نوستالجيا “اليمامة” و”الجسد”.
“اليمامة يمامتك لو المواقع أغنتك”، هذا المثل المحوّر عن أمثال شعبية تحرض على الحنين، داهمني وأنا في بهو مبنى مؤسسة اليمامة الصحفية في انتظار سيارة تعيدني إلى الفندق. كنتُ قد قررت قبل قدومي إلى الرياض زيارة ثلاثة أصدقاء، الأول هو أستاذنا عبدالله الصيخان، والثاني هو الصديق عبدالعزيز الخزام، والثالث الذي مع قرار زيارته كنت أرغب التعرف إليه عن قرب هو أستاذنا يوسف المحيميد، فأما شاعرنا الصيخان فقد صدف أن يكون خارج الوطن، وأما الثالث فقد انشغل بملتقى نالا السردي، رغم أنني لم أتواصل معه بالهاتف وإلا لوجدت لديه الوقت، لم أرد أن أشغله عن الملتقى، وكنت مشغولا جدا بالمشاركة وحضور فعاليات وجلسات مؤتمر حوار الأمن والتاريخ 2026م، والذي تنظمه وزارة الداخلية مشكورة لمناقشة قضية ملحة، ومستمرة، تتعلق بتنمية الوطن وازدهاره. في اليوم الأخير، بعد نهاية أعمال المؤتمر بيوم واحد، زرت مؤسسة اليمامة، والتقيت بالصديق العزيز عبدالعزيز الخزام، تجولنا في قسم مجلة اليمامة، وتعرفت على من بقي من موظفيها الكرام، ثم تحدث والخزام مطولا عن الصحافة بالعموم والصحافة الورقية على وجه الخصوص، وكان الحنين حاضرا، نوستالجيا لا تفارق كل من هم من جيلي، أو الجيل الذي سبقني. في اليوم الأول للمؤتمر، وبينما كنا جلوساً في بهو الفندق؛ أنا وعبده خال وطاهر الزهراني وعبدالله بيلا ورائد الجشي، لمحت نسخة ورقية من صحيفة الشرق الأوسط، أخذتها وجلست، فتلقفها أبو وشل “عبده خال”، الذي أعرف منذ سنوات ما يفعل الحنين بقلبه المُتعب الكبير، وضعها أمامه وبدأ يتصفحها، فالتقط طاهر الزهراني اللحظة وغرّد: “طبعوا والا ما طبعوا”. هذه النسخة الورقية جرفتنا جميعا إلى نهر الحنين، الذي لا برء منه علة ما يبدو، للصحف الورقية؛ مبانيها التي تشبه خلية النحل في الحركة، كما تشبه ضجيج معامل صهر المعادن حين تحوّل المواد الخام إلى ما هو جديد ومفيد ومدهش. وهو الحوار الذي قادنا إلى المنتديات الأدبية وعلى رأسها “منتدى جسد الثقافة”، المنتدى الذي جمعنا معا، ومع أصدقاء كثيرين، منهم من رحل عن دنيانا، ومنهم من أصبح مسؤولا ثقافيا في بلاده أو كاتبا معروفا فوق طاقة استيعابنا في تلك المرحلة، ومنهم من سكت فلم يعد مهتما لا بالحضور ولا أن يذكره أحد بأي طريقة كانت. تذكرنا الأسماء، ثم تذكرنا معاركنا الحامية الوطيس في تلك المساحات التي لا حدود ولا قيود للكتابة فيها سوى ما تحدده قيم النبلاء، وأنا أشهد أن تلك المرحلة على ما كتب فيها وعلى ما ثار فيها من خلافات ثقافية وعلى ما شهدته من قضايا، لم يكن فيها ما يكدر الخاطر في كل، وأضعف الإيمان في جُلّ، ما كتبه المبدعون والمبدعات، كنا نؤسس، دون أن نشعر، لطريقة منفتحة في الحوار، ولطرق عديدة في أدب الاختلاف. قبيل مغادرتي مبنى مؤسسة اليمامة أطلعت العزيز عبدالعزيز الخزام على فكرة عبده خال، والذي اقترح البحث عن وسيلة ما لاستعادة أرشيف “منتدى جسد الثقافة”، أن يتاح مرة أخرى بدون مشاركات ولا عضويات، أن يكون موجودا في الفضاء الرقمي، ففيه الكثير من الموضوعات الأدبية والنصوص الإبداعية التي تستحق أن تبقى، وفيه المعارك الأدبية التي تحمل وجهات نظر مختلفة وحوارات نبيلة وثرية، وفيه ذاكرة جيل ثقافي وأدبي كان في ذروة نشاطه بين عامي 2000 وحتى 2009م تقريبا. كل تلك السنوات من الذاكرة الإبداعية سيكون خسراناً مبيناً أن تتلاشى، فالنظر إليها لن يكون بعين الحنين فقط، بل بفكرة الوثيقة التاريخية الثقافية التي ستبقى لسنوات طويلة قادمة، وسيستفيد منها الجيل الذي لم يدرك تلك المرحلة، وستشكل مرجعية للباحثين والمهتمين، بل ربما جعلت بعض “شيبان” الجسد يعودون لتصفح مشاغبات المقهى، ويتلمسون بعيونهم أسماءهم المستعارة، والتي رغم كل ما تحمله من غموض عنها وعن من يكتب بها، لم تنل أحدا بسوء. بين حماسة الخزام لفكرة عبده خال، وبين ما عبّر عنه طاهر الزهراني والجشي وبيلا وسعيد الدحية الزهراني وغيرهم من حنين جارف، كنت في طريقي إلى الفندق، أتذكر ممرات مجلة اليمامة والصور التي تزين جدرانها لكتاب ومبدعين ومحررين، كما أتذكر الجدران الافتراضية لجسد الثقافة وأتساءل عن بعض الأسماء المستعارة التي انطفأ الجسد ونحن لم نحسم أمر إلى من تعود حقيقةً!، لكنني أحن إليها صدقاً.