كيف نصنع ممثلاً يصنع المسرح؟

عندما نتحدث عن تنوع العرض المسرحي، يتجه التفكير بشكل مباشر إلى تنوع الموضوعات والقضايا التي تطرح على الخشبة، فنرى عروضًا تتناول قضايا الأسرة، والتحولات الاجتماعية، والهوية، والعلاقات الإنسانية المختلفة. لكن تنوع الموضوع لا يعني تنوع العرض المسرحي؛ فقد تتغير الحكايات بينما تظل اللغة التي تقدم بها متشابهة، ويبقى الممثل يؤدي ضمن مساحة محدودة من الأدوات والأساليب المسرحية. إذن المسرح لا يتنوع بما يقوله الممثل فقط، وإنما بكيفية قوله أيضًا. ومن هنا تظهر أشكال وتجارب مسرحية تجعل الصورة أو الجسد أو علاقة المتلقي بالعرض جزءًا أساسيًا من صناعة المعنى؛ كمسرح الصورة، والمسرح الحركي، والمسرح التفاعلي، وغيرها من الاتجاهات التي وسعت مفهوم الأداء المسرحي، ولم تعد تجعل الكلمة المنطوقة وحدها مركز العرض. لكن هل الممثل قادر على صنع هذا المسرح الذي به يتحقق التنوع؟ غير منصف أن نطالب بتنوع حقيقي في أشكال العرض المسرحي، ثم نختزل إعداد الممثل في حفظ النص، وإتقان الحوار المسرحي، وتنفيذ توجيهات المخرج على الخشبة. الان مسرح الصورة مثلاً يحتاج إلى ممثل يفهم الصورة والفضاء بشكل يليق بالقضية المطروحة، والمسرح الحركي كذلك يحتاج إلى ممثل يعرف جسده وإمكاناته ليوظفها في التجسيد دون حوار صريح، وفي المسرح التفاعلي يحتاج إلى ممثل يمتلك الارتجال وتقنياته والقدرة على الاستجابة للحظة والجمهور، وبذلك يصبح تنوع المسرح مرتبطًا، في أحد جذوره الأساسية، وهو تنوع تكوين الممثل نفسه وتطوير أدواته المسرحية. لذلك يحتاج الممثل إلى بناء عقله مثلما يبني جسده وصوته؛ فيقرأ في المسرح والأدب والفنون المختلفة الأخرى وفي التاريخ وكذلك في أنساق المجتمع، ويتعلم تحليل النص والشخصية ودوافعها وعلاقاتها، ويدرك أن الشخصية المسرحية ليست مجموعة جمل يحفظها فقط دون وعي حقيقي، وإنما كائن يبنيه من المعرفة والملاحظة والخيال. ويحتاج في الوقت نفسه إلى معرفة جسده. كيف يقف؟ وكيف يتحرك؟ وماذا تقول المسافة بينه وبين ممثل آخر؟ وكيف يمكن للسكون أن يكون فعلًاً؟ وكيف يصنع بجسده الخوف أو السلطة أو الانكسار دون أن يسميها صراحة؟ نحن هنا لا نتحدث عن مهارات إضافية يكتسبها الممثل إن أراد، بل عن أدوات مهنته الذي من المفترض أنه مؤمن بها ويسعى إلى تطويرها. تكشف بعض التجارب المسرحية العالمية أن صناعة الممثل لم تكن منفصلة عن صناعة المسرح نفسه، لذلك تدريب الممثل ليست مجرد مرحلة قصيرة تسبق العرض المسرحي؛ بل ارتبط بالأستوديو والتجريب والممارسة والبحث، التدريب على الصوت والإلقاء والتنفس والحركة وبناء الشخصية، ضمن تصور يرى أن الموهبة تحتاج إلى معرفة وتدريب حتى تتحول إلى حرفة، وأن عملية إعداد الممثل هي مشروع طويل لتطوير أدواته وفهمه لفن التمثيل. فلا توجد ورشة تدريبية واحدة تجعل الإنسان ممثلًاً مكتمل الأدوات، فالورشة يمكن أن تفتح للممثل بابًا جديدًا، وتعرفه بأداة لم يكن يعرفها من قبل، وتصحح جانبًا من أدائه كل يظن أنه في الاتجاه الصحيح، ولكن لا تصنع مسيرة مهنية مميزة، لذلك الممثل يحتاج إلى مساحة يمارس فيها ما تعلمه، وإلى عروض متتابعة يطبق ويرى الجمهور وتفاعلهم مع ما يطرح من خلال أدواته الجديدة، ومخرجين ومدربين مختلفين ذوو خبرة ومدارس فنية مختلفة. نقطة مهمة في هذا السياق نحن نريد من الممثل أن يتدرب باستمرار، وأن يقرأ، وأن يشاهد كل جديد، وأن يحافظ على جسده وصوته ومهارات تتطور باستمرار، وأن يشارك في الورش ويطور نفسه، وأن يتفرغ للبروفات والعروض المسرحية. لكن لكي يتعامل الممثل مع كل ذلك باعتباره واجب مهني، ينبغي أن يشعر أولًا أن التمثيل مهنة يمكن أن يبني من خلالها حاضره ومستقبله، لذلك يجب أن يكون له مسار مهني يستطيع أن يفهمه ويعرف كيف يحصل على فرص العمل التي تتناسب مع قدراته، يعرف كيف يحافظ على حقوقه المادية ويطالب بها. *ماجستير في الأدب المسرحي.