صهيل الخيل يخفت أمام رغاء الجمل في السينما السعودية.
تُسجل السينما السعودية الحديثة حالة استثنائية وفريدة في المشهد السينمائي العربي والعالمي؛ فبينما اغتذت الشاشة الفضية لعقود على “صهيل الخيل” وصنعت منه بطلاً ملحمياً ورومانسياً، يتجلى في المشهد السعودي الاتجاه المعاكس بوضوح؛ إذ يعلو “رغاء الجمل” ليتصدر بطولة الشاشة في أربعة أفلام روائية لافتة («هجّان»، «ناقة»، «هوبال»، و«هجرة»)، بينما يتوارى حضور الجياد والفروسية في كادر الكاميرا السعودية محلياً حتى اللحظة على استحياء. صهيلٌ عبر التاريخ .. استطاعت السينما العالمية تقديم الجواد والأيقونات البصرية للفروسية كشركاء دراميين للإنسان، يقودون عاطفة المشاهد ويتصدرون شباك التذاكر في ملاحم خلدتها الذاكرة: • فيلم «Ben-Hur» (1959) - إخراج ويليام وايلر: الملحمة السينمائية التاريخية الحائزة على 11 جائزة أوسكار، والتي قدمت أشهر سباق عربات خيل في تاريخ السينما العالمية. • فيلم «Lawrence of Arabia» (1962) - إخراج ديفيد لين: أيقونة السينما العالمية الحائزة على 7 جوائز أوسكار؛ والتي وظّفت الخيل في مشاهد هجوم العقبة الملحمي إلى جانب الإبل كعنصر بيئي واستشراقي في صحراء الجزيرة العربية. • فيلم «Doctor Zhivago» (1965) - إخراج ديفيد لين وبطولة عمر الشريف: التحفة الملحمية الحائزة على 5 جوائز أوسكار؛ التي وظفت هجمات فرسان القوزاق وجيادهم للتعبير عن تحولات الثورة والقمع في الصراع الاجتماعي والسياسي. • فيلم «The Black Stallion» (1979): الفيلم الكلاسيكي الذي قدم العلاقة الروحية بين صبي وجواد عربي أدهم ينقذه من غرق السفينة ليصنعا معاً أسطورة في سباقات الخيل. • فيلم «The Horse Whisperer» (1998): الغوص النفسي والروحي العميق في لغة التواصل بين الإنسان والخيل ورحلة التعافي من الصدمات. • فيلم «Seabiscuit» (2003) - إخراج غاري روس: العزيمة الملهمة لحصان صغير ومُستبعد يُعيد الأمل لأمة بأكملها خلال فترة الكساد الكبير، وحصد 7 ترشيحات للأوسكار. • فيلم «Secretariat» (2010): الملحمة الرياضية التي وثقت أسطورة أحد أعظم جياد السباق في التاريخ وحصوله على التاج الثلاثي عام 1973. • فيلم «War Horse» (2011) - إخراج ستيفن سبيلبرغ: التحفة الأيقونية التي جعلت من الجواد “جوي” رمزاً للأمل والألم وسط أهوال الحرب العالمية الأولى، وحصد 6 ترشيحات للأوسكار. بين صهيل الملاحم ودراما الإسطبلات تنوع التوظيف البصري للخيل في السينما العربية عبر عقودها، وجاء مرتباً زمنياً حسب فئاته: فروسية الملاحم ووهج التاريخ: • فيلم «واإسلاماه» (1961): تجسيد الفارس العربي وحوافر الجياد وهي تصنع التحولات التاريخية الفاصلة في عين جالوت. • فيلم «عنترة بن شداد» (1961): أنسنة الخيل وتوثيق الوفاء بين الفارس العربي وجواده “الأبجر” استناداً للعين الشعرية الكلاسيكية. • فيلم «الناصر صلاح الدين» (1963): استعراض الجياد والفروسية في حطين واسترداد بيت المقدس. • فيلم «الرسالة» (1976) - إخراج مصطفى العقاد: الملحمة الخالدة التي استعرضت هيبة الخيل العربية الأصيلة في معارك الفتح الإسلامي وفتح مكة بأعلى المقاييس العالمية. صراع الطبقات والسطوة في قلب الدراما: • فيلم «غرام الأسياد» (1961) - تأليف يوسف السباعي: حيث تحولت الفرسة «فرحانة» إلى بطل درامي ومحور عاطفي يعبر عن الفجوة والتحول الطبقي بين سائس الإسطبل وعائلة الأسياد. • فيلم «شيء من الخوف» (1969): توظيف الخيل كرمز للهيبة والسطوة والسيطرة في الصعيد. • فيلم «الأرض» (1970) - إخراج يوسف شاهين: التلاحم البصري والوجداني بين الفلاح وأرضه وحصانه في مواجهة الظلم. • فيلم «شفيقة ومتولي» (1978) - إخراج علي بدرخان: تجسيد الخيل كرمز للجاه والسلطة والأرستقراطية خلال فترة حفر قناة السويس. نغم الأصالة وسباقات الرغد: • فيلم «ليلة العيد» (1949): استعراض الشغف الشعبي بمضامير سباقات الخيل والرهان في قالب كوميدي خفيف. • أفلام فريد الأطرش (مثل «عهد الهوى» 1955 و«أنت حبيبي» 1957): الاقتران بين النغم العربي وأصالة الجياد في لوحات غنائية تُعلي من قيم الشهامة والجاه. كيف سادت الإبل الشاشة السعودية الحديثة؟ وعلى عكس التراث العالمي والعربي المرتكز على الخيل، تصدرت الإبل المشهد السينمائي السعودي الحديث عبر أعمال روائية متتابعة جعلت من الجمل شريكاً وحاضناً للحبكة ومحركاً للأحداث: البطولة الدرامية المباشرة: • فيلم «هجّان» (2023) - لمركز إثراء: جعل من سباقات الهجانة والعلاقة بين الصبي والناقة ملحمة درامية وإنسانية كاملة. • فيلم «ناقة» (2023) - للمخرج مشعل الجاسر: وظف الناقة كخصم ومحرك لعناصر التشويق والإثارة. • فيلم «هوبال» (2024): غاص في صراع البقاء والذاكرة الصحراوية وارتباط الإنسان بإبله. التوظيف الأنثروبولوجي والبيئي: • فيلم «هجرة» (2025) - للمخرجة شهد أمين: (الممثل للمملكة في سباق الأوسكار 2026 والحائز على جائزة NETPAC بفينيسيا)؛ حيث ينتمي لدراما الرحلة والطريق وتظهر فيه الإبل كعنصر تراثي يخدم الرحلة الروحية للنص عبر الصحراء. الفارس الأخير .. وسط هذه السيادة المطلقة للإبل على كادر الأفلام السعودية عبر هذه الأعمال الأخيرة، تنشأ الحاجة الفنية لنقل الخيل من حالة الحضور المستحي إلى واجهة الدراما الإنسانية والملحمية؛ وهنا تتجلى الأهمية الاستثنائية لنص وعرض «الفارس الأخير» (The Last Horseman). فالعمل ليس مجرد سردية تاريخية عن مواجهة أو صدام عسكري، بل هو قصة إنسانية رفيعة العمق؛ تعتمد حبكتها البديعة على التقاء الأمير محمد بن سعود الكبير في نجد مع إبراهيم باشا. وبرغم الخصومة والصدام التاريخي، تبرز الخيل العربية الأصيلة كجسري معبري يُذيب أسباب الصراع، حيث يتحول الحب المشترك للخيل وعشق الفروسية إلى مساحة لتقدير النبل، والشهامة، والاعتراف المتبادل بالأصالة، لينتهي المطاف بتحول الخصمين إلى صديقين يجمعهما الإجلال الشديد لهذا الكائن الخالد. إن تحويل هذا العمل المسرحي الناجح إلى شريط سينمائي طويل سيمثل قفزة نوعية في تاريخ السينما السعودية؛ إذ يقدم دراما إنسانية بصرية قادرة على إبراز جماليات الفروسية العربية ونبل مشاعرها، واستثمار الطبيعة المفتوحة في نجد والعلا لتقديم فيلم ملحمي ينافس عالمياً بلغة السلام والإنسانية. آفاق الرؤية .. إن إثراء المشهد السينمائي السعودي بجمع الأصالتين (رغاء الجمل وصهيل الخيل) لا يعني التخلي عن رمزية الإبل الثرية التي أصلتها أفلام كـ «هجّان» و«ناقة» و«هوبال» و«هجرة»، بل يعني اكتمال اللوحة البصرية للبيئة والثقافة الوطنية بكل أبعادها. ومع التطور الكبير في البنية التحتية السينمائية والدعم التمويلي، يبرز التطلع لمرحلة قادمة تشهد ولادة ملاحم فروسية سعودية كـ «الفارس الأخير» (The Last Horseman)، لتنافس بقوة في المهرجانات المحفلية والدولية. إن شروق هذه الدراما الملحمية سيعلن للعالم أن الكاميرا السعودية، كما برعت في تقديم سحر الصحراء والإبل، قادرة بذات الاقتدار على تقديم نبل الفارس العربي وصهيل جياده بلغة سينمائية عالمية ساحرة تجوب شاشات العالم.