في طبعتها الثانية، تعود المجموعة القصصية «شروخ في بؤبؤ العين» للكاتبة والأدبية انتصار العقيل، الصادرة عن دار النخبة للتأليف والترجمة والنشر في بيروت، حاملةً إلى القارئ عوالم إنسانية مشبعة بالأسئلة، ومواقف تتجاور فيها هشاشة الإنسان مع قدرته على الاحتمال، وتتحول فيها التفاصيل الصغيرة إلى مرايا تكشف ما تخفيه النفس من وجع وحنين وانكسار. منذ العنوان، تضعنا العقيل أمام صورة تتجاوز معناها المباشر؛ فـ«البؤبؤ» هو موضع الرؤية، والشروخ هي ما يعترض هذه الرؤية من ندوب وتجارب. وكأن العين، في هذه المجموعة، لا ترى العالم كما هو، بل تراه من خلال ما تركته الحياة في الروح من آثار. إنها رؤية مشروخة، لكنها أكثر صدقًا؛ لأن الإنسان غالبًا لا يرى الأشياء ببراءة البدايات، وإنما بذاكرة ما عاشه وفقده وانتظره. تتحرك قصص المجموعة في المسافة الشائكة بين الخاص والعام؛ بين قلب يبحث عن الحب وقلب يواجه الفقد، وبين امرأة تدافع عن كرامتها في مواجهة ما يهدد حضورها وحقها في الاختيار، وبين أسرة تحمل دفء الانتماء وثقل العلاقات، ووطن لا يظهر بوصفه مكانًا فحسب، وإنما بوصفه ذاكرةً وهويةً وجرحًا ممتدًا في الوجدان. وتحسب للمجموعة قدرتها على الاقتراب من الإنسان في لحظاته الأكثر صدقًا؛ تلك اللحظات التي تتساقط فيها الأقنعة، ويصبح الاختيار امتحانًا حقيقيًا، ويغدو الصمت أحيانًا أكثر بلاغة من الكلام. فالشخصيات لا تعبر الحكايات مرورًا عابرًا، وإنما تحمل معها أسئلتها وخيباتها ومخاوفها، وتترك للقارئ مساحة واسعة ليتأمل دوافعها ومصائرها. ولا يبدو الألم في كتابة انتصار العقيل مجرد مادة للحكاية، بل يتحول إلى أداة لفهم الإنسان. فخلف كل فقد سؤال عن معنى التعلق، وخلف كل انكسار محاولة لاستعادة الذات، وخلف كل مواجهة بحث عن كرامة لا تريد الشخصية أن تتنازل عنها. ومن هنا تكتسب القصص بعدها الإنساني؛ إذ لا تكتفي برصد الحدث، بل تنفذ إلى أثره البعيد في النفس. وفي هذا السياق، تحضر المرأة في المجموعة بوصفها ذاتًا كاملة، لها حقها في الرفض والاختيار والمواجهة، لا بوصفها شخصية هامشية في الحكاية. كما تحضر الأسرة والوطن والحب والفقد بوصفها دوائر متشابكة، يتشكل داخلها وعي الإنسان بذاته وبالآخرين. إن إعادة صدور «شروخ في بؤبؤ العين» في طبعتها الثانية تمنح المجموعة فرصة جديدة للوصول إلى قارئ مختلف، وربما إلى قراءات تتجاوز الحكاية نفسها نحو ما وراءها من دلالات وإيحاءات. فالنص الجيد لا ينتهي عند الصفحة الأخيرة؛ بل يبدأ هناك، حين يأخذ القارئ معه شيئًا من الشخصيات، أو سؤالًا لم يجد له إجابة، أو صورةً ظلت عالقة في الذاكرة. «شروخ في بؤبؤ العين» مجموعة تكتب عن الشروخ التي لا تُرى دائمًا، عن تلك الندوب الخفية التي تصنعها الحياة في داخل الإنسان، ثم تتركه واقفًا أمام مرآته، محاولًا أن يتعرف إلى نفسه من جديد. وربما تكمن جمالية هذه المجموعة في أنها لا تقدم الألم بوصفه نهاية، وإنما بوصفه أثرًا؛ أثرًا يمكن للإنسان أن يحملَه، وأن يرى العالم من خلاله، وأن يحوّل بعض عتمته إلى حكاية. • كاتب صحفي وقاص