حين نترك مقاعدنا.

في القطار تترامى في بصرك صور ومعالم لا حدود لها: جبال، رمال، بيوت، محطات، أشجار، كما تمتد السماء في طرفك، لكنها تمر سريعة لا تستطيع تأملها. تلك الصور والسرعة التي يجري بها القطار كأنها الأيام وهي تجري بك: مشاهد، مواقف، أناس، تجارب، أفكار، سفر، طموح، نجاح وفشل؛ أشياء سرعان ما تمر، وربما نسختها مواقف وصور أخرى، فلا وقت للتوقف. وكأن كل شيء يذكرك بالرحيل. حين تجلس إلى جانب النافذة، عليك أن تتأمل ما يمر بك: مساحات مقفرة لا تلبث أن تجاورها مساحات خضراء لمزرعة اعتنى بها صاحبها، أو فيضة امتلأت بماء المطر. في مقعدك الهادئ، صوت حركة القطار يهدأ ويسرع ويتوقف؛ ينزل ركاب، ويصعد آخرون، وتتغير وجوه، وتبقى أخرى تنتظر محطاتها القادمة. وكأن صورة من الحياة تتجمد داخل تلك الكبائن: أناس مع بعضهم، وآخرون غرباء، جمعتهم سكة سفر، لا تعرف عنهم سوى ملامح عابرة. في مقعدي، إلى جانب شنطة صغيرة فيها بعض الكتب وأغراض رحلة خفيفة، وكوب قهوة بدأ يبرد لأنني أرتشفه على مهل، أجلس وحيدًا إلا من أفكاري وصمت شفتيَّ، وإن لجّت المشاعر في صدري. الوقت يمر حين أقرأ أو أكتب، وحين تكون معي رفقة، لكنني أفضله في مثل هذه الرحلات وحيدًا؛ أجد فيه مساحة لحوار داخلي وصفاء لا يقطع حبل أفكاري. أحب رحلات النهار، خصوصًا إذا ما سبقها نوم عميق يبقى معه الذهن متوقدًا، كما تشفّ الشمس عما يقع بمرمى بصرك، وإن بدا ما نسميه بالعامية “العسام” يغطي أطراف الجبال التي تكاد تختفي بسببه. صلتك بما يمر بك مجرد لحظات عابرة؛ أماكن احتشدت بها قصص أناس، وربما قضوا فيها أعمارهم، لا تعرف عنها شيئًا. كم هي الحياة قصيرة، ومع ذلك نحن غافلون! يشعر الإنسان أحيانًا أنه يملك كل شيء، وأنه محور هذا الكون، لمجرد حفنة مال في يده أو وظيفة مرموقة يشغلها، لكن تلك الأشياء التي تمر في بصره، لو تأملها، لأشعرته أنه لا شيء، وليس أكثر من نقطة في بحر لا حدود له. تخرج من تلك البوابة الصغيرة، وتغادر مقعدك، ويأتي غيرك. القطار يسير، ولا تتوقف الحياة على أحد. مشاعر تحتشد حولك لحظات، لا تلبث أن تتلاشى كما تمر الأشياء سريعًا عبر تلك النافذة.