جري الوحوش.. بين الرغبة والقدر

في أواخر الثمانينيات كانت السينما المصرية نشطة في أعمال أغلبها تتعلق بقضايا اجتماعية، حين صدر فيلم “جري الوحوش” في عام 1987حدثت مفاجأة فكرية وسينمائية، دفعت المُشاهد إلى إعادة النظر في علاقة الإنسان بمصيره ورغباته وفكرة البقاء التي يطمح لها. الفيلم أخرجه “علي عبد الخالق” وكتبه “محمود أبو زيد” هو تجربة وجودية مضمّنة في قالب شعبي سهل التناول، عميق الأثر، متوتر من الداخل كما لو أنه مشهد طويل داخل دماغ الإنسان الذي يقف عند حافة ضعفه ويطلب الخلاص. تدور القصة حول نجاح الدكتور نبيه “حسين فهمي” في تجاربه على النسانيس لعلاج العقم بزرع جزء من الفص الأمامي للغدة النخامية في غدة النسناس العقيم، وقد ترك زوجته الإنجليزية وابنته في لندن وعاد إلى القاهرة حيث مستشفاه، ساعياً لتجربة ما توصل إليه على الإنسان. لكن احتاج للمال فذهب إلى صديقه المحامي عبدالحكيم “حسين الشربيني” لبيع عمارته بالإسكندرية، وعرض المشاركة في المشروع على صديقه سعيد أبو الدهب “نور الشريف” تاجر الذهب الثري الذي استهوته الفكرة، حيث أنه متزوج من وفاء “هدى رمزي” منذ عشرين عاماً ولم ينجب أبناء، ولأنه يحب زوجته لم يفكر في الزواج من أخرى، وطلب الدكتور نبيه من صديقه سعيد أن يعثر له على من يتبرع بجزء من غدته النخامية، ففكر سعيد في إيجاد متبرع لصالحه هو، وكلف أحداً بإيجاد متبرع مقابل عشرين ألف جنيه، ثم ما لبث أن رفعها إلى مئتي ألف جنيه عندما لم يجد متبرع. أخيراً وجد ضالته في المنجد عبدالقوي شديد “محمود عبدالعزيز” الذي جاء إلى القاهرة لبيع أساور ذهبية من أجل تكاليف إجهاض زوجته نوسة “نورا” حيث أن لديهما ثلاثة أبناء لا يقوى على نفقاتهم، وأكتشف أن الأسورة مزيفة، بعد أن أقرضتها “نوسة” لبعض جيرانها، فقامت إحداهن باستبدالها، واستغل سعيد الموقف وحاجة عبد القوي للمال، وعرض عليه مبلغ كبير، ولكن عبد القوي تردد، خصوصاً أن المحامي عبدالحكيم تدخل في الأمر وأبدى امتعاضه من التدخل في تغيير ما خلق الله، وعارض نقل الأعضاء، ولكن طمع عبد القوي واطمئنانه لعدم إصابته بأي أذى، جعله يطلب من سعيد نصف ثروته، واضطر سعيد للموافقة على منحه مليوني جنيه، ولكن عبدالحكيم رفض أن يحرر لهم عقد اتفاق لعدم مشروعيته، لتعارضه مع القوانين البلد، فقرر الدكتور نبيه إجراء الجراحة في لندن، وبرر عبد القوي لزوجته “نوسة” سفره للخارج، من أجل تنجيد حجرة نوم ابنة مأمور قسم لندن. بعد ثلاثة أشهر عاد الجميع، حاول سعيد مع زوجته وفاء التي حملت حملاً كاذباً، وأكد الطبيب أنها وصلت لسن إنقطاع الطمث، واستحالة حملها، واضطر سعيد للزواج من مساعدة الدكتور نبيه، الآنسة سوزي، من أجل الحصول على المولود فقط، مقابل مائة ألف جنيه دفعهم الدكتور نبيه هذه المرة لتأكيد التجربة، وطلبت وفاء الطلاق، ولكن سعيد أصيب بنوبة برد وتدهورت حالته الصحية ولازم الفراش وعادت وفاء للعناية به، ولكن سعيد أصيب بشلل. فيما اكتشف عبد القوي بدوره أنه فقد قدرته الجنسية ولم يعد مثل السابق، وظنت زوجته نوسة أنه يلعب بذيله خارج المنزل بعد أن جرى المال بين يديه، وتم عرض عبد القوي على طبيب نفسي ولم تفلح جهوده لعودة عبد القوي لسابق نشاطه، فحاول البحث عن متبرع له بجزء من غدته، فوافق الدكتور نبيه على إجراء العملية، لكن تعذر وجود المتبرع، وأصيب عبد القوي بخلل عقلي.   في هذه القصة المحبوكة لا أحد يربح. الفقير يفقد عافيته، والثري لا ينجب طفلًا. لكن أحداثه ونقاشاته كان فيها شيء من الفلسفة. العنوان “جري الوحوش” يشير إلى الهرولة نحو رغبات قد تتجاوز قدرة البشر على التحكم بها. الوحوش في هذا السياق تسكن النفوس، وتدفع أصحابها إلى اختراق قوانين الطبيعة مدفوعين بالرغبة في البقاء أو الإنجاب أو الفوز. العلم كما يصوّره الفيلم يتحوّل من وسيلة شفاء إلى بوابة لإثارة أسئلة. السيناريو الذي كتبه محمود أبو زيد يزرع الفكرة في جملة عابرة، أو نظرة ملؤها الحيرة، أو مشهد يخلو من الكلام لكنه كثير التأويل، ولا يُجبر المشاهد على تبنّي موقف محدد. ما يزيد من قوة الفيلم هو أنه جاء في زمن لم تكن فيه هذه النقاشات منتشرة. الحديث عن زراعة الأعضاء، وعن النسب، وعن الأبوة الملتبسة، لم يكن مادة معتادة في الحوارات العامة أو الفنية. مع ذلك الفيلم نجح في تقديم الفكرة ضمن قالب مشوّق، دون أن يُثقلها بالمصطلحات أو الخطابات. وقد ساعد الاخراج الفني على إيجاد عالم يشبه الكابوس لا يقع في منطقة اليقظة ولا في منطقة الخيال. في النهاية لا يخرج أحد من هذه القصة سالماً. المريض لا يُشفى، والثري لا يرضى. الفيلم لا ينتصر لأحد لكنه يُدين الجميع بالصمت. وكأن الخلاص الحقيقي لم يكن في العلم، ولا في الصفقة، ولا في الإنجاب، إنما في القبول بالهشاشة، وفي الاعتراف بأننا مخلوقات تحمل شفرات الفناء بقدر ما تحمل بذور الحياة. جري الوحوش عمل يستحق إعادة اكتشاف، لأنه تجاوز عصره، وثبت أن الهرولة نحو الخلود قد تُخرج من الإنسان أجمل ما فيه، وقد تُطلق الوحش الكامن فيه في اللحظة التي يعتقد فيها أنه يملك نجاته.