقل ليزور عنيزة التي وصفها بالمدينة الأكثر سكاناً في نجد، قام أميرها بمرافقته في زيارة لبعض الأجزاء الهامة في عنيزة بما في ذلك السوق المكتظ بالبضائع. وصف نولده سور عنيزة: يحيط بها سور داخلي وسور خارجي بينهما حزام من البساتين والمزارع بعرض اثنين إلى ثلاثة كيلومترات، والسور نفسه مكون من جدار مزدوج من الطين بينهما فراغ باتساع عشرة أمتار مملوءة بالتراب. كلا السورين بهما أبراج للمراقبة. ويليام شكسبير الوكيل السياسي البريطاني في الخليج حضر من الكويت إلى الرياض عبر صحراء الدهناء عام ١٩١٤ بدعوة من الملك عبدالعزيز، ثم غادر ماراً بعنيزة، ذكر أنه قابل فيها اثنين يتحدثان الإنجليزية بطلاقة، أحدهما عمل سائق سيارة أجرة مدة ست سنوات في نيويورك ثم عاد إلى نجد، والآخر عمل سائساً للجمال في معرض شيكاغو، ومن المعروف عن أهالي القصيم اعتياد السفر طلباً للرزق. يذكر هاميلتون الذي زار القصيم عام ١٩١٧م: أن معظم سكان عنيزة قد سافروا على الأقل إلى الكويت أو البحرين والبصرة وكراتشي ومومباي، ومنهم من ذهب بعيداً ناحية الغرب وعرف دمشق وبيروت والقسطنطينية، ونقل عن أحد أهالي عنيزة أن حوالي أربعة آلاف رجل من القصيم قد شارك في الحرب ضد العثمانيين وكانوا يحصلون على راتب شهري من قادة جيش الشريف حسين. زار الرحالة الإنجليزي هاميلتون القصيم في طريقه للرياض خلال فترة توحيد المملكة، كان الوكيل السياسي البريطاني في الكويت، استضافه ابن جلوي أمير بريدة، قال إن بريدة أكبر مدن القصيم من حيث النواحي التابعة لها وعدد سكانها، ووصف طريقة حياة أهل عنيزة: تشبه حياة الإيطاليين في القرون الوسطى، أسواقها الأفضل في القصيم، أعجب بفن العمارة الرائع لبعض قصور أهل عنيزة، الحدائق مزروعة بعناية، وأسوارها مغطاة بالنباتات المتسلقة. ووصل إلى استنتاج أن عنيزة تشبه تقريباً جوهرية اقتُطعت بأيدي صناع مهرة بشكل لا يسمح بإعادة تشكيلها من جديد. زار جون (عبدالله) فيلبي عنيزة عام ١٩١٨م إثر سنة الرحمة، وتعرف على الكثيرين من أهلها، وصف احتفالاتهم بالأعياد وموائدهم، والسور الجديد، وجلسات القهوة والشاي والبخور، وتحدث عن مهنيين، منهم من بنى منارة الجامع الكبير، وآخر يمارس التطبيب، أما علي مرخان فكان شخصية مختلفة، فقد تعلم إصلاح الساعات في مكة وتعلم تفكيك وإصلاح أجهزة الفونوغراف والخياطة وغيرها في البصرة، كان بارعاً في إصلاح الأجهزة يؤمه الناس من كافة أنحاء القصيم. أحاديث الرحالة طويلة ومهمة، منهم أيضاً من جاء للتبشير بالمسيحية حاملاً سماعة الطبيب وأدويته، وعلى الأغلب فإنه لا زال في مكتبات الغرب عن بلادنا ما لم نصل إليه بعد، الكتاب الذي بين أيدينا يثير الاهتمام، ونظراً لأنه في الأصل مقالات نشرت في مواعيد مختلفة فقد شابه بعض التكرار، لكن ذلك لا ينقص قيمة الكتاب علمياً وأدبياً. لعل ما كتبه عن أعيان القصيم يضم سيراً أخرى في كتاب منفصل.