على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب.
في شهر فبراير من عام 2003، سافر إلى “مصر” الشاعر الأستاذ “علي الدميني” رحمه الله، لحضور معرض القاهرة الدولي للكتاب، وقد شارك في كثيرٍ من فعاليات المعرض المُصاحبة؛ من ندوات أدبية، وأمسيات شعرية، وحوارات فكرية، والتقى بالعديد من المُثقّفين العرب، إضافة إلى كوكبة جميلة من أصدقائه الكُتّاب والأدباء السعوديين.. وقد دوّن يوميات رحلته تلك بين دِفّتي كتاب أسماه “أيام في القاهرة وليالٍ أُخرى”، احتوى الكتاب من ضمن ما احتواه على لقاءاته وقفشاته وحواراته الطريفة مع أصدقائه، والتي كشفت عن حِسّه الفُكاهي وروحه المرِحة.. وسُنشير إلى الأستاذ “الدميني” بالشاعر فيما بعد. لقد كانت شقّة الأستاذ “محمد القشعمي” -أبي يعرب- في “مصر الجديدة” مُنتدىً يلتقي فيها الكُتّاب والمُبدعون والناشرون من أنحاء الوطن العربي، فأطلق عليها الشاعر لقب “شقّة الحريّة”، تيمّناً برواية الدكتور “غازي القصيبي” رحمه الله. وفي هذا المُنتدى تعرّف الشاعر بشكلٍ أكثر اقتراباً من أحد رُموز الثقافة في بلادنا: الأستاذ “عبدالكريم الجهيمان” -أبو سُهيل- رحمه الله، ودُهش واستمتع بدفء ذكرياته الخصبة، وما تزخر به من نوادر الحكايات، وطرائفها الواقعية والتّراثية. وقد لاحظ الشاعر أن “أبا سُهيل” غالباً ما يُطلق لقب “متيح، مدوّر الطّلايب” على كلّ من يُخالفه الرأي، وحكاية “متيح” هذا: أنه رجلٌ فقير الحال واسع الحيلة، كان يعيش في إحدى القُرى في “نجد”، وكان يستخدم شطارته للحُصول على ما يسُدّ رمَقهُ، وقد وجد بعد عناءٍ طويل، أن أيسر السّبل لكسب لُقمة العيش يقع أمام باب المحكمة، فيجلس منذ الصباح، عارضاً خدماته كشاهدٍ في أيّ قضيّة، حتى بلغ به الأمر أن صار شاهداً مع المُدّعي والمُدّعَى عليه في قضيّة واحدة.. ولما تنبّه القاضي لأمره، منعهُ من الجُلوس أمام باب المحكمة، ولقبّه بهذا اللّقب! وحين بحث الشاعر يوماً عن تاكسي وأسرع إلى شقّة “أبي يعرب”، وجد الأصدقاء ينتظرونه، فكم هو مُمتعٌ ذلك المساء الذي تستمع فيه إلى أحاديث الذاكرة الشّابة والعنيفة “لأبي سُهيل”، وتُصغي فيه إلى الذكريات المُضيئة للأستاذ “فهد العريفي” رحمه الله، وتقفز طرباً مع ضحكات الأستاذ “محمد العلي” -أبي عادل- والآخرين حوله.. هؤلاء الأصدقاء يعرفهم الشاعر جيّداً هنا، ولكن لماذا يكونون بهذا الجمال والعُذوبة والظُّرف وروح الدُّعابة تحت سماء “القاهرة”!؟ وحول طاولة صغيرة في مقهى معرض الكتاب، كان هناك ثُلّة من المُثقّفين العرب، عرف أحدهم الشاعر فدعاه للجلوس معهم والحوار في شتّى المواضيع، ولم يكُن “أبو يعرب” بعيداً عما يدور في هذا الحوار، فدعا “الشاعر” للعشاء مساءً في شقّته ليكتمل عقد الأصدقاء، لكن الشاعر قال له مازحاً: “أتظُنّني أتيتُ إلى “القاهرة” لأملأ لياليها بك، وبالأصدقاء السعوديين، وبالكبسة”!؟ فكاد “أبو يعرب” أن يُطلق على الشاعر بعض تعبيراته المغسولة من وقارها، ولكنه تمالك نفسه أمام هذا الجمع الكبير، وقال ساخراً: “وأين ستملأ لياليك يا “متيح”، في الهرم أم على النيل”!؟ وبالرغم ممّا تُنبيء عنه لهجته أو حركته من غضبٍ شفيف، إلا أن الشاعر يعلم بأن “أبي يعرب” يُخبّيء بين جنبيه مشاعر نبيلة، لو سُكبتْ لغطّتْ العالَم. ففي الصباح جاءت ضحكة “أبي يعرب” السريعة تتقافز كالعصافير إلى مسامع الشاعر عبر الهاتف: “سيكون معنا الأستاذ “هاشم الجحدلي” على الغداء، وسيُجري حِواراً صحفيّاً مع “أبي سُهيل”، وأنت مدعوّ للغداء”.. وافقه الشاعر على الدعوة، وقال: “لك الله، لكمْ يتّسع قلبك يا “أبا عرب”! وقُبيل الثالثة عصرً، كان الشاعر يقرع جرس باب “شقّة الحُريّة”، وفتح المكان بهجته للأصدقاء، وهطلت أمطار الذاكرة الخُرافية من قلب “أبي سُهيل”؛ حكايات ومُفارقات وشِعر، وأحداثٌ تُسجّل جمرها على وجه النهار، وكان “هاشم” يُدوّن ذلك ويُشعله بحرارة الأسئلة. وحين انتهى الحِوار، رفع الأصدقاء سقف الغُرفة ووضعوا غُيومهم وعصافيرهم في الفراغ المُتلأليء، وجاء دور الشّعر: أدخل “أبو عادل” الأصدقاء كعادته في شدو الحُروف، وأنشد صوته حُزن العالَم الشجيّ وطُفولته. قال “أبو عادل” يوماً: مَن لم يزُر النيل لم يدخُل “مصر”، ومَن لم يتجوّل على صفحة مائه ما عرف رعشة الزّمن المُتفتّق من قلب “القاهرة”. إن من يعرف “أبي عادل” عن قُرب، يلمس فيه ذلك الصامت الجهم، الذي لا يخرج من حالته إلا إذا كان “الجو” مُلائماً.. ولكن هذا الصّموت، وهو يُطلّ على النيل من فوق الجسر، ينفجر ضاحكاً: “آه يا باه”، والشاعر يعرف أن الأستاذ لا يُطلقها إلا في قِمّة سعادته!