تركت في الحلقة السابقة سؤالًا مفتوحًا: هل كان «وضحا وابن عجلان» ضعيفًا ولم نكن نعرف، أم أن المسلسل لم يتغير وإنما تغير المشاهد؟ أميل إلى الثانية. فنحن حين نعود إلى عمل شاهدناه قبل نصف قرن، نحمل معنا نصف قرن من الصور والأفلام والمسلسلات، ومن التطور الهائل في الكاميرا والإضاءة والمونتاج والصوت والمكياج والأداء. ثم نجلس أمام عمل صنع في منتصف السبعينيات ونطالبه بأن يقنع عينًا تنتمي إلى عام 2026. وهذه ليست دائمًا محاكمة عادلة. خذوا تنكر وضحا في هيئة فارس. أشاهده اليوم فأبتسم: كيف لم يعرفها هؤلاء؟ لكنني لم أسأل ذلك عندما شاهدتها أول مرة. قالت الحكاية: وضحا الآن فارس. فصدقتها. لم أكن أبحث عن الخدعة، بل عما سيحدث بعدها. الفن يحتاج دائمًا إلى شيء من التواطؤ بينه وبين المتلقي. لكن المشاهد المعاصر أصبح خبيرًا بالصورة؛ يرى المكياج، ويلتقط أخطاء الاستمرارية، ويفهم كثيرًا من حيل صناعة الوهم. ربما أصبحنا أكثر معرفة بالخدعة، وأقل استعدادًا للاستسلام لسحرها. والأمر نفسه ينطبق على الأداء. أجد بعض أداء الممثلين الآن متكلفًا ومدرسيًا. لكن الأداء التلفزيوني نفسه تغير. صرنا نميل إلى الممثل الذي يخفض صوته، ويتردد، ويترك للصمت والعين ما كان الممثل القديم يقوله بصوته وجسده. وما نسميه اليوم تكلفًا ربما كان المشاهد آنذاك يراه فخامة درامية. لكن ذلك لا يفسر وحده الشعبية الكبيرة التي حققها «وضحا وابن عجلان» عند عرضه عام 1975، ولا حضوره خصوصًا لدى الجمهور الخليجي. هناك سبب آخر: الندرة. نحن اليوم أبناء زمن الوفرة. آلاف الأفلام والمسلسلات أمامنا. نترك مسلسلًا بعد عشر دقائق وننتقل إلى آخر، وقد نشاهد التلفزيون بينما ننظر إلى الهاتف. أما نحن فكنا أمام شاشة واحدة. ولم تكن الشاشة في بيتنا أصلًا. كنت أنزل من الجبل إلى الوادي كي أصل إليها. لم تكن الحلقة «محتوى». كانت حدثًا. وكان للحدث موعد. إذا حضرت شاهدت، وإذا فاتتك الحلقة فقد فاتتك. لا زر للإيقاف، ولا «شاهد لاحقًا»، ولا موسم كامل ينتظر أن تلتهمه في ليلة. وكان الانتظار نفسه جزءًا من الحكاية. تنتهي الحلقة، ويبقى السؤال معك أيامًا: ماذا سيحدث؟ نتوقع ونتحدث ونختلف، ثم تأتي الحلقة التالية. ربحنا اليوم حرية المشاهدة، وربما خسرنا شيئًا من لذة الانتظار. ثم إننا لم نكن نشاهد وحدنا. كانت غرفة بيت جدي تضم جمهورًا. نشاهد معًا، ثم نخرج حاملين الحكاية نفسها. وفي اليوم التالي يكون الآخرون قد شاهدوها أيضًا، فيصبح المسلسل حديث الناس. اليوم قد يشاهد عملًا واحدًا ملايين البشر، لكن كل واحد يشاهده في زمن مختلف. ازداد عدد المشاهدين، وتضاءل شيء من معنى «الجمهور». وكان لـ«وضحا وابن عجلان» سبب آخر في الخليج: البادية. الصحراء، والقبيلة، والفروسية، والشعر، والحب، والخيل، والشرف والخصومة. لم تكن هذه الأشياء غريبة عن مخيلة المتلقي، بل كانت موجودة في الشعر والحكاية والمجالس والذاكرة الشعبية. وجاء التلفزيون ليمنحها أجسادًا وصورًا. الفارس الذي كنا نسمع عنه أصبح يركض أمامنا. والصحراء التي تسكن القصيدة أصبحت صورة. والحب الذي ترويه الحكايات أصبح له وجهان: وضحا وابن عجلان. ثم توالت الأعمال البدوية، وأصبح ما كان جديدًا في البدايات قالبًا مألوفًا. ولذلك حين نعود إلى عمل قديم نراه محملًا بعشرات الصور التي جاءت بعده، وننسى أننا نشاهده من نهاية الطريق لا من بدايته. فهل كانت المسلسلات القديمة أجمل؟ ليس بالضرورة. بعضها يصمد أمام الزمن، وبعضها نعود إليه فنكتشف ضعفًا لم نكن نراه. لكن ذاكرتنا لم تكن تكذب علينا. لأن الذاكرة لا تحفظ العمل الفني وحده. تحفظ ظروف مشاهدته. ولهذا عندما نقول: «كانت المسلسلات القديمة أجمل»، فنحن لا نتحدث دائمًا عن المسلسلات. نتحدث عنا. كانت أعمارنا أصغر، ودهشتنا أكبر. كانت الخيارات أقل، والانتباه أكثر. كانت الصورة أفقر، وربما كان الخيال أغنى. كنا نريد فقط أن نعرف: ماذا سيحدث لوضحا وابن عجلان؟ وكان ذلك يكفي. أغلقت يوتيوب وأنا أعرف أن «وضحا وابن عجلان» الذي في ذاكرتي لن أجده كاملًا هناك. الموجود على يوتيوب هو المسلسل. أما نسختي أنا منه، فلا توجد على أي منصة. شيء منها بقي في الطريق بين الجبل والوادي، وشيء في بيت جدي، وشيء في صوت أمي وهي تدعو لي عندما أخرج، وشيء تحت ضوء القمر المنعكس على غطاء علبة صغيرة ظننته يومًا جوهرة جني. ولهذا عندما ظهرت وضحا أمامي بعد نصف قرن، متنكرة في زي فارس تنكرًا لا يقنعني اليوم، ابتسمت. لم أسخر منها. لقد جعلتني، مع ابن عجلان، أنزل من الجبل طفلًا من أجل حكاية... ثم أعود إليه وأنا أنتظر الحكاية التالية.