في اليوم العالمي للترجمة.. المترجم السعودي صوت الوطن إلى العالم..

حركة الترجمة بدأت مع الملك المؤسس وتطورت عبر المؤسسات الأكاديمية والثقافية.

احتفل مترجمو ومترجمات المملكة العربية السعودية كعادتهم سنوياً باليوم العالمي للترجمة، الذي يوافق يوم 30 سبتمبر من كل عام، مما يعكس اهتمام المملكة بهذا المجال الإنتاجي الحيوي الذي يسهم في إثراء المنتوج الثقافي الوطني والتواصل مع الثقافات والحضارات الأُخرى، في إطار من التعاون المبني على الاحترام المتبادل والأمانة والدقة. وهذه المناسبة، أي الاحتفال باليوم العالمي للترجمة يأتي كتقدير للمترجمين وللميدان نفسه، حيث اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة من خلال قرارها رقم 71/288 الصادر في 24 مايو 2017، لدعم المتخصصين في اللغات والترجمة وتعزيز التلاقي بين الثقافات وتحقيق التفاهم والتنمية. وهنا لا بد لنا أن نستعرض واقع الترجمة في بلادنا ودورها في تبادل الإنتاج المعرفي الإنساني وحفظه، فالترجمة بميدانيها التحريري والفوري هي جسر تلاقٍ وحوار دائم بين الثقافات والشعوب والعلوم البشرية المتنوعة، وخاصة بعد أن أصبح العالم كله قرية معلوماتية واحدة وأصبح التفاعل اليومي والمباشر بين مختلف أشكال الثقافات واللغات سهلاً ومتاحاً للجميع. إن مكانة الترجمة في المملكة العربية السعودية بخير بل جيدة، حيث شهد الميدان تطوراً حتى وإن لم يلاحظه البعض، لأن الترجمة حركة أدبية وعلمية وثقافية لا يراها إلا من هم داخل هذه الميادين، وليس هناك حتى الآن أي إحصاءات دقيقة لا على مستوى المملكة ولا على مستوى الخليج تبين مدى النجاحات أو الإخفاقات. إن الترجمة هي وسيلة لتسهيل التنمية الفكرية العلمية والثقافية والاقتصادية من خلال مد جسور تواصل حضاري متنوع مع دول العالم، وطبعاً الترجمة ليست ميداناً جماهيرياً يعايشه أفراد المجتمع فتتضح الإيجابيات والسلبيات، ورغم ذلك فواقع الترجمة بخير. وهنا ومن باب الإنصاف لا بد من التأكيد على أن الترجمة في المملكة ليست جديدة بل قديمة حيث انطلقت البداية الرسمية لها مع بداية خطوات الملك المؤسس – يرحمه الله – في بناء دولته وتحديثها وخاصة مع بدء نشأة مجلس الشورى في المملكة العربية السعودية في 21 صفر 1345هـ/29 أغسطس 1926م، بهدف معرفة وفهم سياسات وقوانين وثقافات وحضارات الدول الأخرى، وصياغة العلاقات السياسية والدبلوماسية معها من خلال الترجمة. أيضاً كان بمعية الملك المؤسس وفي خدمته آنذاك عدد من المترجمين وخاصة السعوديين، وفي مقدمتهم المترجم محمد المانع الذي هو من أوائل من انضم إلى الديوان الملكي، ليكون المترجم الشخصي للملك عبد العزيز – يرحمه الله –. وأصبح من أهم موظفي شعبة الشؤون الخارجية بالديوان الملكي. وقد توج خدمته بتأليف كتاب عن توحيد المملكة، والذي يعتبر من أفضل ما كُتب عن الملك المؤسس. وأيضاً كان المانع بمثابة القائم بأعمال الإعلام، لقيامه بمتابعة الأخبار العالمية بالاستماع إلى نشرات الأخبار من محطات دول العالم، مثل إذاعة (BBC) البريطانية، حيث يقوم بترجمة وتلخيص الأخبار وتقديمها يومياً إلى الملك ليتمكن من متابعة أهم الأحداث العالمية، وخاصة أخبار الحرب العالمية الثانية، مما أوجب بقاءه – أي بقاء المانع – قريباً من الملك عبد العزيز في حله وترحاله. أما الشاب آنذاك جميل بن إبراهيم الحجيلان، فلنا في قصته كمترجم وكدبلوماسي وإعلامي قُدوة، بما أثبته من رغبة الشاب السعودي، وبإقدامه وإصراره على المثابرة لكسب رضا الملك المؤسس، فالصورة التي يظهر فيها جالساً أمام الملك المؤسس دليلٌ على قِدم الترجمة في بلادنا، حيث قام الحجيلان بالترجمة ما بين الملك عبد العزيز والوزير الإسباني السيد روبرتو خوزيه أرتاخو الذي زار المملكة في إبريل 1952م حيث كان الضيف يتحدث آنذاك اللغة الفرنسية التي يُجيدها المترجم. طبعاً الاهتمام الأكاديمي بحركة الترجمة في المملكة أتى متأخراً بعض الشيء حيث لم تتحمس الجامعات بإنشاء كليات ومعاهد ومراكز ترجمة إلا في بداية الثمانينيات الميلادية من القرن العشرين، منها على سبيل المثال قسم اللغات الأوروبية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الملك عبد العزيز في جدة بقسميها الإنجليزي والفرنسي، وكاتب هذا المقال هو أحد خريجي هذا القسم؛ وبعد ذلك تم إنشاء كلية اللغات والترجمة بجامعة الملك سعود في الرياض، ومن ثم كلية اللغات في جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن في الرياض؛ بعد ذلك أُفتتحت أقسام للترجمة في بعض الجامعات الأُخرى في المملكة. رغم ذلك التأخير الأكاديمي، إلا أن المهني السعودي الممارس للترجمة التحريرية أو الفورية برز منذ عشرينيات القرن الماضي وخاصة مع بدء لقاءات الملك عبد العزيز بالأجانب، وكذلك مع بدء إنشاء مؤسسات الدولة وخاصة ذات العلاقة مع الخارج، وذلك بالرغم من عدم وجود معاهد ومراكز تأهيل وتدريب على الترجمة. هنا إذاً يتضح لنا أن دور المترجم السعودي هو دورٌ مهم لأنه هو من يتحدث عن وطنه وعن بيئته وينقلها للآخر وينقل من الآخر ما يتناسب مع البيئة السعودية، وبذلك يحقق تواجده فيُشكل الواقع الوطني الثقافي أمام العالم، ويصوغ رؤية ثرية تُجسّد القيم المتجذّرة والروح المتوثبة التي تنهض بها المملكة، لتصبح الترجمة فعلاً ثقافياً وطنياً يُبرز هوية المملكة ويمنح العالم الفرصة لاكتشافها عن كثب. والجميل في ذلك أن المترجم السعودي ملم بثقافة وتاريخ وقيم وطنه عند ترجمة نصوص سياحية عن العُلا أو الدرعية، أو عن القرى المعلقة في قمم جبال الجنوب السعودي، حيث استطاع المترجم الوطني تقديم الرمزية التاريخية والثقافية والمعمارية بأسلوب يثير فضول الباحث والقارئ العالمي بصفة عامة ويحفّزه لاكتشاف المكان من منظورٍ أصيل. كما يمكن للمترجم السعودي ترجمة نصوص الفعاليات التاريخية والثقافية وتوضيح دلالتها وأثرها في تعزيز الهوية الوطنية. لذا من الضروري أن يواكب المترجم السعودي رؤية المملكة 2030م ومشروعاتها الكبرى، ليتمكن من صياغة الرسائل المتعلقة بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية بروحٍ طموحة وبصيرة تُظهر صورة مجتمع المملكة المتطور؛ فمثلاً، ترجمة التقارير عن المدن الذكية أو الطاقة المتجددة أو المشروعات السياحية السعودية تُبرز قدرة المملكة على التطوير المستدام والتقدم العصري. يجب أن يُتاح للمترجم المحلي التواصل مع الناشرين والمترجمين القدامى لإبراز جودة العمل السعودي في ساحة تنافسية دولية، والمشاركة في ندوات وورش عمل متخصصة حول الترجمة الأدبية والتقنية لتبادل الخبرات والارتقاء بمستوى الترجمة الوطنية. إن استثمار المترجم لوقته في التعلم المستمر لتطوير مهاراته التقنية واستخدام أدوات الترجمة الحديثة، ومتابعة أحدث النقاشات في دراسات الترجمة، وحضور الملتقيات الترجمية والبرامج التدريبية المحلية والعالمية، يُعزز قدرته على تقديم صورةٍ راسخة وملهمة له ولوطنه. فبهذه الممارسات، يصبح المترجم السعودي فاعلاً ثقافياً مؤثراً، يسهم في صياغة الرواية العالمية عن المملكة برؤية متجدّدة وظهور حضاري يَليق بها. أيضاً بمناسبة هذا اليوم العالمي للترجمة نعرض عليك عزيزي القارئ بعض الملامح السريعة للوثبات والإنجازات السعودية في هذا الميدان، فلو أخذنا على سبيل المثال كلاً من دارة الملك عبد العزيز ومكتبة الملك عبد العزيز في الرياض، نرى كيف أن هاتين الجهتين أنجزتا ومنذ إنشائهما ترجمات مهمة ذات علاقة بتاريخنا الوطني السعودي وخاصة إنجازات الملك عبد العزيز – يرحمه الله – من وجهة نظر الرحالة والكُتاب الأجانب وخاصة الغربيين، وهنا نحن لسنا بصدد المقارنة بين الجهتين بقدر ما نسعى في هذه المقالة إلى إبراز دورهما في ترجمة جُل ما كُتب عن المملكة منذ توحيدها على يد الملك المؤسس طيب الله ثراه. فقد قامت دارة الملك عبد العزيز بنقل كثير من المصادر التاريخية من كتب ووثائق وأرشيفات بلغة أجنبية إلى العربية، وكتب بالعربية إلى اللغات الأجنبية، وفي نفس الوقت نقل التاريخ السعودي إلى العالم، وعلى رأس ذلك كتاب 1932م التاريخي الموثق لمسيرة توحيد البلاد باللغتين الإنجليزية والفرنسية وجعله متاحاً رقمياً باللغات الثلاث (العربية والإنجليزية والفرنسية). وقد تبنت الدارة تأسيس المركز السعودي للترجمة الذي يهدف إلى دراسة واقع الترجمة العلمية والفورية في المملكة، وتغطية الاحتياجات المعرفية في هذا الشأن وتدريس الكوادر الوطنية ومساندتها. ولمكتبة الملك عبد العزيز العامة إسهامها في دعم حركة الترجمة والتفاعل الثقافي والمعرفي بين اللغات العالمية، من خلال برامج ومشروعات أسهمت في ترجمة مئات الكتب تناولت تاريخ المملكة والثقافة العربية والإسلامية، أو عبر ترجمة أدب الرحلات، إلى اللغة العربية. وقد وسعت مكتبة الملك عبد العزيز العامة نشاطها في مجال الترجمة المتبادلة بين اللغتين العربية والصينية، خصوصاً بعد إنشاء فرع للمكتبة في جامعة بكين بجمهورية الصين. أما مركز الترجمة والتعريب في جامعة الملك عبد العزيز والذي هو وحدة أكاديمية متخصصة فهو يهدف إلى تعزيز دور اللغة العربية في نقل وتوطين العلوم والمعارف من خلال الترجمة والتعريب. هذا المركز أتى في إطار جهود الجامعة لتحقيق رؤية المملكة 2030، بالعمل على دعم حركة الترجمة والتعريب في مختلف المجالات العلمية والثقافية. وهو يساهم في توطين أحدث الأبحاث والعلوم، بالإضافة إلى تقديم برامج تدريبية وورش عمل في مجالات الترجمة والتعريب. والجمعية العلمية السعودية للغة والترجمة والتي تأسست في كلية اللغات والترجمة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والتي سبق أن كانت على موقع واي باك مشين منذ 6 أكتوبر 2003م، فهي الأولى على مستوى المملكة وتهدف إلى تنمية الفكر العلمي في مجال اللغة والترجمة، وفي الإسهام في التعريف بالكفاءات العلمية المؤهلة في مجالات اللغة والترجمة. أما هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة، فقد تأسست رسمياً في فبراير 2020م. مقرها الرئيسي الرياض. هي أيضاً تهدف إلى تعزيز الترجمة كأداة للتواصل الثقافي والحوار الحضاري. والمساهمة في وضع معايير الجودة والتصنيف المهني في قطاع الترجمة. ومواكبة وتطوير تقنيات الترجمة (مثل الذكاء الاصطناعي). وتقوم الهيئة بمهام إدارة قطاعات الأدب والنشر والترجمة وتنظيمها بوصفها المرجع الرسمي لها في المملكة، والمساهمة في تحقيق تطلعات رؤية المملكة العربية السعودية 2030 والإستراتيجية الوطنية للثقافة التي تسعى لجعل الثقافة نمطاً لحياة الفرد، وتمكينها من تعزيز مكانة المملكة الدولية. فمن ضمن نشاطاتها الأخيرة خلال عام واحد نجد على سبيل المثال أن الهيئة نظمت عدة لقاءات، منها لقاء تم تنظيمه في شهر إبريل 2026م حول “من الهواية إلى الاحتراف: كيف تُبنى المسيرة المهنية للمترجم”، ثم في يونيو لقاء حول واقع وتطور الترجمة تحت عنوان “الترجمة الأدبية وهندسة المستقبل الثقافي المتداخل”، ثم في شهر يوليو عُقد لقاء مفتوح حول “دور الترجمة القانونية في دعم العلاقات الدولية”، وكذلك نظمت برنامجاً تدريبياً مكثفاً في الترجمة الفورية، ثم أخيراً في شهر أغسطس نُظم لقاءً افتراضياً بعنوان “مستقبل مهنة الترجمة في ظل الاعتماد”، بمشاركة نخبة من المختصين والمهتمين، لرفع كفاءة الممارسين، وتعزيز جودة الترجمة، واستشراف مستقبل المهنة في المملكة. فيما يخص الترجمة في الحرمين الشريفين، نجد أن الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، تبذل جهوداً كبيرة في هذا الشأن، فقدمت خدمات الترجمة للمصلين والحجاج والمعتمرين والزوار، والذي يندرج ضمنه مشروع خادم الحرمين الشريفين للترجمة الفورية في المسجد الحرام، الذي أُطلق عام 1435هـ/2014م، لترجمة خطب الجمعة للناطقين بغير العربية، إضافة إلى ترجمة الدروس بلغات الحجاج والمعتمرين والزوار. وقدمت وكالة اللغات والترجمة في الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، عام 1439هـ/2018م، ترجمة خطبة عرفة إلى أكثر من 20 لغة ـ وكانت تبثها عبر منصة منارة الحرمين لتصل إلى غالبية مناطق العالم، وأصبح هذا المشروع يُنفذ كل عام. أما مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة فيتم ترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات مختلفة، لتسهيل فهم كتاب الله على الناطقين بغير العربية. فحتى شهر ذي القعدة 1445هـ/مايو 2024م، أصدر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ترجمات بـ 77 لغة. لذا فالترجمة في المملكة العربية السعودية غير بعيدة عن الاحتياج الوطني والديني، وخاصة خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما؛ وبفضل التقدم الكبير والنهضة الثقافية التي تعيشها المملكة، والانفتاح بوعي على الغرب والشرق، أفادت بلادنا من تقنيات الآخر دون أن تنصهر في أنماطه وأساليب حياته، بل تفاعلت معه بندية، فتعمقت جذورها أكثر، وطالت هامتها أكثر، واحتفظت بخصوصيتها وثوابتها. ولقد سعت المملكة العربية السعودية في ظل رؤية 2030، إلى الرقي بالوطن في مختلف المجالات والانخراط والاندماج مع العالم الخارجي على جميع الأصعدة الإيجابية البناءة المثمرة، فبثباتها وبقيمها الدينية والأخلاقية المتوارثة وباستقرارها السياسي والثقافي منذ تأسيسها لم يرَ العالم من المملكة سوى العلاقات الطيبة والعون والدعم والمساندة. ختاماً، تُعد الهوية الوطنية مزيجاً من العناصر التي تشمل اللغة والثقافة والوطن والعادات والتقاليد والقيم المجتمعية والرموز الوطنية والتراث والتاريخ. لذا، تُعتبر ترجمة الهوية الوطنية عملية مهمة وصعبة وخاصة في تقديم صورة متكاملة ودقيقة عن ثقافة وقيم وتاريخ المملكة. فالترجمة لا تقتصر فقط على نقل الكلمات، بل إلى إيصال المفاهيم الثقافية العميقة التي تُعبّر عن جوهر تلك الهوية. الترجمة تلعب دوراً حاسماً في إيصال القيم والتقاليد المحلية للعالم، مما يُسهم في توسيع آفاق الفهم والاحترام المتبادل. ولأن ترجمة الهوية الوطنية بما تحتويه من ثراء هي عملية تهدف إلى نقل روح الأمة وعبق تاريخها وعراقة حضارتها وثقافتها إلى العالم، كان من المهم أن يتولى المترجم الوطني بنفسه مهمة ترجمتها؛ وبذلك ضروري جداً تأهيل مترجمين سعوديين تأهيلاً أكاديمياً ومهنياً ليتواجدوا في الساحة ويعبروا عن وطنهم. *إعلامي ومترجم.