تسعى هذه الدراسة إلى الكشف عن كيفيّة تشكّل الأنوثة كفضاء في ديوان “وصحوتُ.. للأحلام رائحة” للشاعرة السعوديّة حوراء الهميلي، الصادر عام 2025. تنطلق من فرضيّة مفادها أنّ الديوان يتعامل مع الأنوثة بوصفها فضاءً تتحرّك فيه الذات وتتشكّل عبره. وتعتمد المنهج التحليلي التأويليّ، الذي يقرأ النصّ في سياقه الثقافيّ، ويتتبّع تحوّلات الفضاء فيه. وتحاول الدراسة الإجابة عن سؤال مركزيّ: كيف تحوّلت الأنوثة من هويّة إلى فضاء في هذا الديوان؟ حوراء الهميلي شاعرة سعوديّة من محافظة الأحساء، حاصلة على بكالوريوس الكيمياء، وتعمل في التعليم. صدر لها ثلاثة دواوين: “ظمأ أزرق” (2020)، و”تحدو... فتربك ريح نجد” (2023)، و”وصحوتُ.. للأحلام رائحة” (2025). وتتميّز تجربتها بلغة مكثّفة وصور شعريّة محكمة، وتناول موضوعات الهويّة والمرأة والتأمّلات الوجدانيّة. وقد حصدت عدة جوائز أدبيّة، واختيرت سفيرةً لجمعيّة الأدب السعوديّة في الأحساء. يبدأ الديوان من فضاء يبدو عاديًّا: ردهة. الردهة هنا مكان يتوقّف فيه الزمن، ويُعلَّق فيه الإنسان بين حال وحال. وكلمة “أرحام” في عنوان القصيدة الأولى تحمل دلالتها البيولوجيّة، لكنها تعني أيضًا فضاء التكوين. وعندما تجتمع “الأرحام” مع “ردهة الانتظار”، يتشكّل فضاء وجودي فريد: الأنوثة هنا هويّة تتشكّل بوصفها مكانًا ينتظر فيه الوجود أن يتشكّل. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يحدث حين يتحوّل الانتظار من زمن إلى مكان؟ في هذا الفضاء، تنتظر المرأة الانتظار نفسه. وهذا ما يجعل الانتظار وجوديًّا، لا زمانيًّا. انتظار يتّجه إلى حالة الانتظار، لا إلى شيء يأتي. وهنا يتحوّل المكان إلى مرآة للذات: الردهة تعكس ما في الداخل، لا ما في الخارج. في قصيدة “وسادة مكتظة بالأسئلة”، الوسادة فضاء حميمي ومكان للأسئلة. والوسادة “مكتظة” بالأسئلة، أي أنّها ممتلئة حتى النهاية. الأسئلة متراكمة، والمرأة التي تسائل في جنح الظلام لا تسائل سؤالًا واحدًا، بل أسئلة كثيرة. الوسادة هنا مكان، والأسئلة زمن. والزمن يتراكم في المكان. وهذا ما يجعل الانتظار ممتلئًا بالأسئلة. والسؤال في هذا الفضاء لا ينتظر إجابة، وإنّما ينتظر أن يبقى سؤالًا. فالأسئلة المتراكمة في الوسادة علامات على وعي يتشكّل عبر التساؤل. والوسادة، بهذا المعنى، وعاء فاعل يشارك في تشكيل الوعي. والمرأة التي تسائل لا تنتظر من يجيبها، تنتظر أن يتشكّل سؤالها، وأن يصبح السؤال نفسه فضاءً للوجود. لكنّ هذا الانتظار، رغم جماله، يخلو من التوتّر الذي يمنح النصّ عمقه الدرامي. فالمرأة في ردهة الانتظار تنتظر، لكنّها لا تصطدم بالزمن. تصف الانتظار، لكنّها لا تتمرّد عليه. ما يميّز هذا الديوان هو العنوان نفسه: “وصحوتُ.. للأحلام رائحة”. فالحلم، في التصوّر الشعري التقليدي، يُرى ويُسمع ويُحسّ، لكنّه لا يُشمّ. الشاعرة هنا تخرجه من دائرة التجريد إلى دائرة التجربة الحسّيّة الملموسة. والأحلام في هذا الديوان “تتساقط من جفنَيهما”. الجفن هنا بوّابة. والأحلام تتساقط من الداخل إلى الخارج. وهذا يعني أنّ الحلم مادّة تخرج من الجسد. والطفلان إلياس ورضا هما حرّاس الحلم. كأنّ الشاعرة تقول: الحلم لا يُفهم إلّا من خلال الطفولة. والطفولة لا تُفهم إلّا من خلال الأمومة. لكنّ الحلم في هذا الديوان لا يبقى في فضاء الطفولة. إنّه يتحوّل إلى سلاح حين يعجز الكلام عن الخروج. ففي قصيدة “سُلَّم موسيقي في حنجرة صامتة”، نجد الحلم يتحوّل إلى كلام مكبوت يتحرّك في الجسد، من الحنجرة إلى الضلوع إلى القلب. إنّه كائن حيّ، يتحرّك، ويخترق، ويثقب. والكلام المكبوت يتحوّل إلى صوت غريب. وهذا يعني أنّ الصمت صوت آخر. والصوت في هذا السياق لا يخرج من الحنجرة، وإنّما يتحرك في الداخل. إنّه صوت لا يسمعه أحد، لكنّه يُحدث أثرًا في الجسد نفسه. والحنجرة هنا فضاء للاحتباس. والصمت الذي ينتج عن هذا الاحتباس حضور مؤجّل. والحلم، بهذا المعنى، لا يتحرّر من الجسد، وإنّما يتحوّل إلى جزء من الجسد، يتحرّك معه، ويصدأ فيه، ويترك أثرًا لا يُمحى. والحلم هنا وعي مضادّ، لكنّه وعي مثقل، وعي مأزوم. الحلم يثقل. تقدّم الشاعرة في هذا الديوان صوتًا أنثويًّا يختلف عن خطاب الصراع، وعن خطاب البكاء على الماضي. إنّها تعيد تشكيل صورة المرأة من الداخل، عبر تفاصيلها اليوميّة وهمومها العميقة. وتتجاوز صوتها الفردي لتضمّ إليه صوت امرأة أخرى، هي تلك السيّدة التي نسيت طعم الأنس قبل خمسين عامًا. فتحمل الشاعرة صوتها المخملي لتغنّي عنه، وكأنّها تقول: الأنوثة حالة جماعيّة تتّسع لكلّ النساء. وفي مقطعها الشهير، تتحوّل الأنوثة من صفة هامشيّة إلى عنصر جوهري في بنية الكون. الصخر يحتاج رقّتها، والدنيا القاسية تحتاج تلطيفها، والشعر يحتاج أنهارها. إنّها أنوثة تدرك أنّها هي التي تمنح الاعتراف للآخرين. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه: أين التوتر؟ أين الاحتكاك؟ الأنوثة هنا قوّة كونيّة، لكنّها قوّة بلا صراع. وحين تغيب المأساة، قد تفقد الصورة الأنثويّة عمقها الإنسانيّ. تقوم لغة الشاعرة على مفردات محوريّة: الوسادة، الجفن، الردهة، الرائحة، الصخر. كلّ مفردة تتحوّل إلى فضاء دلالي مستقلّ. وتكشف دراسة الأفعال في الديوان عن هيمنة أفعال الحركة والتحول: تتساقط، تتحرك، ينسل، يثقب، يصدأ. هذه الأفعال لا تصف حالة، وإنما تصف صيرورة. والصيرورة هنا ليست انتقالًا من نقطة إلى نقطة، وإنما تحول دائم لا يستقر. واللغة الشعرية عند الهميلي لا تقول ما يحدث، وإنما تقول ما يتحوّل. وهذا ما يجعل النص نصًّا مفتوحًا على التأويل. هذه المفردات تشكّل معجمًا شعريًّا خاصًّا، وهو ما يجعل الديوان مختلفًا عن غيره من الدواوين النسائيّة. لكنّ هذا المعجم، رغم ثرائه، يظلّ معجمًا للانتظار والحلم، مع أثر للصراع والمقاومة. اللغة هنا لغة فضاء، وفيها أثر للفعل. ما يقدّمه ديوان “وصحوتُ.. للأحلام رائحة” هو فضاء أنثوي جديد. فضاء الانتظار الذي يتحوّل إلى مكان، والحلم الذي يتحوّل إلى مادّة، والأنوثة التي تتحوّل إلى قوّة كونيّة. والديوان، في نهاية المطاف، يفتح أسئلة تنتظر قراءات أوسع: ما معنى أن تتحوّل الأنوثة من قضيّة إلى فضاء؟ ما الذي يحدث حين يصبح الانتظار مكانًا، والحلم رائحة؟ وهل يمكن للغة الفضاء أن تصبح يومًا لغة فعل؟ وهنا يبرز سؤال أكبر: ما موقع هذا الديوان في المشهد الشعري العربي؟ وهل يمكن قراءته بوصفه صوتًا خليجيًّا يسهم في تحريك النقد العربي؟ الشاعرة تكتب من داخل السياق العربي، لكنّها تكتب من موقع خاص: موقع المرأة الخليجيّة التي تعيش تحوّلات ثقافيّة كبرى. فهل يمكن للشعر الخليجي أن يكون صوتًا عربيًّا، دون أن يفقد خصوصيّته المحلّيّة؟ وهل يمكن للشاعرة الخليجيّة أن تدخل المشهد النقدي العربي، دون أن تُقرأ بوصفها “شاعرة خليجيّة” أوّلًا، و”شاعرة” ثانيًا؟ هذه أسئلة تفتحها هذه الدراسة، وتتركها للنقد العربي، بوصفها دعوة للحراك، لا للإجابة. * باحث وناقد أدبي سوري