روائح شواطئ الخليج.. ظاهرة طبيعية أم رسالة تحذير بيئية؟
خبراء ومختصون لـ «اليمامة»: الرائحة ليست دليلاً قطعيّاً على التلوث.
لم تعد الروائح القوية التي تظهر أحياناً على بعض شواطئ الخليج مجرد ظاهرة عابرة تثير استغراب مرتادي البحر، بل أصبحت تستدعي قراءة بيئية تبحث في أسبابها ومصادرها، خاصة مع تنوع العوامل التي قد تقف وراءها، بدءاً من تحلل الطحالب والكائنات البحرية والمواد العضوية، مروراً بارتفاع درجات الحرارة وضعف تجدد المياه، وصولا إلى احتمالات مرتبطة بمياه الصرف والمخلفات والأنشطة البشرية والبحرية. وبينما لا تعني الرائحة في حد ذاتها بالضرورة وجود تلوث، فإن استمرارها أو تكررها يستدعي الرصد والفحص وتحليل المياه والرواسب، للوصول إلى تفسير علمي دقيق، وحماية جودة المياه والنظم البيئية الساحلية من أي تأثيرات قد تهدد سلامتها على المدى الطويل. ترى الدكتورة زينب البدر، أن الرائحة التي تنبعث من بعض المناطق الساحلية قد تبدو في ظاهرها مجرد مصدر للإزعاج، لكنها من الناحية العلمية يمكن أن تكون مؤشرا يستحق الفحص، خاصة عندما تكون الرائحة قوية ومتكررة وتتزامن مع تراكم الطحالب أو ظهور مخلفات على الشاطئ، وتشير إلى أن الربط المباشر بين الرائحة ووجود مياه صرف صحي. وتوضح، أن من أبرز هذه التفسيرات تحلل الطحالب والأعشاب البحرية والمواد العضوية التي تتراكم في المياه الضحلة أو داخل الرواسب، موضحة أنه عندما تتجمع المواد العضوية بكميات كبيرة تبدأ الكائنات الدقيقة في تحليلها، وهو ما يؤدي إلى استهلاك الأكسجين الموجود في المياه، ومع انخفاض مستويات الأكسجين، يمكن أن تتشكل ظروف لا هوائية تساعد على إنتاج عدد من المركبات الكبريتية، ومن بينها غاز كبريتيد الهيدروجين، الذي يتميز برائحة تشبه رائحة البيض الفاسد. وتشير الدكتورة زينب البدر، أن هذا التفسير يرتبط أيضا بطبيعة بعض السواحل في منطقة الخليج، حيث يمكن للمياه الضحلة والمناطق التي تقل فيها حركة التيارات أن توفر ظروفا تساعد على تجمع الطحالب، وفي المقابل، تؤكد أن التأثيرات البشرية على البيئة الساحلية لا يمكن تجاهلها، خاصة في ظل التوسع العمراني والزراعي وما قد يصاحبه من مشكلات مرتبطة بالتخلص من مياه الصرف والنفايات. كما تلفت إلى أن المخلفات الصلبة تمثل بدورها مشكلة بيئية موثقة على ساحل الخليج السعودي، مشيرة إلى أن دراسة منشورة عام 2026 أظهرت أن المواد البلاستيكية كانت المكون الأكبر من المخلفات البحرية التي جرى رصدها في مجموعة من شواطئ الخليج العربي في السعودية، مع مساهمة عوامل طبيعية مثل الرياح والتيارات وحركة المد والجزر في نقل هذه المخلفات وإعادة توزيعها على امتداد الساحل، وتشدد على أن تحديد مصدر الرائحة يحتاج إلى فحص علمي للمنطقة، وليس إلى الاكتفاء بالملاحظة أو الاستنتاج المباشر، موضحة أن ظهور رائحة قوية ومتكررة في منطقة ساحلية ينبغي أن يدفع إلى أخذ عينات من المياه والرواسب، وإجراء مجموعة من القياسات والتحاليل، من بينها قياس مستويات الأكسجين الذائب وكبريتيد الهيدروجين والأمونيا والنترات والفوسفات، إلى جانب فحص المؤشرات البكتيرية والعضوية، وتعتبر أن ملاحظة المواطن للرائحة أو التغيرات التي تطرأ على الشاطئ يمكن أن تمثل نقطة بداية مهمة للتحقيق البيئي، مؤكدة أن الشاطئ قد لا يكون متضررا من النفايات وحدها، لكن ظهور رائحة غير طبيعية، كما أن الوصول إلى الإجابة الدقيقة لا يبدأ بالتخمين، وإنما بالفحص والتحليل، فالسؤال عن مصدر الرائحة وما يحدث في المياه لا يمكن حسمه إلا من خلال الأدلة العلمية، وتبدأ هذه الأدلة من عينة ماء تكشف ما لا تستطيع. يرى المستشار البيئي طلال بن سلطان الرشيد، رئيس مجلس إدارة جمعية أصدقاء البيئة، أن ظهور روائح قوية في بعض المناطق الساحلية، ومنها شواطئ الخليج العربي، يستدعي التمييز بين الأسباب الطبيعية التي قد تقف وراء هذه الظاهرة، وبين مصادر التلوث المرتبطة بالأنشطة البشرية، مؤكدا أن وجود رائحة غير معتادة لا يعني بالضرورة وجود نفايات أو مخلفات يجري التخلص منها في البحر. ويوضح أن الروائح الساحلية يمكن أن تنتج في بعض الحالات عن عمليات طبيعية، من بينها تحلل الطحالب والأعشاب البحرية والكائنات العضوية التي تحملها التيارات باتجاه الشاطئ، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة أو انخفاض حركة المياه في بعض المناطق، ومع تراكم هذه المواد العضوية تبدأ عمليات التحلل، وقد تتسبب الظروف البيئية المصاحبة لها في ظهور روائح نفاذة وملحوظة. ويشير الرشيد، إلى أن احتمالية ظهور مثل هذه الروائح قد تزداد في الخلجان والمناطق الساحلية شبه المغلقة، حيث تكون حركة المياه وتجددها أبطأ نسبيا، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراكم المواد العضوية وتحللها في بيئة منخفضة الأكسجين، بما ينتج عنه تكوّن غازات ذات روائح قوية، ومن أبرزها كبريتيد الهيدروجين، كما أن الاحتمالات الطبيعية لا تعني استبعاد التأثيرات البشرية، إذ يمكن أن تتعرض بعض المناطق الساحلية لضغوط بيئية نتيجة تصريف مياه صرف غير معالجة أو غير مطابقة للمعايير، أو وصول مياه أمطار محملة بالملوثات، إلى جانب المخلفات الناتجة عن الأنشطة البحرية والصناعية، فضلا عن النفايات الصلبة والبلاستيكية التي قد تصل إلى البحر من اليابسة أو من الأنشطة التي تمارس في البيئة البحرية. ويشدد على أن الرائحة، مهما كانت قوتها، لا تكفي وحدها لإثبات وجود مصدر تلوث أو عمليات للتخلص من النفايات والمخلفات في البحر، موضحا أن تحديد مصدر الرائحة يحتاج إلى فحوص وتحاليل علمية تتجاوز الملاحظة المباشرة، وتشمل فحص جودة المياه والرواسب، وقياس مستويات الأكسجين الذائب والملوثات والعناصر العضوية، إلى جانب دراسة حركة التيارات البحرية وتحديد مواقع تصريف المياه القريبة، بما يساعد على الوصول إلى تفسير أكثر دقة لمصدر المشكلة. ومن منظور الإدارة البيئية، يرى الرشيد أن التعامل مع الظاهرة لا ينبغي أن يبدأ فقط بعد ظهور الرائحة أو ملاحظة التغيرات في الشاطئ، وإنما من خلال منظومة مستمرة للرصد والمراقبة، تتضمن متابعة جودة المياه بصورة دورية، وتحديد مصادر التلوث المحتملة، ومراقبة نقاط تصريف المياه، والعمل على تطوير أنظمة للإنذار المبكر قادرة على اكتشاف التغيرات البيئية قبل تفاقم آثارها. ويؤكد أن حماية شواطئ الخليج العربي مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الجهود بين الجهات المعنية والمجتمع، مع أهمية تعزيز ثقافة الرصد والإبلاغ عن المظاهر غير المعتادة في البيئة الساحلية، إلى جانب التعامل مع مصادر التلوث من خلال إجراءات وقائية مستمرة، وليس الاكتفاء بمعالجة آثارها بعد ظهورها. ويخلص الرشيد إلى أن الحفاظ على البيئة البحرية وجودة الحياة في المدن الساحلية يتطلب الانتقال من أسلوب التعامل مع المشكلة بعد وقوعها إلى نهج يقوم على الوقاية والمراقبة المستمرة، فالرصد المبكر والفحص العلمي وتحديد مصادر التلوث تمثل جميعها أدوات أساسية لحماية شواطئ الخليج وضمان استدامة بيئته البحرية. يوضح عبدالله محمد فقيهي، الأخصائي الزراعي بمكتب وزارة البيئة والمياه والزراعة بمحافظة الأحساء، أن شواطئ الخليج العربي تمثل جزءا أصيلا من ذاكرة المكان وهوية المجتمع، كما تعد وجهة تجمع العائلات والمتنزهين وعشاق البحر، ولذلك فإن ظهور روائح قوية في بعض المواقع الساحلية يثير تساؤلات مشروعة حول أسبابها، وما إذا كانت مرتبطة بظواهر طبيعية أم بممارسات بشرية يمكن أن تؤثر في سلامة البيئة البحرية. ويشير فقيهي، إلى أن انبعاث الروائح من بعض المواقع الساحلية قد يكون ناتجا عن عوامل طبيعية متعددة، في مقدمتها تحلل الطحالب والأعشاب والكائنات البحرية التي تقذف بها الأمواج إلى الساحل، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة وانحسار المد وركود المياه في بعض المناطق، وهي ظروف يمكن أن تساعد على تحلل المواد العضوية وتؤدي إلى ظهور روائح نفاذة قد تستمر لفترات متفاوتة، بحسب طبيعة الموقع والظروف البيئية المحيطة به. وفي المقابل، يلفت إلى أن هناك تساؤلات أخرى تتعلق باحتمالية وصول نفايات أو مخلفات إلى بعض الشواطئ، سواء نتيجة سلوكيات فردية خاطئة أو بفعل مصادر أخرى تحتاج إلى الرصد والتحقق، مؤكدا أن وجود الرائحة لا يمكن اعتباره دليلا قاطعا على حدوث تلوث، إذ يتطلب إثبات ذلك إجراء فحوص ميدانية وتحاليل مخبرية قادرة على تحديد جودة المياه وطبيعة المواد الموجودة ومصدرها. ويرى فقيهي، أن القضية لا تتعلق بالرائحة وحدها، وإنما تتجاوزها إلى ثقافة المجتمع في التعامل مع البحر والبيئة الساحلية، موضحا أن الشاطئ يمثل ثروة وطنية ونظاما بيئيا متكاملا، وأن إلقاء المخلفات، سواء كانت مواد بلاستيكية أو بقايا طعام أو غيرها من النفايات، لا يؤدي فقط إلى تشويه المظهر الجمالي للساحل، وإنما يمكن أن يمتد تأثيره إلى الكائنات البحرية والتوازن البيئي وجودة الحياة في المناطق الساحلية، كما أن حماية شواطئ المملكة تتطلب مسؤولية مشتركة بين الجهات المعنية وأفراد المجتمع، من خلال تعزيز الرقابة البيئية، وسرعة التعامل مع البلاغات، وإجراء الفحوص الدورية لمواقع الشواطئ، إلى جانب تكثيف برامج التوعية بين مرتادي السواحل، وترسيخ مفهوم أساسي يقوم على أن المحافظة على نظافة الشاطئ تبدأ من سلوك الفرد نفسه. ويشدد على أن العلاقة مع البحر لا ينبغي أن تكون مرتبطة بمواسم التنزه أو فترات الإقبال على الشواطئ فقط، وإنما يجب أن تتحول المحافظة عليه إلى ثقافة مستمرة ومسؤولية تجاه الأجيال المقبلة، فالبيئة الساحلية السليمة تحتاج إلى وعي مجتمعي ورقابة مستمرة وسلوك مسؤول من الجميع، وأن البحر يظل شاهدا على علاقة المجتمع بالمكان، وأن المحافظة على نظافة وسلامة الشواطئ تمثل جزءا من المسؤولية البيئية والوطنية، مشيرا إلى أن الساحل النظيف يعكس مجتمعا واعيا وبيئة سليمة، ويدعم توجهات الاستدامة وجودة الحياة ومستقبل المدن والمجتمعات الساحلية في المملكة. ترى سارة علي البريكي من سلطنة عمان أن الروائح الكريهة التي تنبعث من بعض الشواطئ الخليجية تثير تساؤلات مهمة حول مستوى الوعي البيئي لدى بعض أفراد المجتمع، خاصة في المناطق القريبة من السواحل، مؤكدة أن المحافظة على نظافة الشواطئ لا ينبغي أن تكون مسؤولية الجهات المعنية وحدها، وإنما سلوكا يوميا وثقافة راسخة لدى كل فرد. وتشير البريكي، إلى أن تراكم النفايات على الشواطئ قد يكون أحد العوامل التي تسهم في انتشار الروائح غير المرغوبة، لافتة إلى ما قد ينتج أيضا عن بعض الممارسات المرتبطة بالأنشطة البحرية، ومنها قيام بعض السفن بإلقاء مخلفاتها في البحر، الأمر الذي قد يؤدي إلى انتقال النفايات وتجمعها وتكدسها في بعض المناطق الساحلية، وهو سلوك ترى أنه لا يتوافق مع أهمية البيئة البحرية ومكانتها في حياة المجتمعات الخليجية، وتتوقف عند بعض السلوكيات التي شاهدتها بنفسها على الشواطئ، مشيرة إلى قيام بعض الأسر بالتخلص من بقايا الذبائح، مثل مخلفات الأغنام وغيرها، بإلقائها على الساحل، متسائلة عن الأسباب التي تدفع البعض إلى التعامل مع الشاطئ بهذه الطريقة، في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون مكانا عاما للراحة والتنزه وممارسة الأنشطة المختلفة. وتؤكد أن معالجة هذه الظاهرة تبدأ من بناء وعي بيئي حقيقي لدى أفراد المجتمع، بحيث يدرك كل شخص أن ما يفعله في الأماكن العامة لا يؤثر في المظهر العام فقط، وإنما يمكن أن يمتد تأثيره إلى البيئة وصحة المجتمع وجودة الحياة، وترى أن المجتمعات الخليجية بحاجة إلى تعزيز ثقافة المحافظة على النظافة العامة، وعدم التعامل مع الشواطئ باعتبارها أماكن مفتوحة يمكن التخلص فيها من المخلفات دون مسؤولية. وتضيف البريكي أن الشواطئ تمثل أمانة تقع مسؤولية حمايتها على الجميع، وأن المحافظة على نظافتها وسلامة بيئتها تنعكس بصورة إيجابية على الإنسان نفسه، خصوصا أن الكثير من مرتادي السواحل يقصدونها للتنزه أو ممارسة الرياضة والاستمتاع بالهواء الطلق، بينما يمكن للروائح الكريهة والمخلفات المتراكمة أن تحول هذه المساحات إلى مصدر للإزعاج وتؤثر في تجربة الزائر وحالته النفسية. وترى أن المسؤولية في نهاية المطاف تبدأ من السلوك الفردي، ثم تتكامل مع دور الجهات المختصة في الرقابة والتوعية وتطبيق الأنظمة، مشددة على ضرورة أن يتعامل المجتمع مع الشواطئ باعتبارها جزءا من البيئة التي يعيش فيها، وليست مجرد أماكن مؤقتة للنزهة، والتأكيد على ضرورة أن يحرص الجميع على حماية الشواطئ وعدم تحويلها إلى أماكن لتجميع النفايات والمخلفات غير المرغوبة، لأن نظافة الساحل تعكس مستوى الوعي لدى المجتمع، والمحافظة عليه تمثل مسؤولية مشتركة تجاه البيئة والأجيال القادمة. تقول عائشة بنت حسن بن يوسف الفزارية من سلطنة عمان، إنها بحكم إقامتها لسنوات طويلة في المناطق الساحلية، كانت شاهدة على العديد من التغيرات التي طرأت على البحر والشواطئ، مؤكدة أن بعض هذه الظواهر أصبحت مصدر استياء للسكان ومرتادي الساحل، بعدما امتد تأثيرها إلى الشواطئ التي كانت تمثل متنفسا طبيعيا يلجأ إليه الناس للراحة والاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة. وتوضح الفزارية، أن أكثر ما يثير الاستياء هو انبعاث الروائح الكريهة التي تحرم مرتادي الشواطئ من الشعور بالراحة والاستمتاع بالمكان، مشيرة إلى أن هذه الروائح ما زالت تظهر حتى الوقت الحاضر، وإن اختلفت أنواعها وأسبابها من موقع إلى آخر ومن فترة زمنية إلى أخرى. وتشير إلى أن متابعة ما يحدث على الشواطئ تكشف عن مجموعة من الأسباب التي قد تقف وراء انبعاث هذه الروائح، من بينها وصول جثث الحيوانات النافقة إلى الساحل، بعد أن تحملها الأمواج ثم تلفظها على الشاطئ، حيث تبقى لفترات قبل أن تتحلل وتتسبب في انتشار الروائح، كما تلفت إلى ما قد يحدث نتيجة التخلص من بعض الأسماك التي تقع في شباك الصيادين من دون قصد، ولا يرغب المجتمع في استهلاكها، حيث يمكن أن تلقى أحيانا بكميات كبيرة على الشاطئ، فتتحلل وتصبح مصدرا للروائح الكريهة. وتضيف أن الأمر قد يمتد أيضا إلى الأصداف البحرية، إذ قد يتم جمع كميات كبيرة منها تتجاوز حاجة من يقوم باصطيادها، ثم يعجز عن حملها أو الاستفادة منها، فتترك على الساحل إلى أن تتحلل، وهو ما يسهم بدوره في ظهور روائح غير مرغوبة. وتتوقف الفزارية، عند ظواهر بيئية أخرى يمكن أن يكون لها تأثير في رائحة الشواطئ، ومن بينها ما يعرف بالمد الأحمر، وكذلك ظهور اللون الأخضر نتيجة تكاثر الطحالب وتراكمها ثم تحللها، موضحة أن هذه الظواهر قد تمتد آثارها إلى الشاطئ وتؤدي إلى انبعاث روائح قوية، فضلا عن تأثيراتها البيئية الأخرى. كما تشير إلى ما ينتج عن بعض ممارسات الصيد، خصوصا ترك مخلفات الصيد على الشاطئ، إضافة إلى ترك كميات كبيرة من أسماك الأنشوجة خلال فترات صيدها، حيث يؤدي بقاؤها على الساحل إلى تحللها وانبعاث روائح تجعل بعض الناس يبتعدون عن الشاطئ خلال تلك الفترات، بعدما تتحول رائحة البحر إلى مصدر إزعاج بدلا من أن تكون جزءا من تجربة الاستمتاع بالساحل. وتلفت الفزارية كذلك إلى ما تعتبره أحد مصادر التأثير في البيئة البحرية، والمتمثل في الممارسات المرتبطة ببعض ناقلات النفط، مشيرة إلى ما قد ينتج عن تنظيف صهاريجها في أعالي البحار من آثار على البيئة البحرية، وما يمكن أن يترتب على التلوث البحري من نفوق للكائنات والثروات البحرية ووصول بعضها إلى الشاطئ، بما يؤدي إلى انتشار الروائح وتلوث البيئة الساحلية، وأن نفوق الكائنات البحرية ووصولها إلى الشواطئ لا يمثل مشكلة مرتبطة بالرائحة وحدها، وإنما قد تكون له آثار أوسع على البيئة البحرية والثروة الطبيعية، خصوصا عندما تتراكم الكائنات النافقة على الساحل وتتحلل في ظروف بيئية مناسبة لذلك، فتؤثر في نظافة المكان وجودة الهواء المحيط به. وتشير الفزارية إلى عامل آخر قد يسهم، وإن لم يكن سببا رئيسيا، في وصول مصادر للروائح إلى الشواطئ، وهو ما تحمله الأودية عند حدوث الفيضانات من حيوانات نافقة ومخلفات مختلفة، قد تستقر على الساحل لفترات تسمح بتحللها وانبعاث روائحها، بما يضيف عبئا آخر على البيئة البحرية والساحلية، كما أن التعامل مع هذه الظواهر يتطلب وعيا أكبر بمسؤولية الإنسان تجاه البحر والشاطئ، وأن حماية السواحل لا يمكن أن تتحقق من خلال جهة واحدة، وإنما تحتاج إلى تعاون الجميع، بحيث يتحمل كل فرد مسؤوليته وفقا لما يدخل في نطاق اختصاصه ودوره في المجتمع، وأن الشواطئ ليست مجرد أماكن للتنزه، وإنما تمثل متنفسا طبيعيا وبيئة متكاملة تستحق المحافظة عليها، وأن مسؤولية حماية هذا المكان تبدأ من إدراك قيمة البحر والثروات التي يحتضنها، ثم ترجمة هذا الوعي إلى سلوك يحافظ على نظافة الشاطئ وسلامة البيئة البحرية. أكد الدكتور علي بوخمسين، أن ظهور الروائح القوية في بعض الشواطئ، ومنها شواطئ الخليج العربي، يمثل ظاهرة بيئية متعددة الأسباب، ولا يمكن ربطها بصورة تلقائية بوجود مخلفات أو صرف صحي، موضحا أن طبيعة الخليج العربي بوصفه بيئة بحرية شبه مغلقة وضحلة نسبيا، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة والملوحة ومعدلات التبخر، تجعل بعض المناطق الساحلية أكثر حساسية للتغيرات البيئية والظروف الطبيعية المحيطة بها، وأن تحلل المواد العضوية يأتي في مقدمة المصادر المحتملة للروائح الساحلية، ومن بينها الطحالب والأعشاب البحرية والكائنات البحرية النافقة، فضلا عن المخلفات العضوية التي قد تصل إلى الشاطئ، وأن تحلل هذه المواد في المناطق التي تنخفض فيها مستويات الأكسجين يمكن أن يؤدي إلى إنتاج غازات ذات روائح نفاذة، من أبرزها كبريتيد الهيدروجين، الذي يرتبط بالرائحة المعروفة التي تشبه رائحة البيض الفاسد. وأضاف أن ازدهار الطحالب يمثل عاملا آخر يمكن أن يسهم في ظهور الروائح، خصوصا عندما تتوافر الظروف الملائمة من ارتفاع درجات الحرارة وتوافر المغذيات، إذ إن نفوق هذه الطحالب وتحللها لاحقا قد يؤدي إلى زيادة الروائح وانخفاض مستويات الأكسجين محليا، ولفت إلى أن دراسات بيئية وثقت حدوث ازدهارات طحلبية في منطقة الخليج، وما يمكن أن تتركه هذه الظاهرة من تأثيرات على جودة المياه والبيئة البحرية. وفيما يتعلق بالنفايات والمخلفات، أوضح بوخمسين، أنها تمثل بالفعل أحد مصادر الضغط على البيئة الساحلية، لكنها في الوقت ذاته ليست بالضرورة التفسير الوحيد أو المباشر لكل رائحة تظهر على الشاطئ، كما أن مصادر التلوث المحتملة قد تشمل المخلفات الصلبة، وتصريفات مياه الصرف أو مياه التصريف، إلى جانب بعض الأنشطة الصناعية والملاحية والزراعية، مشيرا إلى أن دراسات محلية أظهرت وجود تأثيرات مرتبطة بمياه الصرف والتصريف في بعض المناطق الساحلية السعودية. وأشار إلى أن المملكة عززت خلال السنوات الأخيرة منظومة مراقبة السواحل، من خلال استخدام تقنيات حديثة للرصد البيئي، من بينها العوامات الذكية والطائرات المسيرة «درون»، إلى جانب أنظمة المراقبة المستمرة التي تتابع مؤشرات متعددة، تشمل مستويات الأكسجين والملوحة ودرجة الحرارة والملوثات والانسكابات النفطية وغيرها من المؤشرات التي تساعد على تقييم حالة البيئة البحرية والكشف المبكر عن أي تغيرات غير طبيعية. وشدد بوخمسين على أن الرائحة الساحلية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد مشكلة جمالية أو مصدرا للإزعاج، لأنها قد تمثل في بعض الحالات مؤشر مبكر على حدوث تغير بيئي محلي، وهو ما يجعل التعامل معها بحاجة إلى منهج علمي يتجاوز الملاحظة الحسية، وأن تحديد مصدر الرائحة بصورة دقيقة يتطلب أخذ عينات من المياه والرواسب وإخضاعها للتحليل، إلى جانب دراسة مؤشرات جودة المياه، بدلا من الاعتماد على الرائحة وحدها للحكم على وجود تلوث من عدمه. وأكد أن هذه الظاهرة ليست مقصورة على الشواطئ السعودية، وإنما سجلت صور مشابهة لها في عدد من دول الخليج العربي، مع اختلاف الأسباب والمصادر من موقع إلى آخر، وهو ما يعكس طبيعة البيئة الخليجية المشتركة وتأثر سواحلها بعوامل طبيعية وبيئية متقاربة. وأشار إلى أنه في سلطنة عمان، وخلال يوليو 2026، أعلنت هيئة البيئة العمانية أن ظهور روائح وتغير لون المياه في عدد من شواطئ محافظة ظفار ارتبط بظاهرة طبيعية موسمية، نتيجة صعود الطحالب والأعشاب البحرية إلى سطح المياه خلال موسم الخريف، وليس بسبب تلوث نفطي، بما يؤكد أن بعض الظواهر التي تبدو للمتلقي مرتبطة بالتلوث قد تكون في حقيقتها ذات أسباب طبيعية وموسمية. وأوضح أن السواحل الإماراتية شهدت في فترات سابقة ازدهارات طحلبية واسعة، ومن بين الحالات الموثقة ازدهار عام 2008 ارتبط بتحلل الطحالب ونفوق الكائنات البحرية، الأمر الذي أدى إلى ظهور روائح غير مستحبة، كما شهدت الكويت حالات مشابهة، إذ تعد مياهها الساحلية من المناطق التي رصدت فيها ازدهارات طحلبية بصورة متكررة، ارتبط بعضها بنفوق الأسماك وتدهور جودة المياه، وهي عوامل يمكن أن تسهم بدورها في ظهور الروائح الساحلية نتيجة تحلل الكتلة العضوية، وأن الأمر نفسه ينطبق على بقية دول الخليج، ومنها البحرين وقطر، حيث تشير الدراسات الإقليمية إلى أن ازدهارات الطحالب الضارة تعد ظاهرة عابرة للحدود في منطقة الخليج، وتم تسجيلها في مناطق ساحلية متعددة تشمل البحرين وقطر والإمارات والسعودية، مع اختلاف الظروف والتأثيرات من منطقة إلى أخرى. وأكد بوخمسين أن النقطة الأساسية التي ينبغي التأكيد عليها هي أنه لا يصح اعتبار كل رائحة قوية تظهر على شاطئ خليجي دليل مباشر على وجود صرف صحي أو نفايات، فقد تكون الرائحة ناجمة عن ظاهرة طبيعية موسمية، أو عن تحلل الطحالب والأعشاب البحرية، أو نتيجة تراكم مواد عضوية، في حين يمكن أن يكون التلوث أحد الأسباب في حالات أخرى، وأن تحديد السبب الحقيقي يظل مرتبطا بالفحص العلمي الدقيق، من خلال تحليل عينات المياه والرواسب ومراجعة مؤشرات جودة المياه والظروف البيئية المحيطة بالموقع، لأن الوصول إلى تفسير دقيق للرائحة يتطلب الانتقال من مجرد الملاحظة إلى الرصد والتحليل، بما يساعد على التمييز بين الظواهر الطبيعية ومصادر التلوث المحتملة، ويضمن التعامل مع البيئة الساحلية وفق أسس علمية أكثر دقة. أكد الدكتورة نوف علي عسيري، مدير مركز بحث وتطوير البيئة والتنمية المستدامة بجامعة جدة، أن الروائح القوية التي تنبعث من بعض الشواطئ، ولا سيما في المناطق الساحلية للخليج العربي، قد تبدو في ظاهرها ظاهرة مزعجة، لكنها لا تحمل تفسير واحد بالضرورة، إذ يمكن أن تكون في بعض الحالات نتيجة تفاعلات بيئية طبيعية، بينما قد ترتبط في حالات أخرى بوجود ضغوط بيئية أو مصادر تلوث ناتجة عن الأنشطة البشرية. وأوضح أن تحلل المواد العضوية الموجودة في المياه والرواسب يأتي ضمن أبرز الأسباب الطبيعية المحتملة لظهور الروائح الساحلية، وتشمل هذه المواد بقايا الكائنات البحرية والطحالب والنباتات الساحلية. وإلى أنه عندما تتحلل هذه المواد في بيئات منخفضة الأكسجين، يمكن أن تنتج غازات ومركبات ذات روائح نفاذة، من أبرزها كبريتيد الهيدروجين، المرتبط بالرائحة المعروفة التي تشبه رائحة البيض الفاسد. وأضافة عسيري أن الزيادة الكبيرة في نمو الطحالب قد تكون عاملا آخر وراء ظهور الروائح غير المعتادة، إذ يؤدي نموها بكثافة ثم تحللها إلى استهلاك الأكسجين وزيادة النشاط الميكروبي، الأمر الذي قد ينعكس على خصائص البيئة الساحلية ويؤدي إلى ظهور روائح ملحوظة في بعض المناطق، كما أن شدة الروائح لا ترتبط فقط بمصدر المادة العضوية، وإنما تتأثر أيضًا بمجموعة من العوامل البيئية، من بينها ارتفاع درجات الحرارة، وقلة حركة المياه، والمد والجزر، إلى جانب طبيعة الرواسب الساحلية، وأن الشواطئ والمناطق الساحلية محدودة التجدد المائي تكون أكثر قابلية لتراكم المواد العضوية، وهو ما قد يجعل الروائح أكثر وضوحًا واستمرارًا مقارنة بالمناطق التي تتمتع بحركة وتجدد مائي أكبر. وفيما يتعلق بالنفايات والمخلفات، أوضح مدير مركز بحث وتطوير البيئة والتنمية المستدامة بجامعة جدة، أن وجودها على الشواطئ يمكن أن يمثل أحد مصادر الروائح، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمخلفات العضوية أو مياه الصرف أو التسربات الناتجة عن بعض الأنشطة الساحلية، وفي المقابل، أشار إلى أن تراكم البلاستيك والمخلفات الصلبة لا يؤدي بالضرورة إلى ظهور الرائحة بصورة مباشرة، لكنه قد يعمل على احتجاز المواد العضوية والمساهمة في تدهور البيئة الساحلية، بما يزيد من الضغوط الواقعة على النظام البيئي. وأكد أن التعامل مع الروائح الساحلية ينبغي ألا يقتصر على إزالة المخلفات التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة، لأن تحديد مصدر المشكلة يتطلب فهمًا أوسع للظروف البيئية المحيطة بالموقع، وإن الأمر يستدعي رصد جودة المياه والرواسب، وتحديد مصادر التلوث المحتملة، ومراقبة مستويات المغذيات والمواد العضوية، إلى جانب دراسة التنوع الحيوي والظروف الهيدرولوجية للمنطقة، بما يساعد على الوصول إلى تفسير أكثر دقة لطبيعة الرائحة ومصدرها. وشددت عسيري على أن وجود رائحة ساحلية لا يمكن اعتباره في حد ذاته دليلًا قاطعًا على وجود تلوث، مؤكدًا أن التشخيص العلمي يعتمد على القياسات والتحاليل الميدانية وليس على الملاحظة الحسية وحدها، لكنه في الوقت نفسه يرى أن استمرار الرائحة أو ظهورها بصورة غير معتادة يستحق الرصد والتحقق، خصوصا أن الشاطئ يمثل نظاما بيئيا متكاملا تتداخل فيه المياه والرواسب والكائنات البحرية والظروف المناخية والهيدرولوجية، وأن أي تغير غير معتاد في البيئة الساحلية ينبغي التعامل معه باعتباره مؤشرًا يستحق الدراسة، موضحًا أن الشاطئ لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مساحة للترفيه، وإنما نظام بيئي متكامل، وقد تكون التغيرات التي تظهر عليه، ومنها الروائح غير المعتادة، رسالة بيئية تحتاج إلى أن تقرأ وتفسر علميا للوصول إلى السبب الحقيقي واتخاذ الإجراء المناسب. قال محمد بن حمد البادي، من سلطنة عمان، إن بعض الشواطئ الساحلية، ولا سيما في منطقة الخليج العربي وبحر عمان، تتعرض أحيانا لانبعاث روائح قوية ومميزة تثير تساؤلات مرتادي الشواطئ والمهتمين بالشأن البيئي، موضحا أن هذه الظاهرة قد تنتج عن تداخل مجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية، يأتي في مقدمتها ما يعرف بظاهرة المد الأحمر الناتجة عن التكاثر الكثيف للهائمات النباتية والعوالق البحرية في ظل ظروف بيئية ملائمة، من بينها ارتفاع درجات الحرارة ووفرة المغذيات، وأن هذه الظاهرة قد تتسبب في ظهور الروائح القوية عندما تموت الطحالب وتتجمع على الشواطئ، حيث تخضع للتحلل العضوي بفعل البكتيريا، ما يؤدي إلى إطلاق غازات ذات روائح نفاذة وغير مستحبة، وقد تتزامن هذه العملية، بحسب البادي، مع تأثيرات أخرى تشمل المخلفات العضوية ونفوق بعض الكائنات البحرية التي قد تتأثر بانخفاض مستويات الأكسجين، الأمر الذي يزيد من كمية المواد العضوية القابلة للتحلل على الشاطئ. وأشار إلى أن الجهات المختصة في سلطنة عمان، ممثلة في وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه وهيئة البيئة والبلديات، تولي هذه التحديات البيئية اهتماما كبيرا، وتعمل على الحد من آثارها من خلال منظومة تجمع بين الرصد الاستباقي والاستجابة السريعة عند ظهور الظواهر البحرية غير المعتادة، وأن هذه الجهود تشمل برامج للمراقبة المبكرة لرصد ازدهار الطحالب، إلى جانب استمرار تحليل عينات المياه لمتابعة التغيرات في خصائص البيئة البحرية، كما تتضمن تنفيذ حملات دورية لإزالة المخلفات والأعشاب والكائنات البحرية النافقة من الشواطئ فور ترسبها، بما يسهم في الحد من تراكم المواد العضوية ومنع تفاقم عمليات التحلل وما قد ينتج عنها من روائح وتأثيرات بيئية. وأكد البادي أن التعامل مع هذه الظواهر لا يقتصر على حماية الشواطئ والمناطق الساحلية، وإنما يمتد إلى حماية محطات تحلية مياه البحر، التي تمثل عنصر أساسي في منظومة تأمين مياه الشرب. وأوضح أن محطات التحلية قد تتأثر بصورة مباشرة عند تراجع جودة مياه البحر أو وصول كميات كبيرة من الطحالب والمخلفات والكائنات البحرية إلى المناطق القريبة من مآخذ المياه. وفي هذا الإطار، أشار إلى أن الإجراءات الاحترازية تشمل الفحص المستمر لعينات المياه، إلى جانب إزالة المخلفات والكائنات البحرية النافقة من محيط مآخذ المياه في محطات التحلية، بهدف الحد من احتمالات انسدادها أو تأثر عمليات المعالجة، وضمان استمرار كفاءة المحطات في أداء دورها الحيوي. وأضاف أن ضمان استمرارية الخدمات الأساسية يتطلب أيضًا وجود خطط للتعامل مع حالات الطوارئ البيئية، ومن بينها الربط الشامل لشبكات المياه بين المناطق، بما يعزز مرونة منظومة الإمداد، ويسمح بالتعامل مع أي ظروف قد تضطر خلالها إحدى محطات التحلية إلى تقليص إنتاجها أو التوقف المؤقت عن العمل. ولفت البادي إلى أن الإجراءات الوقائية تشمل كذلك تحسين شبكات الصرف الصحي ومعالجة مياه الإحاطة الساحلية، إلى جانب تشديد الرقابة على المنشآت الصناعية والساحلية للحد من وصول المغذيات إلى البيئة البحرية، باعتبار أن زيادة المغذيات في المياه قد تسهم في تعزيز نمو الطحالب وظهور بعض الظواهر البحرية المرتبطة بها. وعلى المستوى المجتمعي، أكد أهمية الدور الذي تؤديه الجهات المختصة في نشر التحذيرات والإرشادات المتعلقة بالظواهر البحرية، وتوعية الصيادين ومرتادي الشواطئ بضرورة تجنب السباحة أو صيد الأسماك في المناطق التي تشهد مثل هذه الظواهر، حفاظا على الصحة العامة وتقليل احتمالات التعرض لأي مخاطر محتملة. كما تشمل الجهود حملات توعوية مستمرة لتعزيز السلوك البيئي الرشيد وترشيد الاستهلاك. وشدد البادي على أن حماية البيئة الساحلية لا تعتمد على إجراء واحد، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالرصد المبكر، مرورا بالتدخل السريع وإزالة مسببات المشكلة، وصولا إلى حماية محطات التحلية وضمان مرونة شبكات المياه وتعزيز الوعي المجتمعي، وأن التكامل بين الرصد الاستباقي والاستجابة السريعة، وترابط شبكات المياه، والإجراءات الاحترازية، والتوعية المجتمعية، يمثل أساسا مهما لحماية البيئة الساحلية العمانية، والتعامل مع الظواهر البحرية الطارئة، وضمان استدامة الأمن المائي وكفاءة محطات تحلية مياه البحر في مواجهة مختلف التحديات البيئية. أوضح الدكتور وليد خليل زباري، أستاذ إدارة الموارد المائية بجامعة الخليج العربي، أن ظهور روائح قوية أو كريهة بالقرب من بعض شواطئ الخليج العربي لا يرتبط بالضرورة بسبب واحد، وإنما قد يكون نتيجة مجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية المتداخلة، من بينها تحلل الطحالب أو الأسماك والكائنات البحرية النافقة، أو تلوث المياه الساحلية بمياه الصرف الصحي والمواد العضوية. وأشار زباري، إلى أن طبيعة الخليج العربي نفسها تجعله أكثر تأثرًا ببعض التغيرات البيئية، فهو بحر شبه مغلق يتصل بالمحيط عبر مضيق هرمز، كما أن أجزاء واسعة منه ضحلة، فيما تعد معدلات تجدد مياهه بطيئة نسبيا، أن معدلات المياه العذبة المتدفقة إلى الخليج من الأنهار في المنطقة الشمالية شهدت انخفاضا كبيرا، وهو ما يضاف إلى مجموعة الظروف الطبيعية التي تؤثر في خصائص البيئة البحرية الخليجية. وأوضح أن هذه الظروف الطبيعية تتزامن مع ضغوط بشرية متعددة ناتجة عن الأنشطة الساحلية في الدول المحيطة بالخليج العربي، من بينها تصريفات محطات تحلية المياه، وما ينتج عن عمليات التحلية من مياه شديدة الملوحة، إلى جانب مياه الصرف الصحي المعالجة جزئيًا نتيجة عدم استخدامها أو تصريفها في بعض المواسم والأوقات، فضلا عن احتمال وصول مياه صرف صحي غير معالجة في الحالات التي تتجاوز فيها كميات الصرف الطاقة الاستيعابية لمحطات المعالجة. وأضاف أن الضغوط تشمل كذلك تصريف المياه الزراعية من المناطق الزراعية الساحلية، والمياه الصناعية الناتجة عن المناطق الصناعية القريبة من الساحل، لافتا إلى أن عددا من الدراسات يشير إلى تزايد نسب النيتروجين والفسفور، باعتبارهما من المغذيات التي يمكن أن تؤثر في البيئة الساحلية للخليج العربي وتدعم بعض الظواهر المرتبطة بنمو الطحالب. وتطرق زباري إلى النشاط الملاحي الكثيف في الخليج العربي، موضحا أن المنطقة تعد من أكثر البحار كثافة من حيث حركة السفن وحجمها مقارنة بمساحتها، وتضم حركة ملاحية كبيرة تشمل ناقلات النفط والغاز العملاقة والسفن التجارية الكبيرة، وإلى أن مضيق هرمز كان يعبره قبل الأحداث الحالية نحو 33 ألف سفينة سنويا، وهو ما يجعل النشاط الملاحي أحد العوامل التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند دراسة الضغوط التي تتعرض لها البيئة البحرية والساحلية. وبيّن أن هذه السفن، إلى جانب مخاطر الحوادث والتسربات، قد تمثل مصدر آخر للضغط على البيئة البحرية إذا تم تصريف المخلفات في البحر أو بالقرب من المناطق الساحلية، وأن تعدد مصادر الضغط يجعل التعامل مع أي تغير بيئي في الخليج بحاجة إلى دراسة شاملة تأخذ في الاعتبار مختلف العوامل الطبيعية والبشرية، كما أن اجتماع هذه الظروف الطبيعية والتصريفات البشرية، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة نسبيا، يسهم في تهيئة الظروف لظاهرة معروفة ومتكررة في منطقة الخليج، ولا سيما في المناطق الضحلة نسبيا، وهي ظاهرة المد الأحمر، أو ما يعرف علميا بالازدهار الطحلبي. وأشار إلى أن الازدهار الطحلبي يتمثل في التكاثر السريع والكثيف لعدة أنواع من الطحالب المجهرية في مياه البحر، ويمكن أن يرتبط بتوافر كميات كبيرة من المغذيات الناتجة عن مصادر مختلفة، من بينها مياه الصرف الصحي أو الأسمدة الزراعية أو بعض المواد الكيميائية، وعندما تتكاثر الطحالب بكميات كبيرة ثم تموت وتتحلل، تستهلك البكتيريا التي تقوم بتحليلها كميات كبيرة من الأكسجين المذاب في المياه، ما قد يؤدي إلى انخفاض مستويات الأكسجين إلى درجة تؤثر في الكائنات البحرية، وقد تصل في بعض الحالات إلى اختناق الأسماك ونفوقها. وأضاف أن نفوق كميات كبيرة من الطحالب والأسماك والكائنات البحرية ثم تحللها يمكن أن يؤدي بدوره إلى ظهور روائح كريهة وملحوظة بالقرب من الشواطئ، إلا أنه شدد في الوقت نفسه على أن وجود رائحة كريهة على الشاطئ لا يعني تلقائيًا حدوث ظاهرة المد الأحمر، إذ يمكن أن تكون الرائحة ناتجة عن تصريف مياه صرف صحي غير معالجة، أو عن تحلل مواد عضوية، أو عن مجموعة من العوامل مجتمعة في الوقت نفسه. وأكد زباري أن الوصول إلى السبب الحقيقي وراء أي حالة من حالات الروائح الساحلية لا يمكن أن يعتمد على الرائحة وحدها، وإنما يتطلب فحص المياه في الموقع وتحليل المؤشرات البيئية المناسبة، بما يسمح بتحديد مصدر التغير بدقة والتمييز بين الظواهر الطبيعية ومصادر التلوث المرتبطة بالأنشطة البشرية. وشدد على أن فهم الروائح الساحلية في الخليج العربي يتطلب النظر إلى البيئة البحرية باعتبارها منظومة مترابطة تتأثر بطبيعة الخليج ودرجة حرارته وحركة مياهه، إلى جانب حجم الأنشطة الساحلية والصناعية والزراعية والملاحية، وهو ما يجعل الرصد والتحليل العلمي أساسًا للوصول إلى تشخيص دقيق لأي تغير يطرأ على الشواطئ. أكد الدكتور محمد آل مطير، خبير دراسات بيئية وتقييم بيئي استراتيجي، أن الروائح القوية التي قد تنبعث من بعض الشواطئ، ومنها أجزاء من سواحل الخليج العربي، تمثل ظاهرة بيئية يمكن أن ترتبط بأكثر من عامل، مشددا على أن تحديد أسبابها لا يمكن أن يستند إلى تفسير واحد ينطبق على جميع المواقع، وإنما يتطلب النظر إلى طبيعة كل منطقة والظروف البيئية المحيطة بها. وأوضح أن من أبرز الأسباب الطبيعية التي قد تؤدي إلى ظهور الروائح القوية تحلل الكائنات البحرية والطحالب والمواد العضوية التي تتجمع على الشاطئ، لافتاً إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وضعف حركة المياه في بعض المناطق قد يسهمان في تسريع عمليات التحلل وزيادة حدة الروائح الناتجة عنها، وأن تحلل هذه المواد يمكن أن ينتج عنه عدد من الغازات ذات الروائح النفاذة، فيما تصبح الرائحة أكثر وضوحاً في المناطق التي تعاني من ضعف التهوية أو محدودية تجدد المياه. وأشار آل مطير إلى أن الروائح الساحلية قد تكون في بعض الحالات مرتبطة أيضاً بمصادر بشرية، من بينها تصريف مياه الصرف الصحي أو المياه الملوثة، وتسرب بعض المخلفات السائلة، فضلاً عن تراكم النفايات المنزلية والبلاستيكية وبقايا الأنشطة البحرية والصيد، وأن اختلاط هذه المخلفات بالمواد العضوية، ثم تعرضها للتحلل، قد يؤدي إلى تدهور جودة البيئة الساحلية والإسهام في ظهور روائح غير مستحبة. وفيما يتعلق بإلقاء النفايات والمخلفات على الشواطئ، أوضح أن هذه المسألة تختلف من موقع إلى آخر، فقد تكون ناجمة عن ممارسات فردية، أو عن مخلفات مرتبطة بالأنشطة البحرية، كما يمكن أن تصل بعض النفايات إلى الشواطئ عبر مياه البحر والتيارات والرياح. ولذلك، شدد على أن تحديد مصدر التلوث في موقع بعينه يحتاج إلى فحص ميداني دقيق وتحليل عينات المياه والرواسب، إلى جانب تحديد طبيعة المواد المتراكمة ومصدرها المحتمل. وأكد أن التعامل مع ظاهرة الروائح الساحلية والحد من مسبباتها يتطلب تكثيف الرقابة البيئية، والعمل على منع تصريف الملوثات، ورفع مستوى النظافة وجمع المخلفات بصورة منتظمة، بالتوازي مع تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية المحافظة على السواحل باعتبارها منظومة بيئية تتأثر بالممارسات اليومية والأنشطة المختلفة. وشدد آل مطير على أهمية الرصد المستمر لجودة مياه البحر والرواسب، باعتباره أداة أساسية تساعد على اكتشاف مصادر التلوث وتحديد طبيعتها والتعامل معها في الوقت المناسب، بما يسهم في الحد من تفاقم آثارها على البيئة والصحة، ويحافظ على سلامة وجودة المناطق الساحلية. أكدت المهندسة شيخة الدوسري، من شركة الطاقة الخليجية للاستشارات البيئية، أن البحار والمناطق الساحلية تمثل أنظمة بيئية بالغة الأهمية، لما تتمتع به من تنوع حيوي وما تؤديه من أدوار أساسية في دعم الأنشطة البشرية والاقتصادية، مشيرة إلى أن ظهور روائح غير مرغوبة من مياه البحر في بعض المناطق الساحلية قد يكون مؤشراً يستدعي دراسة حالة المياه والتغيرات البيئية المحيطة بها، خصوصا مع تزايد الضغوط الناتجة عن التوسع العمراني والأنشطة البشرية على السواحل. وأوضحت أن زيادة الأنشطة البشرية في المناطق الساحلية قد تؤثر في خصائص المياه وجودتها، الأمر الذي يجعل فهم العوامل والعمليات البيئية المرتبطة بظهور الروائح أمراً مهماً عند تقييم الحالة البيئية للسواحل، كما أن الدراسات تشير إلى أن تصريف مياه الصرف الصحي يعد من المصادر المهمة للمغذيات، ولا سيما النيتروجين والفوسفور، في المياه الساحلية للخليج العربي، كما أظهرت دراسات أجريت في مناطق ساحلية بالمملكة ارتفاع بعض المغذيات بالقرب من مصبات مياه الصرف، إلى جانب تسجيل ارتفاع في مستويات الكلوروفيل «أ» في بعض المواقع وتغير المحتوى الميكروبي للمياه. وأضافت الدوسري أن الدراسات طويلة المدى في منطقة الخليج تدعم وجود تأثير للضغوط البشرية في مستويات المغذيات وخصائص البيئة الساحلية، ومن بين هذه الضغوط التوسع العمراني وتصريف مياه الصرف، موضحة أن زيادة المغذيات بصورة مفرطة قد تؤدي إلى ما يعرف بالإثراء الغذائي، الذي يعزز نمو العوالق النباتية وقد يسهم في حدوث ازدهارات طحلبية ضارة، وهي ظاهرة وثقت الدراسات تكرارها في البحار العربية، وأن موت جزء من الكتلة الطحلبية يؤدي إلى زيادة المواد العضوية والنشاط الميكروبي المصاحب لعملية التحلل، وهو ما يرفع استهلاك الأكسجين المذاب في المياه، وقد يتسبب في نشوء ظروف ناقصة الأكسجين، خاصة في المناطق الساحلية شبه المغلقة أو التي تعاني من ضعف تجدد المياه. وترى أن هذه العمليات البيئية يمكن أن تكون من العوامل التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند دراسة أسباب تغير خصائص المياه وظهور الروائح غير المرغوبة في بعض المناطق الساحلية. وشددت على أن تقييم ظاهرة الروائح الساحلية لا ينبغي أن ينحصر في ملاحظة الرائحة وحدها، وإنما يتطلب التعامل مع البيئة البحرية باعتبارها منظومة متكاملة، من خلال المراقبة المنتظمة لمصادر التصريف، ومستويات المغذيات، ونشاط ونمو الطحالب، إلى جانب قياس مستويات الأكسجين المذاب في المياه. وأكدت الدوسري أن هذا النوع من الرصد المستمر يتيح اكتشاف التغيرات البيئية في مراحلها المبكرة، ويساعد على تحديد المؤشرات غير الطبيعية قبل تفاقمها، بما يسمح باتخاذ الإجراءات البيئية المناسبة للحد من مسببات تدهور جودة المياه وتقليل احتمالية تكرار الظواهر المصاحبة لها، وأن المراقبة العلمية المستمرة تمثل أحد العناصر المهمة في دعم الإدارة البيئية وحماية جودة المياه والنظم البيئية الساحلية على المدى الطويل، خاصة في ظل تزايد الأنشطة البشرية والتوسع العمراني الذي يفرض ضغوطا متنامية على البيئات البحرية والساحلية.