باحث سعودي يدرس جغرافيا القرآن الكريم ويوثق المسارات النبوية..

د.عبدالله القاضي: التحول العمراني الحديث .

يُعد الأستاذ الدكتور عبدالله بن حسين القاضي أحد أبرز الباحثين السعوديين في الجغرافيا التاريخية والمسارات النبوية، حيث جمع بين تخصصه الأكاديمي في التخطيط الحضري والإقليمي وشغفه بالبحث الميداني، لينتج مشروعًا علميًا امتد لأكثر من ثلاثة عقود في دراسة الطرق التاريخية ومسارات الحركة والتجمعات البشرية والعلاقة بين الإنسان والمكان عبر الجزيرة العربية. وقد أسهمت أبحاثه الميدانية في توثيق المسارات النبوية والتاريخية، وإعادة اكتشاف الأميال الحجرية، ودراسة الاتجاهات الجغرافية في القرآن الكريم، وتطوير أول خريطة رقمية لطريق الهجرة النبوية، التي أصبحت نواةً لمشروع بحثي شمل أكثر من خمسين مسارًا نبويًا وتاريخيًا. حصل الدكتور القاضي على درجة الدكتوراه من جامعة بورتلاند بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1996م، وعمل أستاذًا للتخطيط الحضري والإقليمي بجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، كما شغل عددًا من المناصب الأكاديمية والقيادية، من أبرزها وكالة الجامعة للدراسات والتطوير وخدمة المجتمع. وأصدر عددًا من المؤلفات والدراسات المتخصصة، من أبرزها: «الهجرة النبوية المصورة»، و»الأميال الحجرية»، و»درب الأنبياء: طريق الحج النبوي»، و»القصواء». وتندرج هذه الأعمال ضمن مشروعه المعرفي «زمكنة»، الذي يوظف العلاقة بين الزمان والمكان والثقافة لتقديم التاريخ والتراث بأساليب معاصرة تربط المعرفة بالإنسان والمجتمع. في هذا الحوار، تلتقي «اليمامة» بالأستاذ الدكتور عبدالله القاضي للحديث عن رحلته البحثية، وأبرز اكتشافاته، ورؤيته للعلاقة بين الزمان والمكان والثقافة في قراءة التاريخ واستشراف المستقبل. * دُشّن كتابكم «درب الأنبياء: طريق الحج النبوي» برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة المدينة المنورة، بوصفه امتدادًا لمشروعكم في دراسة المسارات النبوية والتاريخية. كيف بدأت هذه الرحلة؟ وما الذي جعل الهجرة النبوية نقطة الانطلاق لمشروعكم البحثي؟ لم تبدأ الرحلة مع الهجرة النبوية بقدر ما بدأت مع اهتمامي الأكاديمي بالعلاقة بين الإنسان والمكان. فبحكم تخصصي في التخطيط الحضري والإقليمي، كنت أرى أن فهم المجتمعات البشرية لا يقتصر على دراسة المدن والمستوطنات، بل يشمل أيضًا الطرق والمسارات التي ربطت بينها، وكيف أثرت الجغرافيا في حركة الإنسان واستقراره عبر التاريخ. ومن هنا وجدت في الهجرة النبوية نموذجًا استثنائيًا يجمع بين الزمان والمكان والثقافة في حدث واحد. وعندما بدأت مراجعة المصادر والنزول إلى الميدان، لفت انتباهي أن كثيرًا من المواقع والمسارات المرتبطة بالسيرة النبوية كانت تُتداول بوصفها معلومات تاريخية عامة، دون تحقيق ميداني يربط الرواية بالواقع الجغرافي. كان هدفي فهم هذه الأحداث في سياقها المكاني الحقيقي، وتحويل جغرافيا السيرة إلى مواقع ومسارات موثقة ميدانيًا. ومع مرور الوقت، تجاوزت الرحلة طريق الهجرة النبوية لتشمل أكثر من خمسين مسارًا نبويًا وتاريخيًا، في مشروع بحثي امتد لأكثر من ثلاثة عقود، وما يزال يكشف أبعادًا جديدة للعلاقة بين الإنسان والمكان عبر التاريخ. التكامل العلمي * اعتمد مشروعكم على منهجية جمعت بين المصادر التاريخية والعمل الميداني والتحليل المكاني. كيف تشكلت هذه المنهجية؟ وما أبرز المصادر والأدوات التي استندتم إليها في توثيق المسارات النبوية وتحليلها؟ ** تشكلت هذه المنهجية من قناعة مبكرة بأن دراسة المسارات التاريخية لا يمكن أن تعتمد على المصادر المكتوبة وحدها، كما لا يمكن أن تكتفي بالمشاهدة الميدانية، بل لا بد من الجمع بينهما للوصول إلى نتائج علمية أكثر دقة. لذلك كان الهدف دائماً بناء جسر يربط بين الرواية التاريخية والشاهد الجغرافي. ولهذا اعتمدت على طيف واسع من المصادر، في مقدمتها القرآن الكريم، إلى جانب كتب السيرة والتاريخ والجغرافيا والبلدان والرحلات، والخرائط التاريخية والكروكيات القديمة، وأعمال عدد من الباحثين والرحالة والجغرافيين الذين وثقوا أجزاءً من هذه المسارات عبر العصور. وقد أسهم هذا التكامل بين النصوص الشرعية والمصادر التاريخية والتحليل المكاني في الوصول إلى نتائج علمية متعددة، من بينها دراسات الاتجاهات الجغرافية في القرآن الكريم، التي فتحت آفاقاً جديدة لفهم الدلالات المكانية الواردة في النص القرآني. ثم تأتي مرحلة التحقق الميداني، باستخدام تقنيات نظم المعلومات الجغرافية (GIS) وأنظمة تحديد المواقع (GPS)، لدراسة التضاريس والعلاقة بين المواقع، ومقارنة ذلك بالروايات التاريخية. وكثيرًا ما كانت الملاحظات الميدانية تقود إلى إعادة قراءة المصادر، حتى تتكامل الرواية مع الواقع الجغرافي، وهو ما منح هذه الدراسات بُعدها التاريخي والمكاني في آنٍ واحد. الأميال الحجرية * قادتكم الدراسات الميدانية إلى إعادة اكتشاف الأميال الحجرية، التي تمثل أحد أبرز إنجازاتكم البحثية. كيف بدأت هذه الرحلة؟ وما أهم النتائج التي كشفتها حول منظومة قياس المسافات عند العرب؟ ** بدأت رحلة «الأميال الحجرية» أثناء عملي الميداني على طريق الهجرة النبوية، عندما لفت انتباهي تكرار أحجار تحمل علامات مميزة على امتداد الطريق. ومع توثيقها ومقارنتها بالمصادر التاريخية والخرائط القديمة، تبلورت قناعة بأنها معالم وضعت للدلالة على المسافات والاتجاهات وإرشاد المسافرين عبر الطرق التاريخية. وأسفرت الدراسة عن توثيق 55 معلماً بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، بعضها يسبق الإسلام، كما قادت إلى تحديد «الميل العربي» ميدانياً بما يعادل نحو 1609 أمتار، وهو ما كشف عن منظومة دقيقة لقياس المسافات اعتمدها العرب والمسلمون في إدارة الطرق والأسفار عبر قرون طويلة. ولأن هذه النتائج تتجاوز التاريخ المحلي، حرصنا على إصدار الكتاب باللغتين العربية والإنجليزية، إيماناً بأن تاريخ الطرق والمسافات يمثل جزءاً من التراث الإنساني المشترك، ومن المهم إتاحته للباحثين والمهتمين داخل العالم العربي وخارجه. * ومن نتائج أبحاثكم أيضاً دراستكم للاتجاهات الجغرافية في القرآن الكريم، التي تناولت الدلالات المكانية الواردة في النص القرآني في ضوء البيئة العربية. ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها؟ وكيف يمكن أن تسهم في فهم هذه الدلالات بصورة أدق؟ ** جاءت هذه الدراسة امتداداً للاهتمام بالعلاقة بين النص والمكان، وانطلقت من ملاحظة أن كثيراً من الدلالات الجغرافية الواردة في القرآن الكريم تُفسَّر اليوم وفق المفاهيم الجغرافية الحديثة، بينما نزل القرآن في بيئة عربية لها مرجعيتها المكانية وأسلوبها الخاص في التعبير عن الجهات والاتجاهات. ومن خلال الجمع بين النص القرآني، واللغة العربية، والدراسة الميدانية، والتحليل الجغرافي، توصلنا إلى أن الشرق يمثل الاتجاه المرجعي الذي تُفهم في ضوئه كثير من الدلالات المكانية الواردة في القرآن الكريم، وهو ما يساعد على قراءة هذه النصوص في سياقها اللغوي والجغرافي الذي نزلت فيه، ويكشف جانباً من دقة التعبير القرآني واتساقه مع الواقع المكاني. وأعتقد أن هذه الدراسة تؤكد أهمية التكامل بين العلوم الشرعية واللغوية والجغرافية، لأن المكان ليس عنصراً ثانوياً في القرآن الكريم، بل جزء من السياق الذي تتشكل من خلاله كثير من المعاني والدلالات. * يُعد كتاب «الهجرة النبوية المصورة» من أبرز مؤلفاتكم، ويمثل ثمرة سنوات طويلة من البحث الميداني. كيف تطور هذا المشروع حتى أصبح أول توثيق ميداني ومصور لمعالم طريق الهجرة النبوية؟ ** لم يكن كتاب «الهجرة النبوية المصورة» نقطة البداية، بل جاء ثمرة سلسلة من الدراسات التي سبقت صدوره بعدة سنوات. فقد بدأت الرحلة بتحليل روايات طريق الهجرة النبوية في المصادر التاريخية، وجمع الروايات الرئيسة ومقارنتها بالمعالم الواردة فيها، ثم دراسة المحاولات السابقة لرسم الطريق ومراجعة الخرائط التاريخية والمعاصرة. ومع استمرار العمل الميداني، أُنجزت أول خريطة رقمية متكاملة لمعالم طريق الهجرة النبوية باستخدام تقنيات نظم المعلومات الجغرافية وأنظمة تحديد المواقع، وربطت معالم الطريق بإحداثيات دقيقة يمكن التحقق منها ميدانياً. وعندما اكتملت الصورة العلمية للمسار، صدر كتاب «الهجرة النبوية المصورة» عام 2013 ليقدم أول توثيق ميداني ومصور لمعالم طريق الهجرة النبوية، جامعًا بين الرواية التاريخية والواقع الجغرافي في قالب معرفي موثق. وقد شكّل هذا العمل وما سبقه من أعمال أساسًا علميًا لعدد من المبادرات والمشروعات اللاحقة، ومن أبرزها مشروع «على خطاه»، الذي تشرفت بالمشاركة فيه منذ مراحله الأولى مستشارًا تخطيطيًا وتاريخيًا، وأسهمت الدراسات التي أنجزناها حول طريق الهجرة النبوية في بناء محتواه العلمي والإثرائي حتى وصل إلى صورته الحالية. المسارات النبوية * قد تبدو دراسة المسارات النبوية عملاً تاريخياً بحتاً، لكنكم تربطونها دائماً بالإنسان والعمران والحياة اليومية. فما الذي يمكن أن نتعلمه اليوم من تلك المسارات؟ ** عند التأمل في المسارات التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لا نرى مجرد طرق تربط بين مواقع جغرافية، بل منظومة متكاملة تعكس فهماً عميقاً للعلاقة بين الإنسان والمكان. فقد بُنيت طرق السفر القديمة ووحدات قياس المسافات بما ينسجم مع قدرة الإنسان الطبيعية على الحركة والعمل والراحة، وهو ما يكشف عن وعي حضاري متقدم بتنظيم الحياة والتنقل. ومن خلال دراسة الأميال الحجرية ومنظومة القياس العربية، تبين أن وحدات مثل الميل والفرسخ والبريد والمرحلة لم تكن مجرد مقاييس للمسافات، بل كانت مرتبطة بإيقاع حركة الإنسان اليومية، بما يحقق التوازن بين الجهد والراحة أثناء السفر والعمل. وهذا هو الدرس الأهم بالنسبة لي؛ فهذه الدراسات لا تعيد قراءة السيرة النبوية فحسب، بل تقدم مبادئ ما تزال صالحة اليوم في تخطيط المدن، وتصميم الأحياء، وتنظيم الحركة، وإعادة بناء العلاقة المتوازنة بين الإنسان والمكان. * بحكم تخصصكم في التخطيط الحضري والإقليمي، كيف تقيمون التحولات العمرانية التي تشهدها المملكة اليوم؟ وما أبرز ما يلفت انتباهكم في جهود تحسين جودة الحياة وتعزيز العلاقة بين الإنسان والمكان؟ ** أرى أن المملكة تعيش اليوم واحدة من أهم مراحل التحول العمراني في تاريخها الحديث، واللافت أن هذا التحول لا يقتصر على تطوير المباني أو تحسين المشهد الحضري، بل يمتد إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمكان، وهو ما أعدّه جوهر التنمية العمرانية الناجحة. ويظهر ذلك في التركيز المتزايد على جودة الحياة، وتهيئة بيئات أكثر ملاءمة للمشي والتفاعل الاجتماعي، والاستفادة من الهوية المحلية والعناصر الطبيعية لكل مدينة، بما يجعل الفضاءات العامة جزءًا فاعلًا من الحياة اليومية، لا مجرد مساحات بين المباني. ومن النماذج المميزة ما تشهده المدينة المنورة من تطوير لمسارات المشاة التي تربط المواقع التاريخية والدينية والثقافية، بما يتيح للزائر والسكان تجربة أكثر ثراءً في التفاعل مع المكان، ويعكس توجهاً يربط التراث بالتخطيط الحضري الحديث. وأعتقد أن ما يميز التجربة السعودية اليوم هو قدرتها على تحقيق التوازن بين التطوير العمراني والهوية المكانية، وهو ما يسهم في بناء مدن أكثر استدامة، ويعزز مستهدفات رؤية المملكة 2030 في جودة الحياة والارتقاء بالبيئة الحضرية. * يشيع اليوم استخدام مصطلح «أنسنة المدن»، بينما لكم رؤية مختلفة حول هذا المفهوم. كيف تنظرون إليه؟ وما الهدف الذي ينبغي أن تسعى إليه المدن في علاقتها بالإنسان؟ ** في الحقيقة أتحفظ إلى حد ما على مصطلح «أنسنة المدن» بصيغته المتداولة، لأنه يوحي وكأن المدن لم تُبنَ للإنسان في الأصل، بينما الحقيقة أن المدن التقليدية قامت أساسًا على احتياجات الإنسان وقدرته على الحركة والتفاعل والوصول إلى الخدمات، وكان الإنسان هو المرجع في تشكيل الأحياء والأسواق وشبكات الحركة. وما حدث خلال القرن الماضي، مع هيمنة المركبات على التخطيط العمراني، أوجد حاجة إلى إعادة التوازن بين الإنسان والمدينة، أكثر من الحاجة إلى «أنسنة» المدينة. ولذلك أميل إلى استخدام تعبير «إنسانية المدن»، لأنه يعبر عن استعادة البعد الإنساني الذي قامت عليه المدن منذ نشأتها. ومن هذا المنطلق، فإن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على تحسين المشهد الحضري، بل على بناء مدن تحافظ على إنسانيتها، وتحقق توازناً بين احتياجات الإنسان ومتطلبات التنمية الحديثة، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الحياة واستدامة المدن. توظيف التقنية * امتدت منهجيتكم البحثية من توثيق المسارات النبوية إلى مشروع جديد يربط الآيات القرآنية بسياقاتها المكانية. كيف نشأت هذه الفكرة؟ وما الذي تضيفه لفهم النص القرآني؟ **يمثل هذا المشروع امتداداً طبيعياً للدراسات التي بدأناها في المسارات النبوية، فإذا كانت تلك الدراسات تربط الروايات التاريخية بالمواقع الجغرافية، فإن مشروع أماكن تنزل آيات القرآن يسعى إلى ربط الآيات القرآنية بالأماكن التي نزلت فيها أو ارتبطت بأحداثها، بما يعمق فهم السياق المكاني للنص القرآني. واعتمدنا في ذلك على المنهجية نفسها التي طُبقت في مشروعات الهجرة والمسارات النبوية، من خلال جمع المصادر، وتحليل الروايات، وربطها بالميدان والإحداثيات الجغرافية الدقيقة، للوصول إلى قراءة أكثر تكاملاً للعلاقة بين النص والمكان. ونأمل أن تتحول مخرجات هذا المشروع إلى خرائط ومنصات رقمية تفاعلية، تتيح للباحثين والمهتمين استكشاف البعد المكاني للقرآن الكريم، في خطوة جديدة لتوظيف التقنية في خدمة المعرفة الإسلامية. * بعد سنوات من البحث الميداني وإنتاج الخرائط والمؤلفات، أطلقتم تطبيق «هسلو» ليقدم تجربة رقمية تفاعلية للمواقع والمسارات التاريخية. كيف نشأت فكرة التطبيق؟ وما الذي يميزه عن غيره من التطبيقات المعرفية والسياحية؟ **جاءت فكرة «هسلو» من قناعة بأن المعرفة لا ينبغي أن تبقى حبيسة الكتب والدراسات الأكاديمية، بل يجب أن تتحول إلى تجربة يستطيع الإنسان أن يعيشها ويتفاعل معها. فبعد سنوات من البحث الميداني وإنتاج الخرائط الرقمية، كان السؤال الذي يشغلني دائماً: كيف يمكن إيصال هذه المعرفة إلى الناس بصورة أكثر سهولة وتفاعلاً؟ ومن هنا انطلق «هسلو» عام 2014 ليكون منصة تقنية متخصصة في ربط المواقع والمسارات التاريخية بالمحتوى الرقمي، من خلال الخرائط الذكية وتقنيات الواقع المعزز والتجارب التفاعلية، بحيث لا يكتفي المستخدم بمعرفة موقع الحدث، بل يتعرف على أبعاده التاريخية والثقافية أثناء وجوده في المكان نفسه. وقد توسع التطبيق ليصبح بيئة تقنية تخدم الباحثين والمرشدين السياحيين والجهات الثقافية، وتحول الموقع التاريخي من نقطة على الخريطة إلى تجربة معرفية متكاملة. أما المحتوى العلمي الذي يُعرض من خلال هذه البيئة التقنية، فقد أصبح اليوم يُنتج ويُطوَّر ضمن مبادرة «زمكنة»، التي تعنى ببناء المحتوى المعرفي المرتبط بالزمان والمكان والثقافة، بينما يمثل «هسلو» إحدى المنصات التقنية التي تسهم في إيصال هذا المحتوى إلى المستخدم بصورة تفاعلية. مشروع القصواء * بعد سنوات من توثيق المواقع والمسارات النبوية، اتجهتم في مشروع «القصواء» إلى تقديم السيرة النبوية من زاوية سردية مختلفة، من خلال الناقة التي رافقت النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة والحج وعدد من المحطات المفصلية في حياته. كيف نشأت هذه الفكرة؟ وما الرسالة التي أردتم إيصالها من خلالها؟ ** طوال سنوات عملي في دراسة المسارات النبوية كنت أبحث في الطرق والمواقع والأحداث، لكنني كنت أدرك دائماً أن خلف كل موقع قصة، وخلف كل قصة تجربة إنسانية تستحق أن تُروى. ومن هنا جاءت فكرة «القصواء». فالقصواء لم تكن مجرد ناقة ركبها النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانت شاهدة على عدد من أهم محطات السيرة النبوية؛ رافقته في الهجرة، وحملت رحاله في الأسفار، وشهدت حجة الوداع، وحضرت مواقف صنعت تاريخ الأمة الإسلامية. وعندما جمعت الروايات المتعلقة بها، وجدت أنها تقدم خيطاً سردياً فريداً يمكن من خلاله إعادة قراءة السيرة النبوية وجغرافيتها بأسلوب مختلف. وسَعَينا في هذا المشروع إلى الجمع بين التوثيق التاريخي والسرد الإنساني، لأن الإنسان بطبيعته يتفاعل مع القصة أكثر مما يتفاعل مع المعلومة المجردة. فالغاية لم تكن رواية أحداث السيرة فحسب، بل تمكين القارئ من معايشة تلك الأحداث واستشعار أبعادها الإنسانية. وأعتقد أن هذا هو الامتداد الطبيعي لمشروعاتنا السابقة؛ فإذا كانت تلك الدراسات تربط الإنسان بالمكان، فإن «القصواء» تضيف بعداً آخر، بربط الإنسان بالقصة، لتصبح السيرة النبوية تجربة معرفية وشعورية أكثر قرباً وتأثيراً. * لو طُلب منكم أن تختصروا مشروعكم العلمي والثقافي كله في فكرة واحدة، فما الفكرة التي كرّستم لها هذه الرحلة الطويلة من البحث والعمل؟ وكيف ترون مستقبل توظيف الزمان والمكان والثقافة في خدمة الإنسان وتعزيز الهوية الوطنية؟ ** إذا أردت أن أختصر الفكرة التي انشغلت بها طوال هذه السنوات، فسأقول إنها تتمثل في بناء الجسور بين الزمان والمكان والثقافة. فالتاريخ ليس مجرد أحداث مضت، والمكان ليس مجرد إحداثيات على الخريطة، والثقافة ليست معلومات محفوظة في الكتب، بل منظومة متكاملة تشكل هوية الإنسان وتساعده على فهم ذاته ومجتمعه والعالم من حوله. ولهذا جاءت أبحاثي ومؤلفاتي ومشروعاتي المختلفة، من المسارات النبوية إلى التطبيقات الرقمية في محاولة لتحويل المعرفة من مادة تُقرأ إلى تجربة تُعاش. كما جاءت مبادرة «زمكنة» لتكون مشروعاً معرفياً يجمع هذه الجهود، ويعنى بإنتاج المحتوى العلمي والثقافي وتطويره، بحيث يمكن توظيفه عبر المنصات الرقمية، والتجارب التفاعلية، والمعارض، والأفلام. وأؤمن أن المستقبل سيكون لمن يستطيع أن يقدم المعرفة بصورة أقرب إلى الإنسان، تجمع بين أصالة التاريخ وإمكانات التقنية، وتحوّل التراث إلى تجربة معرفية حية تعزز الهوية الوطنية وتخاطب مختلف الأجيال. مرحلة جديدة * بعد أكثر من ثلاثة عقود من البحث والعمل، ما الحلم الذي ما زلتم تسعون إلى تحقيقه؟ وما الرسالة التي تودون توجيهها للجيل الجديد من الباحثين والمهتمين بالتاريخ والتراث؟ أؤمن أن ما أُنجز حتى اليوم ليس نهاية الطريق، بل بداية لمرحلة جديدة، فما زالت أمامنا فرص كبيرة لاكتشاف المزيد من كنوز الجزيرة العربية، وتقديمها بوسائل معاصرة تقرب التاريخ من الإنسان. ومن هذا المنطلق جاءت مبادرة «زمكنة»، بوصفها مشروعاً معرفياً يعمل على إنتاج المحتوى العلمي والثقافي المرتبط بالزمان والمكان والثقافة، وتحويله إلى كتب، وأفلام، ومعارض، وموسوعات رقمية، وتجارب تفاعلية، ومنصات تقنية. ومن المشروعات التي نعمل عليها حالياً مشروع الخرائط القرآنية، الذي يربط الآيات الكريمة بسياقاتها المكانية والتاريخية، امتداداً للمنهجية التي طُبقت في دراسات المسارات النبوية. ويسعدني كذلك أن أرى عدداً من الدراسات التي بدأناها قبل سنوات تجد طريقها إلى مبادرات وطنية رائدة، ومن أبرزها مشروع «على خطاه»، الذي تشرفت بالمشاركة فيه منذ مراحله الأولى مستشاراً تخطيطياً وتاريخياً، وأسهمت الدراسات الميدانية التي أنجزناها حول طريق الهجرة النبوية في بناء محتواه العلمي والإثرائي. وأعتقد أن هذه هي أجمل ثمرة يمكن أن يجنيها الباحث؛ أن يرى نتائج أبحاثه تتحول من صفحات الكتب إلى مشروعات وطنية يعيشها الناس، وتسهم في إثراء تجربة الزائر، وتعزيز الهوية الوطنية، وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030. أما رسالتي للجيل الجديد، فهي ألا يكتفوا بقراءة التاريخ، بل أن ينزلوا إلى الميدان، ويتأملوا المكان، ويقرأوا الروايات بعين الباحث لا بعين الناقل. فكل موقع يحمل قصة، وكل قصة تحمل قيمة، وكل قيمة يمكن أن تتحول إلى معرفة، ثم إلى مشروع، ثم إلى أثر يبقى بعد صاحبه. وأؤمن أن أعظم ما يمكن أن يقدمه الباحث لوطنه هو أن يجعل الماضي أكثر حضوراً في وعي الناس، لا ليعيشوا فيه، بل ليستلهموا منه مستقبلهم. فالتاريخ ليس ما مضى وانتهى، وإنما هو رصيد حضاري يساعدنا على فهم الحاضر، وبناء المستقبل، وترسيخ هوية وطن يعتز بجذوره، ويتطلع بثقة إلى آفاقه القادمة.