محمد بن سلمان يدافع عن الذين لم يولدوا.
هل يمنحنا سبق الميلاد حقاً أكبر في الوطن؟ نحن نقرر اليوم كيف تُنفق موارده، و ماذا يُبنى على أرضه، و أيّ معرفة يتعلّمها أبناؤه، لكن الذين سيعيشون نتائج قراراتنا لم يصلوا جميعاً، و بعضهم لن يصل إلا بعد رحيلنا، فبأيّ حق نعامل غيابهم كأنه تنازل عن حصتهم؟ و كيف نطمئن إلى عدالة قسمة لم يحضرها جميع أصحاب الحق؟ عرف عمر بن الخطاب هذا السؤال قبل أن تصوغه مصطلحات التنمية، فحين خشي أن يأتي آخر الناس فلا يجدوا شيئاً، بيّن سبب إبقاء الأراضي المفتوحة بقوله الذي رواه البخاري: «و لكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها»، لقد رأى في الثروة حقاً يتجاوز مَن حضر لحظة امتلاكها، و أدخل إلى حساب القرار أناساً لا يستطيعون مطالبته بشيء، و تلك منزلة في الحكم، أن تسمع حقّ مَن لم يُخلق له صوت بعد. في هذا الموقف أصلٌ أخلاقي عميق، فالحاضر مؤتمن على ما يستطيع استهلاكه، و قدرته على التصرّف لا تعني انفراده بالاستحقاق، و أخطر ما يفعله جيل أن يخلط بين وجود الثروة في يده و انتهاء حقوق الآخرين عندها، فقد نترك لأبنائنا أسماءنا و بيوتنا و صورنا، ثم نترك لهم وطناً أنهكنا قدرته على منحهم حياة مستقلة، و يكون ما حسبناه ميراثاً مجرد قائمة بما تعذّر علينا إصلاحه. من هنا أقرأ مشروع الأمير محمد بن سلمان، و أجد أن عبارته في افتتاحية الرؤية «من أجل أبنائكم و أجيالنا القادمة» تضع الغائب في صميم المسؤولية، فالوطن يمتد في الزمن، و الوفاء له يقتضي أن تتسع القرارات لمن سيأتون، و أن يصبح السؤال عن أثرها بعد عقود حاضراً لحظة اتخاذها، هذه هي المسافة التي يقطعها رجل الدولة حين يفكر في المستقبل قبل أن يصل إليه. و حين وصف محمد بن سلمان الاعتماد على النفط في مقابلته مع «العربية» عام ٢٠١٦ بقوله «أصبحت لدينا حالة إدمان نفطية»، فقد سمّى خطراً يستطيع الرخاء أن يحجبه، إذ قد يستمر الدخل بينما تتأخر القدرة على إنتاج بدائله، و قد يطمئن جيل إلى مورد اعتاده، ثم يترك للجيل التالي مهمة النجاة حين تتغير شروط السوق، عندئذ يتضح أن الراحة التي لم ندفع ثمنها كانت تُسجَّل على حساب أبنائنا. هنا يكتسب الدفاع عن الأجيال معناه السيادي، فمَن يرث اقتصاداً ضيق الخيارات، و معرفة لا يشارك في إنتاجها، يكون أكثر تعرضاً لشروط يضعها غيره، و تصبح مساحة قراره مرهونة بقدرته على الاستغناء و التفاوض و الابتكار، لذلك تبدأ حماية استقلال الأبناء قبل أن يتسلّموا مسؤولية وطنهم، تبدأ في المختبر و المصنع و المدرسة، حيث تُبنى القدرة التي تسند القرار السياسي و تمنحه حرية الحركة حين يشتدّ الضغط. على هذا الأساس تُقرأ وجهة صندوق الاستثمارات العامة تحت رئاسة ولي العهد، و ما تضمنته استراتيجيته للأعوام ٢٠٢١ إلى ٢٠٢٥ من إطلاق قطاعات جديدة و توطين التقنية و المعرفة، فدلالة الاستثمار هنا في تحويل جزء من ثروة الحاضر إلى أسباب قوة متجددة، و في أن يجد القادمون مصادر متعددة للعمل و الإنتاج، بحيث تكون لهم قدرة على مواجهة عالمهم، عوضاً عن وراثة اعتمادنا على الشروط التي صنعت رخاءنا. و تعود «الخزانة» التي ذكرها عمر بن الخطاب بمعنى أوسع، إذ يدخل فيها ما يتعلّمه الإنسان و يستطيع أن يبتكره، فالمال الذي يرثه جيل قليل المعرفة قد يخرج من يده لشراء ما يعجز عن صنعه، و لهذا يحمل برنامج تنمية القدرات البشرية، بما يشمله من إعداد لسوق العمل المستقبلي و تعلّم مدى الحياة، معنى يتجاوز التأهيل لوظيفة، إنه استثمار في قدرة الإنسان على تجديد مكانه كلما تغيّر العالم من حوله. و للأمانة وجه آخر في الأرض التي سنسلّمها للقادمين، فحين أعلن محمد بن سلمان استهداف الحياد الصفري للانبعاثات بحلول عام ٢٠٦٠، اتسع أفق الالتزام إلى أجيال لم تولد بعد، و صار للمستقبل البعيد موعد داخل قرار الحاضر، هنا نستطيع أن نقرأ حماية البيئة بوصفها إنصافاً بين مَن ينتفعون اليوم و مَن سيعيشون الأثر غداً، لأن تأجيل معالجة الضرر قد يمنحنا راحة مؤقتة، لكنه لا يمنح أبناءنا أرضاً أخرى. و لعلّ أصرح ما يكشف طريقة تفكيره سؤاله في المقابلة نفسها: «ما حجم المخاطرة لو ما سوينا شي؟»، فالتوقف أيضاً قرار، و الاطمئنان إلى المألوف لا يعفي من كلفة ما يفوت، غير أن هذه الكلفة تُخفى عن الحاضر لأنها تصل متأخرة إلى غيره، من هنا تُفهم شجاعته في البدء، فمَن ينتظر أن يصبح المستقبل مشكلة ظاهرة قد يكون قد أضاع السنوات التي كان يستطيع خلالها تغيير شروطه. هذه مسؤولية تفرض على المشروع نفسه صرامة مستمرة، فحقوق الأجيال تستلزم قياس النتائج و مراجعة الأولويات و تصحيح المسار، و كل مورد يُهدر الآن ينتقص من قدرتهم لاحقاً، كما أن عدالة الغد تبدأ بصون كرامة إنسان اليوم و تنمية قدرته، فالجيل الذي نُعدّه للبناء هو الذي سيحمل الأمانة إلى مَن بعده، و بهذا تصبح الرؤية التزاماً متجدداً بالأثر الذي تتركه في الناس و في قدرة وطنهم على الاستمرار. خط أخضر: قال عمر بن الخطاب: «خزانة لهم»، و في مشروع محمد بن سلمان تتسع الخزانة لتشمل قدرة الوطن على صناعة مستقبله، فحق الذين لم يولدوا أن يصلوا إلى الحياة و يجدوا وطناً يملكون فيه قرارهم، لا فاتورةً تنتظر أسماءهم.