صدر ديوان (غصن وحيد للغناء) للشاعر علي الحازمي عن مشروع " ١٠٠ كتاب " الذي تقوم عليه دار أدب للنشر والتوزيع في العام ٢٠٢٣ . والديوان يحتوي على عشرة نصوص بين الطويلة والمتوسطة،علي الحازمي الذي بدأ باكورة النشر بديوان أسماه " بوابة للجسد " في العام ١٩٩٣ ،ولنا أن نقول : بعد أكثر من ثلاثين عاما من الإنجازات الإبداعية المتوالية من المؤكد أنّ الشاعر،كعادته،سيعتني بالإصدار الجديد عناية فائقة،وسيصبُّ خلاصات تجويده الشعري في الديوان؛ ولذلك سأحصر قراءتي في عتبة العنوان (غصن وحيد للغناء) لاستحقاقها أن تُفرد بقراءة خاصة؛ولكونها العتبة الأساس في الغلاف الخارجي،مع التداني بما يلامسها ويقترب بصلة منها . فالعنوان إذا قُطّعت مفرداته وفصلناها ؛فإننا سنجد في المسير الشعري لعلي الحازمي جزئيات منها (غصن ، وحيد ، للغناء) وهي ليست بالغريبة على المعجم الشعري لديه،فلها حضورها الناجز،ولها وجودها السابق فمن ديوان سابق "الآن في الماضي" يقول : (في الأربعين هناك قرب النبعِ / يأخذكَ الحنين إلى ظباءٍ / لم تَعدْ تصغي لشدوكَ كلما آنستَ / خطوتَها وغرّد طائر الكلماتِ / من غصنٍ وحيد بالفؤاد / تُلقي بحزنكَ صخرة في الماءِ / تبصر بدرَ وجهكَ قد تشظّى / من جحيم اللحظة الثكلى ومن أوجاعها) . وللوقوف على جذور عتبة العنوان الجديد علينا كذلك أن نسترسل استقصاء في إنتاج علي الحازمي السابق،ونلامس أصول الاستعمال الأول حتى نفقه بوعي قرائي ما سطره الشاعر في ديوانه الجديد (غصن وحيد للغناء) فللشاعر سمته الفريد في التوظيف اللساني لتلك المفردات عموما ولظلال ترميزها بصفة خاصة،فالترميز يُوظف أسلوبيا كتقنية لتجسير المسافات التخاطبية بين المرسل والمتلقي من خلال تجويد الاستعمال الرمزي،مثل ملفوظات العنوان،والقصدية هنا استثمار هذا التكنيك للاختصار الزمني في الأداء الذهني،فالنصوص تعمد إلى تثبيت حالة توظيفية قصدية،وهي إنشاء قاعدة جذرية دلالية متعارف عليها ومعهودة ذهنيا ونصيا بين شركاء الخطاب الشعري إرسالا واستقبالا، وسيخرج المتلقي وقد استقرَّت في ذهنه دلالات مستحدثة إبداعيا ومقصودة توظيفيا . فلو نقرأ ديوان (الغزالة تشرب صورتها) فإننا واجدون نصا يحمل العنوان نفسه (غصن وحيد للغناء) ولنقرأ هذا المقطع من النص القديم الذي أحسبه مدخلا أو مقدمة صغرى للوعي بالديوان الجديد (هناكَ في شجر قطعنا ظلّهُ / غصنٌ وحيدٌ للغناء المرمريّ / على ضفاف الروحِ / يكفينا اعتناق الحلم والذكرى / لنكمل سيرنا نحو التراب) من هذا المقطع قد يمكننا وضع أيدينا على أولى بوادر الإشارات التي ستقودنا إلى العوالم الخاصة التي سيقتفيها هذا الديوان الجديد (غصن وحيد للغناء) ولا شك أننا اعتمدنا على مذكورات قولية وعلى بينة نصية جلية،واستندنا إلى رصيد من الخبرة القرائية المفسرة للديوان الجديد،وكلها تلمح إلى تلك المسارب العرفانية العظيمة،وكلها تشي إلى ذلك المنعرج الصوفي الكبير في تجربة الشاعر علي الحازمي،والشاعر قد أبان لنا بعض الغموض الذي يلفُّ العنوان الجديد،فالغصن هنا يومئ بجلاء إلى ذلك الجزء النباتي الذي قُدَّ من أصوله الشجرية الأولى،والغصن قد قُطع بعمد،أو أُخذ بعد حادثة سقوطه عن أصله بسبب عوامل التعرية،أو اُستلب من أثر عوامل المناخ الفجائية التي تؤثر في مكونات الطبيعة، وعندما صار فردا بعيدا عن أسرته،ونائيا عن جذوره ومنبته؛ فهو يغنـّي،ولكن بأنين مؤلم،ونستمع إلى وشيجه،وحنينه دوما إلى أهله وأرضه،ولنا أن نتذكر اللطيفة الصوفية الشائعة الذكر حول "رزية المزمار الثاوي في غير أرضه " التي أشار إليها قديما الشاعر العربي أبو ذؤيب الهذلي، والذي يهمنا هنا هو الحضور العرفاني لتلك الإشارة الروحانية،و إلى تلك الإلماحات الصوفية سيتجه التوظيف في العنوان الجديد (غصن وحيد للغناء) فالغصن هنا يئن ويبكي لأنَّه قُطع من أصوله،وبعُد عن جذوره،وهُجِّر من منابته،وعاش اغترابه في بيئة غير معهودة،والنصوص هنا في الديوان مترعةٌ بهذه المعاني الدالة على الغربة،والأنين محسوس ويشق الأسماع جراء الفقد الروحي،والحنين ضاجٌّ في المجموعة جراء التباعد النفسي والعضوي والزمني"فالغصن هنا يمثل الذات النصية"والنصوص تنتقي الاستعمالات المجازية المبنية على إقامة المفارقات الأسلوبية في إماءات لتلك المضمرات المختزنة في الذات النصية . أو كما يقول الشاعر الحازمي في إحدى المقابلات الصحفية : (يظلُّ الشاعر في رحلة توق أبدية لملامسة البعيد من الأمنيات والأحلام،غير معني بكل ماهو خارج ذلك التوق المستمر،ومع ذلك قد تنجح قصيدة ما في أخذنا إلى ينابيع روحه الصافية،وهي تفيض عذوبة وبهاء، إنَّه منحازٌ بطبيعته إلى التماع التيه في الأحداق،متصالحٌ مع ليل الحزن الطويل،يظلُّ يصغي بكل جوارحه للهتاف المديد الذي يصدر عن ذكريات الطفولة ) . إذا أمعنا النظر في الديوان فإننا نراه يغلب لبَّ الشعر وأساسه على سائر الآليات الفنية،وأقصد أنَّ الديوان يرتكز على الآلية اللغوية،وهي التي أشار إليها الشاعر ويستن هيو أودن في خطاب تدشينه أستاذا للشعر في جامعة أكسفورد في قوله : إنَّ السؤالين اللذين يلحّان على خاطره عندما يقرأ قصيدة ما،هما أولا : أنَّ فيها آلة لفظية،تُرى كيف تعمل ؟ ثانيا : أي نوع من الأشخاص يكمن في القصيدة ؟ . ولأنَّ الشعر معطيات خارجية ومؤثرات نفسانية تختلط فيما بينها وتشتبك في باطن قلب الشاعر المنتج للنص، ثم تُصاغ الكتابة إبداعا ناشئا،فإنه أي الشعر يظلُّ مرتكنا بالمطلق إلى التركيب اللغوي وإلى تجويد الصياغة الشعرية،وهذه المقدرة اللفظية ليست زخرفة شكلانية،وحسب وإنما خلاصات دُربة تَمَّ استيعابها في ثنايا الكتابة النصية،وهي في ختام المطاف ترينا أداء الشاعر في كشفه عن ذاته،وترينا كيف ينظر الشاعر للوجود ؟ ونستطيع من خلال ذلك وعبره أن نطلع على رؤيته الفردية للداخل الذاتي وللخارج من المحيط والبيئة . والمقدرة الشعرية الفارقة هي التي تكسب الحياة المعيشة شكلا ذاتيا خاصا،والشاعر هو صاحب القيادة في عملية التنسيق بين هذه العناصر المتفاعلة والمتداخلة ليخرج لنا أنموذجا من الإتقان والافتتان بعد مزج تلك العناصر الفنية والمعنوية . أعود مشيدا بالمرتكز التركيبي في النصوص،وهو العنصر الفاعل الذي اشتغلت عليه النصوص كثيرا،وهذا يحتاج إلى كثير من التجلية والتمثيل . ولا أظن المقام سيتسع للتوغل فيه إلا لماما، ولكن عدم الاستفاضة يدعونا،وبموضوعية،إلى الإشادة بمدى الإرهاق الفكري والذهني واللساني المبذول باحترافية وإبداع من الشاعر،ونحن نلمس ذلك مباشرة ونسلم له بهذه الفطنة وبهذه الفتنة في صناعة هذه النصوص المترفة بتراكيبها،والمترعة بتجويدها للانزياحات المستعملة؛ولذلك يزهو الديوان بجماليات آسره في بنائه الأسلوبي . إننا نعتقد أنَّ الشعر هو الفن الأقرب إلى إدراكنا للوجود، فاللغة هي الحضور الطاغي والمهيمن في الوجود، وعبارة الفيلسوف هايدغر معروفة في اللغة والفكر،اللغة مسكن الوجود،واللغة ليست اللغة العادية النفعية للتواصل في حديثنا اليومي مع بعضنا ؛ لأنَّ اللغة هنا هدفها التخاطب والتواصل،فبلاغة اللغة تعني هنا في هذا المقام كمال الإيصال للأفكار بين المرسل والمتلقي والمخاطبين،ولكن القصدية من اللغة وأثرها الوجودي أننا في الشعر نمكث عند الكلمات،عند المفردات،عند التركيب المختار،عند الإنزياحات الطارئة ،عند الإسنادات المغايرة في الجمل الفعلية والاسمية،وعند ترتيبات أشباه الجمل في التحامها النصي،واشتباكات المجازات في تداخلاتها الإبداعية،عند السياقات التي قيل فيها النص،والشاعر وحده الذي يعاني في إنشاء خطابه الشعري،فهو يفتقد للمفردات المعبّرة عن مقاصده المرغوبه،وتعوزه التراكيب المطلوبة والمؤدية لضرورياته،والحاملة لأغراضة الشعرية الخاصة،فحينها يكدح الشاعر بحثا عن الانتقاء المختار،ولا تنساق له الصناعة اللفظية والإسنادية بسهولة ويسر ،وإنما تتأتى بكدٍ وباشتغال وعصف دؤوب، بالطبع بعيدا عن اللغة المستهلكة المجانية والعادية،وإنما المحتم لغة ناجزة وأسلوب حاضر، وتستحضر هذه اللغة الوجود الخارجي في نوع معين من التشكيل الملتحم بالطبيعة،و نظم معين للتركيب الملتصق بالوجود،بحيث يحقق الاستخدام الشعري البهاء والجمال والإبداع ؛لأنَّ التوظيف الشعري هنا يكافح من أجل مدّ الجسور بين اللغة والوجود،بين اللغة وحاضنها التاريخي المستخدم،ومن هذا المنطلق يمكن لنا أن نحتضن بوعي النص الشعري بعيدا عن قولبته في الأطر الجاهزة وفق النظريات المناسبة وغير المناسبة؛ لأنَّ النص نتاجٌ عزيز يُدرك من خلال صاحب النص المنتج،ومن خلال المعرفة الواسعة بظروف خلق النص،وقراءة النص ضمن نسيجه العائلي،ومن خلال الإحاطة بالموسوعة التي تجنّس هذا النص، وكل ذلك يتطلب منا جميعا الإنصات إلى ما يريد النص قوله، وليس ما أريد أنا قوله كقارئ للنص،من خلال علاقات التجاور بين النص والمتلقي . فالإخلاص للنص يتطلب منا الوعي بصناعة ذلك النص،ويتطلب منا التفهم المسبق له،أو لنقل تهيئة النفوس لاستقبال النص حتى نقيم محاوراتنا مع النص دونما فرضيات خارجية سابقة ودونما تفسيرات معدّة سلفا،وألا يكون دورنا في النص سلبيا وغير مكتمل فقط نعيد ترداد ملفوظات النص الظاهرة وحسب . بل المطلوب أن تكون حواسنا مع حواس النص .