فنان تشكيلي أمريكي يبتكر أسلوب « الواقعية المغايرة » ..

ميكا أوفستيدال: اللوحة دعوة للتأمل في الغموض الكامن حولنا .

وجدت في لوحاته، أن الهدوء يلتقي بالدقة فتبدو المشاهد للوهلة الأولى مألوفة قبل أن تستوقفني تفاصيلها الغير متوقعة ، مما دعتني إلى التمهل والتأمل. وبحكم دراستي للفن و ممارستي له، وجدت في هذه التفاصيل ما يتجاوز جمالها الظاهر، فقد لفتني خاصةً التباين بين واقعية المشهد والتكوينات المحوّرة له. الفنان ميكا أوفستيدال من أوستن، ولاية مينسوتا الأمريكية، يعيد صياغة المشهد الطبيعي بإضافة تكوينات بصرية تبدو شفافة، ويسمّي أسلوبه المميز بـ«الواقعي المغاير». ومن هنا جاءت رغبتي في اجراء هذا الحوار معه للتعرف عن قرب على عالمه الفني.  *هل يمكن أن تحدثنا عن دراستك الأكاديمية للفن، ومتى بدأ اهتمامك بالفن للمرة الأولى؟ ــ حصلت على درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية مينيسوتا في مانكاتو، حيث كان تركيزي الأساسي في الواقع على النحت بالوسائط المتعددة والنحت الخزفي. كما كان علينا دراسة العديد من مقررات الرسم، ومنها رسم الأجسام، وهي مقررات أساسية لتعلّم كيفية النظر إلى الأشياء وترجمتها على الورق وتحويلها إلى عمل فني. لم أدرس سوى مقرر واحد في الرسم الزيتي، لكنني كنت دائمًا أحب الرسم لما يتيحه من احتمالات لا متناهية، رغم أنه يجعلك تعمل في بُعدين فقط. والرسم، نسبيًا، أقل تكلفة وأسهل من حيث التجهيز؛ لذلك رأيت أن أستفيد خلال دراستي الجامعية من دراسة النحت والخزف، لأستفيد من المرافق والمعدات اللازمة لهذه الوسائط الفنية. أعتقد أنني كنت مهتمًا بالفن منذ طفولتي، كما هو حال معظم الأطفال، لكن ذلك الاهتمام لم يفارقني قط. كنت دائمًا أستمتع بحصص الفن في المدرسة، وكنت أحرص في المرحلة الثانوية على دراسة أكبر عدد ممكن من مقررات الفن. كما كان لدينا معلمون رائعون للفنون، وكان لذلك أثر كبير في تحفيزي. لكنني لم أبدأ بالتعامل مع الرسم بجدية إلا بعد بضع سنوات من تخرجي من الجامعة، إذ كنت آنذاك أعزف في فرقة موسيقية وأعمل بدوام كامل. *تصف أسلوبك الفني بأنه «الواقعية المغايرة» (Altered Realism). كيف تبلور هذا الأسلوب الفني المتفرد لديك؟ ــ بدأ هذا الأسلوب عام 2019. قبل ذلك، كنت أرسم ما كنت أطلق عليه «السريالية البيولوجية»، وهي مناظر طبيعية سريالية تتضمن عناصر مستوحاة من الأشكال البيولوجية، مثل التشريح والصور المجهرية. حدث التحوّل بصورة مفاجئة إلى حدٍّ كبير، خلال إنجاز لوحة واحدة. كان لدي رسم تخطيطي «سكتش» لنبتة الأباريق، لكنني لم أكن أملك تصورًا واضحًا للخلفية. فقررت أن أستعين بصورة فوتوغرافية لمنظر طبيعي كانت لدي، لتكون مصدر إلهام للخلفية. انتهى بي الأمر إلى رسم المنظر بدرجة عالية من الواقعية، ثم قررت، في مرحلة ما، أن أرسم نباتات الأباريق كما لو كانت شفافة. أعجبتني النتيجة، فقررت الاستمرار في هذا الاتجاه. وكانت تلك اللوحة بعنوان «دعوة بلا ثمر» (Fruitless Invitation). أما اللوحة التالية، فاحتفظت أيضًا بواقعية المنظر الطبيعي، لكن الجزء الشفاف كان أقرب إلى نمط بصري منه إلى عنصر واضح محدد، بخلاف اللوحة السابقة التي كانت فيها الأجزاء الشفافة أشبه بأجسام واضحة يمكن التعرّف إليها، ألا وهي نباتات الأباريق. ومنذ ذلك الحين، واصلت تطوير هذا الأسلوب وتوسيعه، من خلال إضافة عناصر محوّرة تبدو شفافة على المناظر الطبيعية. *كيف تبدأ العمل على لوحة جديدة في مرسمك؟ ويهمني بشكل خاص أن أعرف كيف ترسم التموجات الشفافة وتمنحها مظهرًا واقعيًا. ــ أبدأ بالخروج في نزهات مشيًا على الأقدام وألتقط بعض الصور. لدي مجلدات تضم عددًا هائلًا من الصور التي يمكن أن تكون مراجع محتملة للوحاتي المستقبلية. أتصفح هذه الصور، وأيًا كان المشهد الذي يستوقفني في تلك اللحظة، أحاول أن أرسم بعض الأفكار للجزء الشفاف «المحوَّر». أحيانًا أرسم هذه الأفكار على الورق، لكنني في الآونة الأخيرة صرت أستخدم برنامج Procreate على جهاز آيباد. وهذا مفيد جدًا؛ إذ يتيح لي تجربة أفكار متعددة وتغييرها أو صقلها، كما يجعل من السهل تصورها بصريًا، لأنني أستطيع الرسم مباشرة فوق الصورة التي سأستمد منها اللوحة. وعندما أبدأ الرسم، أشرع أولًا في وضع الخطوط والأشكال الأولية للمنظر الطبيعي، ثم أرسم الجزء «الشفاف»، ثم أنتهي من تفاصيل المنظر، وأخيرًا أعمل على التحويرات الشفافة. لا أعرف كيف أشرح تقنيتي في صنع هذه التحويرات الشفافة بأفضل صورة، لكنها في الأساس تقوم على تمريرة فرشاة تلو الأخرى. بمعنى آخر، لا توجد حِيَل أو تقنيات خفية، مثل المزج أو تلطيخ الطلاء وهو لا يزال رطبًا. أستخدم ألوان الأكريليك، ولذلك تجف بسرعة. وأجد أنني إذا اكتفيت بـ«ثني» الألوان المأخوذة من الخلفية، ثم أضفت بعض الظلال والإضاءات، فإن ذلك يخلق الإحساس بالشفافية. *هل توجد لوحة من أعمالك تحمل مكانة خاصة إليك؟ وما الذي يجعلها مميزة بالنسبة لك؟ ــ إحدى هذه اللوحات هي أول لوحة «حقيقية» رسمتها عام 2009، بعد انقطاعي عن الرسم منذ الجامعة، حيث كنت أرسم خلالها أعمالًا قليلة جدًا في الأساس. وكانت كذلك اللوحة التي طوّرت فيها أسلوب «السريالية البيولوجية» الذي واصلت العمل به لمدة عشر سنوات. كما كانت أول لوحة أبيعها، وهو ما شجّعني على مواصلة الرسم ومحاولة بيع أعمالي. ومن اللوحات المهمة أيضًا أول عمل أنجزته بأسلوب «الواقعية المحوَّرة» عام 2019، والذي أشرت إليه سابقًا، ويحمل عنوان «دعوة بلا ثمر» (Fruitless Invitation). وبعيدًا عن هذه اللوحات التي تمثل محطات مفصلية في مسيرتي، هناك عدد من الأعمال التي أشعر بالرضا عنها أو تحمل مكانة خاصة لدي، مثل «Liminal» و«Vernal Luminosity». *ما الذي تعمل عليه حاليًا، وما خططك الفنية للمستقبل؟ ــ لدي لوحتان جديدتان سأطلقهما قريبًا، وتظهران تطورًا في أسلوبي. لا تزالان تستندان إلى المناظر الطبيعية الواقعية، لكنهما تتضمنان تحويرات مختلفة قليلًا عن الأعمال التي أنجزتها سابقًا. وأعمل حاليًا على لوحة بتكليف من أحد المقتنين. من الصعب توقع ما يخبئه المستقبل. وكما يمكن ملاحظة ذلك في لوحتي الأخيرتين، وفي أعمال أخرى سبقتْهما، فإن هناك تطورًا مستمرًا في أسلوبي. وآمل أن أواصل اكتشاف طرائق جديدة أعبّر من خلالها عن إبداعي، كما أرغب في العمل على أحجام أكبر، لكنني سأحتاج على الأرجح إلى مرسم أكبر أولًا. * كيف تأمل أن يشعر الناس عندما ينظرون إلى لوحاتك؟ ــ في المقام الأول، آمل أن تثير لوحاتي فيهم أي شعور كان؛ فمجرد أن تشعر بأي شيء هو بداية جيدة. لكن بالتحديد، يسعدني أن تشعرهم بشيء من السكينة. يمكن للوحاتي أن تجلب إلى منازلهم لمحة من الطبيعة، مصحوبة في الوقت نفسه بشيء من الغموض. بشكل عام، أستكشف الغموض وأحاول أن أحتضنه؛ ولذلك قد يجعل المشاهد يشعر بشيء من القلق أو عدم الارتياح أحيانًا، وهذا مقبول أيضًا. ربما تدفعك لوحاتي إلى التساؤل، أو ببساطة إلى التوقف والتأمل في غموض اللوحة أو وفي غموض الحياة. *فنانة تشكيلية