فصل من سيرة ذاتية (١)

من مكتبات البطحاء إلى عالم الفكر.

الموقف من الحضارة كان إحساسي العميق بتخلفنا الحضاري قياسًا بتقدم الغرب؛ هو أحد القضايا الأساسية التي حَيَّرتني في مرحلة مبكرة من حياتي؛ فالتحولات التي عايَشَها جيلي والجيلُ الذي قبله؛ كانت تحولات حضارية نوعية هائلة؛ لذلك فإنه في تلك المرحلةٍ المبكرةٍ جدا من حياتي استفزتني وحيَّرتني الوثبةُ الحضاريةُ الأوروبيةُ؛ فبدلاً من البعير والحمار، وسيلةً للركوب والنقل، وبدلاً من السواني وسيلةً لري الزراعة؛ أصبحنا فجأةً أمام السيارة، والطائرة، والماكنة، والإذاعة، والراديو، والكهرباء، والبنوك، والمدارس، والجامعات، والمشافي؛ وما لا نهاية له من المؤسسات والمخترعات؛ ذات التعقيد المذهل، وقبل ذلك وبعده؛ الانفتاح العظيم لمسارات المعارف، والتقنيات، والانطلاق في كل الآفاق؛ لقد تبدل اتجاه حركة الحياة؛ فالعقل البشري محكومٌ باتجاه نشاطه، وبتصوراته عن ذاته، وبرؤاه عن الواقع، وبالاهتمام المحوري الذي يحركه، وبالتطلعات التي تؤجج أعماقه؛ بهذه التغيرات النوعية الهائلة؛ امتدت هيمنة أوروبا على العالم؛ فأذهلت العالم بهذه التحولات النوعية، وحين عرف العالم السر؛ تمكَّن أن يحقق في بضعة عقود ما لم يحققه الغرب إلا في قرون. لكني لم أدرك ذلك إلا فيما بعد. إن كل هذه التحولات النوعية وهذه المخترعات الباهرة قد وصِلَتْنا مكتملةً؛ من دون معرفة الخطوات الطويلة التدريجية التي أدت إلى التوصُّل إليها، ومن غير معرفة سياقها التاريخي الممتد والمضطرب؛ كانت بتعقيداتها الهائلة، وباكتمالها المذهل، وبروعتها النهائية؛ تَحجب مسارات التعثر الطويل، وتُخفي المحاولات الفاشلة، والإخفاقات المتكررة؛ إن مراحل البناء الأوروبي، ونقاط القوة المتباعدة زمانًا ومكانًا؛ قد تَجَمَّعت خلال زمن طويل ممعن في طوله، وكثرة ما فيه من إخفاق وتعثُّر؛ لكن المُنتَج النهائي الباهر لا يشير إلى ذلك؛ إن هذه المنجزات وهذه المخترعات وهذه التحولات النوعية؛ تُوهِم لأول وهلة بأن الإنسان الأوروبي كائنٌ خارق؛ خصوصًا وأني وقتها ما زلت صغير السن؛ في مرحلة البدايات المعرفية؛ لذلك كان إحساسي بالفارق الحضاري مع الغرب؛ قويًّا وضاغطًا ومثيرًا ومستفزًّا ومحيِّرًا؛ فاندفعتُ في البحث الملح، والاستقصاء الفاحص المدقِّق؛ لمعرفة العوامل التي أكسبتْ أوروبا ذلك التميُّز العجيب الباهر؛ لقد غمرني بسبب ذلك إحساسٌ عميق بالجوع المعرفي؛ ومن ذلك الاحساس القوي المبكر تَكَوَّنت علاقتي الحميمة مع الكتاب؛ فصار هو رفيقي الدائم؛ وأمستْ الحقيقةُ والمعرفةُ الموضوعية؛ هي عندي القيمة الأولى، إنها القيمة المحرِّكة للتفكير والسلوك، وباتتْ القراءة هي متعتي الأساسية الكبرى المتجددة، وبِتُّ أعيش بين الكتب؛ أنام محاطًا بالكتب، وأصحو على رائحة الكتب؛ وطول حياتي ظلت رائحة الكتب أجمل عندي من أفخر العطور، وأصبحتُ أرى بأن المحرومين من مصاحَبَة الكتب قد حَرموا أنفسهم من أروع وأرفع وأشهى وأنفع وأدوم مسَرَّات الحياة. الجوع المعرفي وصحبة الكتاب في بداية مسيرة البحث وجدتُ الكتب التي تحاول أن تبرهن بأن حضارة الغرب لم تحقق تحولاتها إلا بما أخذته عن الحضارة الإسلامية؛ ففي البداية ابتهجت بهذا الوهم؛ فأصبحت ألتقط أي كتاب يمجد حضارتنا؛ فكوَّنتُ مكتبة كبيرة من هذه الكتب مثل كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب) للألمانية زيغريد هونكه. وكتاب (حضارة العرب) للمفكر الفرنسي غوستاف لوبون. ومؤلفات الدكتور عمر فروخ فقد دَرَسَ وتعلَّم في ألمانيا وعاد أشد اعتزازًا وأقوى اندفاعًا لإثبات السبق العربي؛ فألَّف عددًا من الكتب منها (تاريخ الفكر العربي) و(تاريخ العلوم عند العرب) و(عبقرية العرب في العلوم والفلسفة) ومثله اندفاعًا في تأكيد السبق العربي؛ الدكتور علي الدفَّاع في مؤلفاته المفَصَّلة عن علماء الرياضات العرب. ومؤلفات الدكتور محمد عبدالرحمن مرحبا. ومؤلفات الدكتور علي سامي النشار والدكتور كمال اليازجي والدكتور حنا الفاخوري والدكتور خليل الجر والدكتور فاضل الطائي والدكتور جورج صليبا والدكتور ناجي معروف والدكتور أحمد عبدالباقي والدكتور عبدالرحمن بدوي والدكتور إبراهيم مدكور والدكتور ماجد فخري والدكتور مصطفى عبدالرزاق والدكتور مصطفى السباعي وجلال مظهر وإسماعيل مظهر. لقد تابعتُ الكتب التي تؤكد السبق العربي وآخرها كتاب (فضل الأندلس على ثقافة الغرب) تأليف خوان فيرنيت، والكتاب الذي أصدرته اليونسكو بعنوان (أثر العرب والإسلام في النهضة الأوروبية) وقد أسهم في كتابة فصوله الدكتور محمد كامل حسين والدكتور عبدالحليم منتصر والدكتور حسن فوزي وآخرون. والكتاب من إعداد الدكتورة سهير القلماوي والدكتور محمود علي مكي. كما اقتنيت وقرأت بشغف مؤلفات محمد أسد (ليوبولد فايس) واستمتعت وتأثرت بكتابه (الطريق إلى الإسلام) كما تابعتُ نتائج فورة المؤتمرات الفكرية والندوات والمؤلفات التي تتابعتْ؛ عن ابن رشد وعن ابن خلدون وعن الفكر العربي، وعن الفكر الفلسفي الإسلامي فتكوَّنتْ لديَّ مكتبةٌ كاملة تضم آلاف الكتب؛ التي تمجد الحضارة الإسلامية، وتَدَّعي أن أوروبا بوثبتها الهائلة كانت نتاجًا لنا؛ !!! وأن حضارتنا كانت هي المحرك والباعث للتحولات الأوروبية؛ إن هذه الكتب تشغل الآن عددًا من الدواليب وتمثل جناحًا في مكتبتي الخاصة الضخمة التي تَشْغَل كل البيت وتَحجب كل الجدران ولا تترك في البيت فراغًا؛ لكن كل الكتب التي أمعنتْ في تمجيد الذات؛ وفي اتهام أوروبا بأنها مجرد ناقل ومقلد؛ لم تقنعني ولم تطفئ حريق التساؤلات؛ لأن هؤلاء الذين نتمدح بهم؛ قد نبذناهم، ونبذنا من يتابعهم، أو يميل إليهم؛ لذلك بقيتُ أركض أبحث عن كُتبٍ مترجَمة؛ تجيب على تساؤلاتي الحارقة؛ فقد وجدتُ أننا نحن العرب؛ في الماضي كما في الحاضر؛ قد حاربنا فلاسفتنا، وأقصينا مفكرينا؛ ابتداء بالكندي ونهايةً بطه حسين؛ فالرواد المسلمون الذين أسهموا في إشعال النهضة الأوروبية؛ وعلى رأسهم ابن رشد؛ كانوا عندنا منبوذين وغير معترَفٍ بهم؛ فكيف نفاخر بمن نبذناهم وأقصيناهم وحاربنا أفكارهم؛ وبقيتُ أتساءل: لماذا كان تأثيرهم في المجتمع العربي عقيما بل سلبيًّا؛ بينما كان تأثيرهم في المجتمعات الأوروبية مُنتجًا وإيجابيًّا ؟!!. الريادة والاستجابة وتَوَصَّلتُ إلى أن الأفراد الخارقين أمثال المعري، والمتنبي، وابن رشد، وابن الهيثم، وابن النفيس؛ يَظهَرون في كل المجتمعات لكن الخلل مَصْدَره رَفْض المجتمع للرواد الخارقين؛ فالإقلاع الحضاري ينهض على جناحين: جناح الريادات الفردية الخارقة، وجناح الاستجابة الاجتماعية الإيجابية الكافية؛ وقد برهنتُ على ذلك في كتابي (الريادة والاستجابة) إن الأفراد الخارقين يَظهرون في كل المجتمعات؛ فإن استُجيب لهم إيجابيا فإن التغيُّر الإيجابي يتحقق، أما إذا كانت الاستجابة سلبية؛ فإن المجتمع يبقى على تخلفه وانغلاقه. فيُسَجَّل هذا الموقف السلبي نقيصةً وليست مَنْقَبة؛ إن رفض الرواد فضيحة ثقافية وليست فضيلة ولا مزية؛ فلا يصح الافتخار بمن تم نبذهم ووصْمهم بالتجديف وبالزندقة؛ ولأن أوروبا في الماضي قد استنارت بفلاسفتنا الذين نبذناهم؛ فإن الأوروبيين في هذا العصر يمكنهم أن يستفيدوا من الاضاءات الإبداعية المبثوثة في الثقافة العربية؛ وهذا الهدف هو الذي سعى إليه الدكتور محمد الشيخ في كتابه (كتاب الحكمة العربية: دليل التراث العربي إلى العالمية) لقد اختار ثلاثة عشر موضوعًا واستخلص موقف التراث من؛ الإنسان، والغَيْر، والصداقة، والغُرْبة، والحيرة، والحواس، والقراءة، والكتابة، والترجمة، والشُّهرة، والموت، والانفراد، والحَرْفية. إن الدكتور محمد الشيخ يريد أن يُقَدِّم للغرب وللعالم وجوهًا أخرى للثقافة العربية؛ إن الإبداعات الريادية الفردية ليست مشروطة ببيئآتها؛ فالمبدعون الخارقون؛ هم نتاجُ ذواتهم، وثمرةُ مواهبهم؛ فيأتون بما هو مغاير للسائد. إن الأفراد الرواد الخارقين في كل المجتمعات، وفي مختلف العصور؛ يَخْرِقون المألوف، ويتجاوزون السائد، ويأتون بما هو مغاير لما اعتاده المجتمع؛ إن اختراق الحواجز، وتجاوُز السائد؛ يؤدي إلى قفزة حضارية؛ إذا استُجيب له، لكن المجتمعات تظل تجتر ما توارثته واعتادت عليه؛ إنْ هي لم تستجب لروادها الخارقين. إنَّ الأفراد الخارقين هم مصْدر التحولات الحضارية في كل المجتمعات؛ إن الرواد يستمدون رؤاهم من خارج السائد؛ فالفلاسفة المسلمون؛ مثل الكندي وابن رشد والرازي؛ لم يستمدوا أفكارهم من الثقافة العربية بل تتلمذوا على الفكر اليوناني؛ ومثلما يبين أبرز أدباء العربية الجاحظ حيث يقول: ((لولا ما رسمتْ لنا الأوائل في كتبها، وخلَّدَتْ من عجيب حِكَمِها، ودوَّنَتْ من أنواع سيرها؛ حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها المستغلق علينا؛ فجمعنا إلى قليلنا كثيرَهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم؛ لقد خسَّ حظنا من الحكمة، وانقطع سببنا من المعرفة، وقصرتْ الهمَّة، وضعفت النية، فاعتقم الرأي، وماتت الخواطر، ونبا العقل)) إن أفرادًا مسلمين خارقين قد تتلمذوا على الفلسفة اليونانية فصاروا أعلامًا عظماء لكن البيئة الثقافية في المجتمعات الإسلامية؛ لم تكتف بعدم الاستجابة إيجابيا لأُولئك الرواد الخارقين؛ وإنما نبذتهم، وتبرأت منهم، وحذَّرت من أفكارهم، وما تزال الوصمة تلاحق أولئك العظماء في قبورهم وتلاحق من يهتم بهم. حين تحارب المجتمعات روادها لقد أسهم الفلاسفةُ المسلمون في استنارة أوروبا وكان للرشديين تأثيرٌ عميقٌ على الفكر الأوروبي في بدايات اليقظة. لكن الأفكار وحدها لا تُغير الأمم إلا إذا تبنتها سلطة تفرضها؛ فالمسيحية لم تنتشر حتى تبنتها الإمبراطورية الرومانية، والإسلام لم ينتشر حتى صار له دولة وسلطة وقوة، ومحمد بن عبدالوهاب حين أراد التغيير في نجد لم يذهب للوعظ في المساجد وإنما بَحَثَ عن أميرٍ يلتزم بنشر ما يريد نشره. إن المجتمعات لا تتغيَّر إلا بأفكار تتحول إلى أفعال؛ إن تحويل الأفكار إلى واقع لا يتحقق بالإقناع؛ وإنما يتحقق بواسطة سلطة تحيل الأفكار إلى واقع. إن الناس يقادون أو يقتنعون بنتائج عملية مثيرة كمغامرة كولمبس؛ إن الاندفاع العملي هو صانع التغيير إن الاندفاع والغليان والتفجر الذي طرأ على أوروبا بعد قرون من الجمود والتحجر لم يكن في بداياته ثمرةً لرؤى فلسفية، ولا نتيجة لاكتشافات علمية؛ بل كان نتيجة الضغط، والاندفاع، والمبادرات العملية الفردية الخارقة؛ وكما يؤكد المفكر المبدع النمساوي ستيفان زفايج في كتابه الذي بعنوان (ماجلان: قاهر البحار) حيث يؤكد أن أوروبا قد اعتراها غليانٌ فائر ودهشةٌ شديدة؛ بعد نجاح مغامرة كولمبس فيقول: ((أثار نجاح كولمبس دهشةً لا حدَّ لها في أوروبا؛ واستولى على الناس ميلٌ جنوني إلى المغامرة؛ فإن نجاح شخصٍ واحد؛ يثير دائمًا شجاعة معاصريه؛ فصار جميع الناس يريدون الآن الذهاب إلى العالم الجديد، وأخذ الحكَّام والتجار يُجهِّزون السفن)) ويوضح زفايج أن الناس قبل مغامرة كولمبس؛ كانوا يرفضون الانخراط في الرحلات البحرية الاستكشافية لكن الوضع تبدل جذريًّا بعد نجاح المغامرة وكما يقول زفايج: ((صار سكان القرى يزحفون جميعًا على الموانئ، وصارت الرحلات البحرية تتابع بلا انقطاع؛ وخلال عشرين أو ثلاثين سنة؛ ستَكتَشِف السفنُ الصغيرة التي أقلعت من لشبونة وقادش وبالوس؛ ما لم تكتشفه البشريةُ في كل العصور الخوالي؛ أخذ وجهُ العالم يتغيَّر سنةً بعد سنة وشهرًا بعد آخر؛ فما يكاد علماء الجغرافيا والرسامون؛ ينتهون من خريطة جديدة حتى يطرأ ما يدعو إلى تصحيحها؛ بسبب اكتشافٍ جديد)) ويضيف: ((في خمسين سنة؛ وُضِعَتْ القواعد الأساسية لجغرافيا العالم، وشَكْل الأرض؛ لأن البشرية قد اكتشفت أخيرًا الكرة الأرضية التي عاشت عليها منذ الأزل؛ وقد كان هذا العمل الهائل من صُنْع جيلٍ واحد من الناس؛ فإن بحَّارة ذلك الجيل قد تغلبوا على جميع الصعاب حتى شقوا الطريق لمن جاء بعدهم؛ وفَتَحَ مغامروه القارات والبحار؛ وحلَّ أبطاله كل العُقد أو جُلَّها)) لقد تضافرت عواملُ ضاغطة أدت إلى الاندفاع الأوروبي الذي أسفر في النهاية عن هذه التحولات الكبرى في الحضارة الإنسانية. وبهذا تتضح الأهمية القصوى للاندفاعات العملية؛ فهي التي تهز الوجدان، وتوقظ العقول، وتقدم النماذج الناطقة، وتفتح الآفاق؛ أما دور الأفكار والفلسفة والعلوم فيأتي لاحقًا. كيف نهضت أوروبا؟ وهكذا بعد البحث الممض تبينتْ لي الكيفيةُ التي حققتْ بها أوروبا تحولاتها النوعية الهائلة التي غَيَّرتْ بها العالم على النحو الذي فصَّلتُه في كتابي (الريادة والاستجابة) لقد برح الخفاءُ؛ فلم يكن الإنسان الغربي خارقًا، بل لم يكن مختلفًا عن أي إنسان في العالم؛ وإنما ظهر فيه أفرادٌ خارقون، ولظروف تاريخية؛ استجيب لهم إيجابيًّا؛ إنه بالتكامل بين الريادة الفردية الخارقة، والاستجابة الاجتماعية الكافية؛ تحققت تلك التحولات العظيمة. إن الإنسان الأوروبي خلال القرون الوسطى؛ ظل قابعًا خانعًا أكثر من عشرة قرون تتحكم به الكنيسة؛ فقارة أوروبا بأكملها بدولها وقادتها وناسها ومؤسساتها ظلت مستسلمة وخاضعة وخانعة وبائسة طيلة قرون الظلام؛ وقد عايش الشاعر والمفكر الإيطالي بترارك قرب نهاية القرون الوسطى وبداية النهضة فكتب يقول: ((إن سبات النسيان هذا لن يستمر إلى الأبد؛ وسوف يتمكن أحفادنا من العودة إلى الماضي المشرق؛ بعد تبديد الظلام)) وكما يقول جوناثان هولسلاغ في كتابه (ثلاثة آلاف عام من الحرب): ((استمر الظلام مخيمًّا)) كانت الكنيسة تتحكم بأوروبا تَحَكُّمًا خانقًا وحارقًا ومُنيمًا؛ ومثلما يقول ول ديورانت: ((لم تكن محاكم التفتيش؛ لتجد أدنى صعوبة في العثور على نصوص تَوراتية؛ تجيز الحكم بالموت على الهرطقة والمهرطقين؛ فيُحرَقون أحياء، وتصادَر ممتلكاتهم، ويُحرَم ورثتهم من ميراثهم، ويُعتَبَر أبناؤهم؛ غير مؤهلين لإشغال أية وظيفة ذات راتب أو منصب رفيع، كما كان يصار إلى هدم منازل المجدفين؛ على أن لا يعاد بناؤها أبدًا؛ وهكذا اتحدت الدولة والكنيسة معًا في هجومٍ مذعور شُنَّ على البدع والهرطقات)) هكذا عاشت أوروبا قرونًا ممتدة حالكة الظلام؛ ولكن الضغط التركي، وانسداد الآفاق في وجه أوروبا، ومبادرة كولمبس ونجاح مغامرته المثيرة، وما أحدثته من دهشة عامة، وغليان شامل؛ بكل ذلك تغيَّر اتجاه الحركة، وتبدَّلت الاهتمامات في أوروبا، ثم حصل انشقاق مارتن لوثر على الكنيسة؛ وقبل ذلك تم اختراع المطبعة فأُتيح نشر المعرفة، كما اكتشف كوبرنيكوس أن الأرض ليست مركز الكون؛ فاهتزت القناعات، واندلعت التساؤلات؛ وبدأت مكانة الكنيسة تتضعضع؛ وارتخت قبضتها؛ فانفتح المجال ليتَحرَّر العقلُ الأوروبي تحرُّرًا نسبيًّا من قبضة الكنيسة وعاد إلى التراث الإغريقي؛ لقد امتدت اكتشافات أوروبا إلى كل أنحاء الأرض، ومضت في مواصلة إنجازاتها العلمية والتقنية والاجتماعية والسياسية التي مكنتها من أن تستعمر العالم، وأن تبسط هيمنتها شرقًا وغربًا؛ وأن تكتشف وتضيف إلى العالم المعروف ثلاث قارات كان العالم القديم يجهلها جهلاً تامًّا؛ وهي أمريكا الشمالية، وأمريكا الجنوبية وأستراليا، وكذلك القطب المتجمد الجنوبي والقطب المتجمد الشمالي؛ أي أن العالم القديم كان يجهل نصف مساحة الأرض؛ فحدود العالم القديم كانت تقف عند آسيا وإفريقيا وأوروبا. من الظلام إلى الانعتاق إن معرفة أن الأوروبيين؛ قبل إفاقتهم؛ قد خضعوا أكثر من عشرة قرون؛ لتخلُّفٍ شديد، وكانوا غارقين في الانغلاق الفظيع، والتحجُّر المُقْعِد؛ ثم حصلت ظروفٌ تاريخيةٌ؛ حررتهم من قبضة الكنيسة الخانقة؛ فانطلقوا بذلك العنفوان المتأجج المندفع؛ حين انعتقوا من الأغلال؛ إن هذه المعرفة تَفتح الآفاق لكل المجتمعات، ولكل الأمم الأخرى؛ فالذين أنجزوا هذه التغيرات العظيمة؛ قد عاشوا قرونًا ممتدة في سباتٍ عميق، وجهلٍ مُطْبق، وتخلُّفٍ ممتد، وخنوعٍ مزرٍ؛ فالفورة الأوروبية كانت نتاج عوامل تاريخية وظروف جغرافية؛ فالتغيُّر الأوروبي في البدايات لم يكن علميًّا، ولا فكريًّا، ولا سريعًا؛ وإنما كان عمليا، كان اندفاعًا خلاَّقًا؛ وهو لم يأت على شكل وثبة خارقة، أو طفرة إعجازية، وإنما التحولات الأوروبية قد استغرق تحقيقها قرونًا مليئة بالكدح وبالتعثُّر؛ إنها قرونٌ مليئةٌ بالاندفاعات، والمحاولات، والاخفاقات، والتجارب، والأخطاء؛ إن الأفراد الرواد والمغامرين والفاتحين والمخترعين الذين تغيرت بهم أوروبا ثم الحياة الإنسانية؛ قد كانوا مندفعين تلقائيًّا لإنجاز ما أنجزوه ولم يكونوا إنتاجًا تعليميًّا، ولا ضمن خطة عامة؛ لقد كان المخترعون في عزلة تامة عن التعليم ولم تأت أعمالهم ضمن أي خطط رسمية وربما مات أكثرهم من دون أن يستفيد مما أنجزه وربما مات مغمورًا لم ينل في حياته الاعتراف والتمجيد الذي يستحقه. حتى مغامرة كولمبس الفاصلة؛ لم تكن جزءًا من خطة مسبقة؛ بل كانت مبادرة فردية ممعنة في فرديتها، فقد بقي سنوات مضجرة وهو يحاول إقناع مَن يمول مغامرته الفاتحة؛ كما أن إشعال الثورة الصناعية بواسطة رتشارد آركرايت وجيمس وات؛ بما عنته من تحولات نوعية فارقة؛ لم تأت ضمن أية خطة عامة؛ ولا ضمن هيئة علمية؛ وإنما كانت مبادرات فردية خارقة. إن الرواد الخارقين يخرجون في كل المجتمعات؛ فالفارق يجيء من فارق الاستجابة للأفراد الخارقين. إن أوروبا كغيرها كانت تحارب الرواد الخارقين بل كانت تحرقهم وهم أحياء؛ لكن الظروف الضاغطة بَدَّلت الحال. إننا حين نقرأ ما عاناه كولمبس للحصول على التجهيز وما كابده ماجلان؛ نجد أن التحولات قد انفتحت آفاقها بفرديات خارقة ومثلما يقول ستيفان زيفايج عن ماجلان: ((الذي نعلمه أن اقتراح ماجلان لم يَرُق للقائمين على المؤسسة، وأن الاخصائيين الفنيين؛ لم يوافقوا على مشروعه؛ فاضطر ماجلان أن ينفذه كما تُنَفَّذ الأعمال الخارقة في التاريخ؛ لا بمساعدة السلطات المختصة بل بدونها وبالرغم منها)) ويقول زيفايج: ((إن العصور التي تتصف بالأعمال المجيدة؛ كثيرًا ما تنقصها المشاعر الإنسانية الرفيعة؛ فإن أولئك المغامرين الذين وهبوا لإسبانيا وللبرتغال دنيا جديدة؛ لم يلاقوا مكافأة على ما جاهدوا وصنعوا)) هكذا هي الأمور؛ سيئة، ومظلمة، وغير عادلة، وليست بالعَظَمة، ولا بالاستنارة التي كنتُ أتخيَّلُها في مرحلة المراهقة.