بلاغة الأخرس .
من الطريف أن تقرأ مسرحية بعنوان « الأخرس المتكلم» ، كتبها مارون عبود ، فتجد في مقدمتها حديثا عن الخطيب المفوّه ! . كتب مارون عبود صفات الخطيب وميزاته ، ورسم له خطواته ، ورتبها في نثر جميل ، كأنه يمسك بيد الخطيب قبل أن يصعد إلى المنبر ، فيعلّمه كيف يدخل ، وكيف يقف ، وكيف ينظر، وكيف يبدأ ، وكيف يشد انتباه سامعيه ، وكيف ينهي كلامه . أعجبتني هذه المقدمة ؛ لأنها لم تكن كلاما عن الخطابة بقدر ما كانت درساً في صناعة الخطيب . جمعت من الصفات والملامح ما يحتاجه من يريد أن يقف أمام الناس ويتحدث ، حتى ليخيّل إليك أن وراء كل خطيب مفوّه صناعة دقيقة ، وخطوات محسوبة ، وحضورا لا تصنعه الكلمات وحدها . وقد يكون الأخرس في المسرحية يؤدي دورا آخر ، وله في سياقها حكايته وموقعه ، لكن العنوان يفتح بابا آخر للتأمل ؛ فليس كل من يتكلم بليغا ، وليس كل من يصمت أخرس . لكل أخرس بلاغته ؛ قد تكون في نظرة ، أو إشارة ، أو موقف ، أو صمت طويل يقول ما تعجز عنه الخطب . والأجمل أن يأتي هذا كله في مقدمة مسرحية عنوانها « الأخرس المتكلم « ؛ وكأن مارون عبود يضعنا منذ البداية أمام مفارقة جميلة : أخرس يتكلم ، وخطيب قد يملك الكلام كله ، ثم لا يقول شيئاً . بريدة Mh2557@gmail.com