تعقيب على مقال الدكتور علي الحمود ..

المحظوظ «إدريس جماع»!

كتب أستاذ النقد الأدبي؛ الدكتور علي الحمود في ملحق شرفات ذي الرقم (31) بمجلة اليمامة ذي الرقم (2928) الصادر يوم 1/10/2026 مقالا بعنوان (نزف الألم وأمل القلم: تجارب أدبية مع المرض) أورد فيه الأبيات الأربعة التالية منسوبة للشاعر السوداني إدريس جماع: إن حظــي كدقــيــق فوق شــوك نثروه ثــم قــالوا .. لحــفاة يوم ريــح اجمعوه صعب الأمر عليهم قلت يا قوم اتركوه إن من أشــقاه ربي كيف أنتم تسعدوه؟ وليس الدكتور علي أول من أخطأ في نسبة هذه الأبيات لغير قائلها. فقد سبقه كثير من الكتاب والباحثين نسبوا الأبيات لإدريس وغيره، وكثيرا ما يرفق بها قصة غرامية لتكون مناسبة لنظمها، ودليلا دامغا على صحة النسبة. ففي مقال بجريدة الرياض في27/2/2016م للدكتورة فاطمة الزهراء الأنصاري بعنوان (حظك يا أبو الحظوظ) نسبت فيه الأبيات السابقة إلى الشاعر إدريس جماع. وأراد الأستاذ عبد العزيز بن سعد الخراشي تصحيح المعلومة، فوجه رسالة لرئيس تحرير جريدة الرياض نشرت في 22/3/2016 تعقيبا على مقال الدكتورة فاطمة، ونسب الأبيات للشاعر عبد الحميد الديب، لما فيها من وصف لحالة البؤس التي تليق به. وما جعل الخراشي مطمئنا لنسبة الأبيات لعبد الحميد الديب أنه لم يعثر عليها في ديوان إدريس جماع الوحيد (لحظات باقية)، وأنها قد وردت ثلاث مرات في كتاب (الصعلوك الساخر وشعره المجهول: عبد الحميد الديب) لمحمد محمود رضوان بتقديم الشاعر فاروق شوشة، المطبوع عام 2005م. وذكر الخراشي أن المؤلف قال في دفاعه عن صحة نسبة الأبيات: إن المقربين من عبد الحميد الديب قالوا إنه نظمها عام 1939م وكان عُمْر إدريس جماع في حوالي السابعة عشرة، ولم يكن زار مصر بعد. وهكذا بعد أن كان سبب الخطأ في نسبة البيت لغير قائله قديما عدم حفظه في كتاب مطبوع، صار توثيقه في عصرنا الحالي سببا، إذ يبدأ الباحثون في الإسناد إلى هذا الكتاب دون تحقيق. وهذه الأبيات خير شاهد في أيامنا المعاصرة. انحصر الخلاف في نسبة الأبيات بين جمّاع والديب، مع أن الحقيقة خلاف ذلك كله. فقد أشار الباحث إبراهيم الحقيل في مقال له في مجلة اليمامة إلى أن البيتين الأولين للّبادي الذي عاش بين منتصف القرنين الثالث والرابع. وقد ذكرهما أبو الوفاء ريحان الخوارزمي (ت430) في كتابه (المناقب والمثالب) ص320 مع اختلاف طفيف هو تبديل (رزقي)، بـ (حظي). وترجم له الشابشتي في كتابه (الديارات) ترجمة موجزة قال فيها: “أبوبكر أحمد بن محمد بن طُنَّاب اللُّبَّادِي، كان يسكنُ أردبيل بأذريبجان”. وقد صححتُ نسبة الأبيات للَّبادي في مقال لي بصحيفة الجزيرة الثقافية بعنوان: (لِمَ تنسب الأبيات لغير قائليها؟) بتاريخ 22/10/2021 وعلى الرغم من كثرة ما قيل وكتب عن الأبيات، ما زال الرواة المعاصرون في تخبط في أمر الأبيات، فقد نسبها الدكتور أحمد العلاونة لجمّاع في كتابه (أعلام العزاب في العصر الحديث) الصادر عن المجلة العربية في أكتوبر 2024، كما نسبها د. عبد الله فيصل آل ربح في صفحة الرأي من صحيفة (الشرق الأوسط) في 8/1/ 2025م إلى إيليا أبي ماضي، وصحح خطأه الإعلامي تركي الدخيل في صفحته بمنصة (X)، ونسبهما للّبادي كما هو الصحيح. وردَّ عليه د. الربح شاكرا إياه ومرجحا أن تكون لإدريس جماع! والغريب أن أحدا لم يتنبه إلى الخطأ النحوي في البيت الرابع الذي يتنافى ولغة شاعر متمكن. لقد أثبتت الأيام صدق اللبادي حين اشتكى من حظه أو رزقه، لأن بيتيه سُلبا منه وأعطيا دون وجه حق للمحظوظ إدريس جماع الذي شُهر بهما!.