قدمت نصوصه في أكثر من أربعين مدينة عربية وخمسة عشر مدينة سعودية وحصد ما يقارب الثلاثين جائزة ..

فهد ردة الحارثي: المسرح هو طريقتي الخاصة في النظر إلى العالم.

يعد فهد ردة الحارثي واحدا من أهم الكتاب المسرحيين في المملكة. وعلى مدى نحو خمسين عاما وضع لنفسه مكانة راسخة في الحركة المسرحية العربية. قدمت نصوصه في ٤٢ مدينة عربية و١٥ مدينة سعودية، فيما حصدت تجربته ما يقارب ثلاثين جائزة كان آخرها قبل نحو أسبوعين حين حاز على جائزة أفضل نص بمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 2026، وتجاوز عدد الأعمال المسرحية المنفذة من نصوصه الخمسين عملًا، وهو أصدر أعماله المسرحية الكاملة من 1990 وحتى 2021 في جزأين لدى نادي الطائف الأدبي. بدأت علاقة الحارثي بالمسرح مبكرا، فمنذ انضمامه إلى جمعية الثقافة والفنون بالطائف عام 1981، وهو حاضر في الكتابة والتدريب والعمل الصحفي والممارسة المسرحية، وارتبط بتأسيس «ورشة العمل المسرحي» وفرقة مسرح الطائف، ثم جمعية المسرحيين السعوديين. ولا يقف حضور الحارثي عند كتابة النصوص والعروض؛ فقد أسهم في التدريب والتأطير المسرحي من خلال المحاضرات والورش التي قدمها في المملكة وعدد من الدول العربية، وشارك في لجان تحكيم مهرجانات ومسابقات مسرحية، كما حظيت تجربته باهتمام أكاديمي واسع، وتناولت نصوصه دراسات ورسائل ماجستير ودكتوراه في جامعات سعودية وعربية. هنا ملف خاص عن الكاتب المسرحي فهد ردة الحارثي، يتضمن حوارًا مطولًا معه، يستعيد فيه بدايات علاقته بالمسرح، وتجربة الطائف، وعلاقته بالصحافة المسرحية، وتطور مشروعه في الكتابة والتدريب والتجريب، وصولًا إلى أعماله الأخيرة والأسئلة التي ما تزال مفتوحة في تجربته وهواجسه المقبلة. ويضم الملف كذلك شهادات عدد من المسرحيين السعوديين والعرب، الذين رافقوا تجربته أو تابعوها عن قرب ووقفوا على جوانب مختلفة منها؛ من الكتابة واللغة والتجريب، إلى التدريب والعمل المسرحي والأثر الذي تركه في أجيال من المسرحيين. الشرارة الأولى *عندما تستعيد بداياتك الأولى مع المسرح، ما الذي تتذكره بوصفه الشرارة التي جعلتك ترى فيه أكثر من مجرد نشاط فني؟ - حين أستعيد بداياتي الأولى مع المسرح أتذكر أن الشرارة لم تكن مجرد إعجاب بالعرض أو افتتان بخشبة المسرح بل كانت شعورا غامضا بأنني وجدت في المسرح مساحة أستطيع من خلالها أن أفهم الإنسان والحياة من حولي، كنت في طريقي لسؤال كبير عن الحياة وطرقها ومعايشها. في البدايات كنت أتعامل مع المسرح بوصفه فعلا فنيا ثم اكتشفت شيئا فشيئا أنه أكبر من ذلك هو سؤال، وقلق، وذاكرة، ومحاولة مستمرة للبحث عن معنى. كانت الخشبة بالنسبة لي مكانا أستطيع أن أضع عليه أسئلتي التي لا أجد لها إجابات جاهزة، وأن أقترب من الإنسان في ضعفه وتناقضاته وأحلامه. ولعل أجمل ما حدث أن المسرح لم يصبح بالنسبة لي مهنة أمارسها، بل أصبح طريقة في النظر إلى العالم. ومنذ تلك اللحظة أدركت أنني لا أذهب إلى المسرح لأصنع عرضا فحسب، وإنما أذهب إليه لأكتشف شيئا جديدا عن نفسي وعن الآخرين. ومن هنا بدأت علاقتي الحقيقية به، علاقة لم تعد تنتهي بانتهاء العرض وإسدال الستار، لكنها علاقة عاشق يصعب عليه ترك محبوبته مهما كان يشكو منها. في الطائف ما هو أبعد من الجغرافيا *ربما لا يمكن الحديث عن تجربتك المسرحية من دون التوقف عند جمعية الثقافة والفنون بالطائف، و«ورشة العمل المسرحي»، وتأسيس فرقة مسرح الطائف؛ في زمن كانت فيه ظروف المسرحي مختلفة تمامًا عن اليوم، ما الذي ميّز هذه التجربة وجعلها تتحول إلى مشروع مسرحي ممتد أسهم في أن تصبح الطائف مركزًا رئيسيًا في المشهد المسرحي السعودي؟ - أظن أن المسألة لم تكن في جمعية الثقافة والفنون بالطائف، ولا في «ورشة العمل المسرحي»، ولا في تأسيس فرقة مسرح الطائف بوصفها أسماء أو محطات متصلة يربط بعضها بعضا بتلك الروح التي جعلت من المكان مشروعا، ومن شحّ الإمكانات وفرة في الخيال. في ذلك الزمن لم يكن المسرحي يملك كثيرا من الأدوات، لكنه كان يملك شيئا أهم هي الحاجة للفن، وهذه الحاجة قد تكون أحيانا أقوى من الإمكانات. كنا نذهب إلى المسرح لأننا نؤمن أن علينا أن نفعل شيئًا، لا لأن الظروف كانت مهيأة لنا. ولذلك لم نتعامل مع المسرح كحالة ترف ثقافي، بل كان نوعا من المقاومة الجميلة للعزلة، ومحاولة لأن نقول: نحن هنا، ولدينا ما نقوله، ولدينا أسئلة تستحق أن تصل إلى الناس. «ورشة العمل المسرحي» كانت مهمة لأنها لم تكن مجرد مكان لإنتاج العروض فقد كانت مختبرا للوعي المسرحي. كنا نتعلم من التجربة نفسها، من الخطأ، من النقاش، من الاختلاف، ومن تلك الساعات الطويلة التي نقضيها في البحث عن جملة أو حركة أو معنى. أعتقد أن المسرح الحقيقي يبدأ حين يتوقف المشتغل فيه عن البحث عن التصفيق، ويبدأ في البحث عن السؤال. أما الطائف، فقد كانت تمتلك ما هو أبعد من الجغرافيا. كانت مدينة تحمل ذاكرة وثقافة وحساسية خاصة، وهذا منح المسرحي فيها مادة إنسانية ثرية. وحين اجتمعت هذه البيئة مع الإصرار والتجريب وتراكم الخبرات، لم تعد التجربة مجرد نشاط مسرحي محلي؛ بدأت تتشكل لها ملامح وهوية، وأصبح المسرح جزءًا من ذاكرة المدينة نفسها. وأعتقد أن أهم ما ميز تلك التجربة هو الاستمرارية. فالمنجز المسرحي لا تصنعه لحظة واحدة ولا عرضا واحدا مهما كان ناجحا. هي جمل طويلة ممتدة من تجربة عميقة صنعتها أجيال، نحن ربما كنا نضع حجرا، ثم يأتي آخرون فيضعون فوقه حجرا آخر، حتى بدأ البناء يظهر. لهذا أرى أن الحديث عن الطائف كمركز مسرحي لا ينبغي أن يقرأ بوصفه انتصارا لمدينة على مدن أخرى، بل بوصفه مثالًا على ما يمكن أن يحدث حين تؤمن جماعة صغيرة بفعل ثقافي، وتمنحه من وقتها وطاقتها وقلقها ما يكفي لكي يتحول من هواية إلى ذاكرة، ومن تجربة إلى مشروع، ومن مشروع إلى جزء من المشهد المسرحي السعودي، ثم العربي. المسرح بوصفه مشروع حياة *يوصف حضورك في المسرح بأنه تجاوز علاقة المبدع بفنه إلى نوع من التفرغ الكامل له؛ حتى قيل إنك «نذرت نفسك للمسرح». متى تحول المسرح عندك من ممارسة فنية إلى مشروع حياة؟ - أعتقد أن الموضوع لم يحدث فجأة. في البداية دخلت المسرح مثل أي شاب يبحث عن مساحة يعبر فيها عن نفسه، وكان بالنسبة لي تجربة جميلة ومغامرة واكتشافا، لكن مع الوقت، بدأت أشعر أن المسرح يأخذ مني أكثر مما أعطيه كان يأخذ من وقتي، وقلقي، وأسئلتي، وحتى جزءا كبيرا من حياتي اليومية. بعد أكثر من تجربة وبعد قراءات معمقة اكتشفت أنني لم أعد أتعامل مع المسرح باعتباره شيئا أفعله، بل شيئًا أعيش معه. صرت أنظر إلى الأشياء من خلاله، وأجد في تفاصيل الحياة اليومية مادة للأسئلة والكتابة والمشهد، هنا أعتقد، بدأ يتحول من ممارسة إلى مشروع حياة. وعندما يقال إنني «نذرت نفسي للمسرح»، فأنا أتفهم هذه العبارة، لكنني لا أراها نذرا بالمعنى الحرفي. هي أقرب إلى أن المسرح أصبح اختيارا وجوديا بالنسبة لي. اخترت أن أظل قريبا منه، بكل ما فيه من تعب وانتظار وأسئلة، لأنني أشعر أنني أجد نفسي فيه. والمسرح، في النهاية، لم يمنحني أجوبة كثيرة، لكنه منحني شيئا أهم: القدرة على أن أظل في حالة نقاش وسؤال مثمر دوما. أكاديمية مسرح الطائف *كنت تشتغل على المسرح كتابةً وصحافةً وتدريبًا وممارسةً؛ هل كنت ترى منذ البداية أن دور المسرحي يتجاوز إنتاج العرض إلى المساهمة في صناعة البيئة التي يعيش فيها المسرح؟ - جدا وربما القراءات المتنوعة أتاحت لي ذلك التصور وخصوصا ونحن نفتقد وقتها للمعاهد والتدريب والتكوين، كل شيء كان يعني شيئا يتجاور معه، لذلك صنعنا ما كان يسميه الصديق الجميل محمد السحيمي أكاديمية مسرح الطائف لأنها كانت تهتم جدا بالتدريب والثقافة المسرحية وحالة التشارك المنتجة دوما. التجربة الصحفية *ربما تكون من أوائل الصحفيين الذين خصصوا للمسرح صفحات متخصصة في الصحافة السعودية؛ ففي عام 1987م أعددت وأشرفت على صفحة للمسرح في جريدة «البلاد»، ثم نقلت التجربة إلى «المدينة» عبر «أوراق مسرحية». ماذا تتذكر من تلك التجربة، وكيف أثرت متابعتك للمسرح السعودي آنذاك في تجربتك اللاحقة كاتبًا مسرحيًا؟ - كنت الأول فعلا في تخصيص صفحة عن المسرح وبدعم مباشر وجاد من الأستاذ هشام عرب. التجربة كانت هامة جدا لي، حيث قربتني كثيرا جدا من المسرح وطورت مهارتي حوله ومعه وبه، وبما أني كنت مهتما بأن لا تكون الصفحة إخبارية فقط بل تتجه نحو التثقيف فقد قرأت وقتها عشرات الكتب والنشرات من أجل نشر المعرفة والوعي المسرحي. فهد ردة القاص والشاعر *ما دمنا وصلنا إلى الصحفي فهد ردة، دعنا أيها الكاتب المسرحي الكبير نتوقف أيضًا عند فهد ردة الشاعر والقاص؛ ما الذي اكتشفته في المسرح ولم تجده في الشعر والقصة والصحافة؟ - ربما المسرح لم يكن بديلًا عن الشعر والقصة والصحافة، بقدر ما كان امتدادا لها، لكنه امتداد يضعني أمام لحظة المواجهة المباشرة مع الإنسان. في الشعر أملك مساحة واسعة للبوح والتكثيف، وفي القصة أستطيع أن أبني عالمي وأترك القارئ يتخيل، وفي الصحافة أقترب من الواقع وأسئلته اليومية، أما المسرح، فهو يجمع كل ذلك، ثم يطلب منك شيئا آخر في أن تجعل الفكرة جسدا وصوتا وحركة وفضاء، وأن تضعها أمام جمهور حي. في المسرح اكتشفت أن النص لا يكتمل بمجرد أن أكتبه. هناك ممثل يختبره، ومخرج يعيد قراءته، وجمهور يمنحه حياة أخرى. وأحيانا أكتشف معنى جديدًا في نص كتبته من خلال ممثل أو متفرج لم أكن أفكر فيه لحظة الكتابة. ولعل أهم ما وجدته في المسرح هو تلك اللحظة المشتركة بين الخشبة والجمهور، لحظة لا يمكن تأجيلها أو استعادتها بالطريقة نفسها. أنت تكتب، ثم تترك نصك يذهب إلى الآخرين، وتقبل أن يصبح له أكثر من حياة وأكثر من قراءة. لذلك لا أستطيع أن أقول إنني وجدت في المسرح ما لم أجده في الشعر والقصة والصحافة بمعنى المفاضلة. كل جنس أدبي منحني شيئا. لكن المسرح منحني مواجهة مباشرة مع الإنسان، وجعلني أشعر أن الكتابة ليست مجرد كلام يقال، وإنما فعل يحدث أمامك، ويتغير مع كل مرة يعرض فيها لذا جعلت الشاعر والقاص والصحفي في خدمة المسرحي في داخلي من تركيز أكثر وأبلغ. المفاضلة بين الشعر والمسرح *عندما يتعلق الأمر بالشعر، فلا بد أن نسأل فهد ردة الشاعر: هل الشعر الذي يسكن لغتك المسرحية امتداد لشغفك الأول بالشعر، أم أنك تعمدت أن تصنع لغة مسرحية لها إيقاعها الخاص؟ - أظن أن المسألة بالنسبة لي لا تقوم على المفاضلة بين الشعر والمسرح، بقدر ما تقوم على البحث عن منطقة تلتقي فيها التجربتان. شغفي الأول بالشعر كان هو البذرة، لكنه لم ينتقل إلى المسرح كما هو بل خضع داخل التجربة المسرحية لإعادة اكتشاف وتشكيل في مشروعي المسرحي، وخصوصًا من خلال الاشتغال على مشروع الجملة الدرامية ومشروع اللغة ومكوناتها وشاعريتها، كنت أتعامل مع اللغة بوصفها فعلًا مسرحيا، لا مجرد وعاء للحوار. الجملة عندي لا تكتب فقط لكي تقول معنى، وإنما لكي تفعل شيئا على الخشبة وتصنع إيقاعا، وتخلق توترا وتترك مساحة للصمت، وأن تحمل الممثل والجسد والصورة بقدر ما تحمل المعنى. لذلك يمكن القول إن الشعر يسكن لغتي المسرحية، لكنه لا يظهر فيها بالطريقة نفسها التي يظهر بها في القصيدة. في المسرح تصبح الكلمة جزءا من منظومة أكبر صوتا وإيقاعا وحركة وصمتا، وعلاقة بين الممثل والمتلقي. ومن هنا جاء اهتمامي بمشروع اللغة ومكوناتها وشاعريتها لأنني كنت أحاول أن أكتشف ما الذي يجعل الجملة المسرحية مختلفة، وكيف يمكن للغة أن تكون شاعرية من دون أن تتحول إلى قصيدة معلقة خارج الفعل الدرامي. فاللغة عندي ليست زينة للنص المسرحي، والشعر ليس ترفا لغويا فيه، كلاهما جزء من بناء المعنى والإيقاع والفرجة. وكل مشروع مسرحي أشتغل عليه هو، في جانب منه، محاولة جديدة لاكتشاف ماذا يمكن أن تفعل الجملة حين تتحول من كتابة على الورق إلى حياة على الخشبة. كل مشروع يفرض أدواته *تتنوع نصوصك بين المسرح العام، ومسرح الطفل، والمونودراما، والدويودراما، والتجارب ذات البناء غير التقليدي؛ ما الذي كان يدفعك إلى الانتقال من شكل مسرحي إلى آخر؟ -أظن أنني لا أتعامل مع الأشكال المسرحية باعتبارها قوالب ثابتة أختار بينها، وإنما باعتبارها أدوات تفرضها الفكرة وطبيعة المشروع. أنا أبدأ دائما من السؤال: ماذا تريد هذه الفكرة أن تكون على الخشبة؟ ومن ثم يأتي الشكل لاحقًا. - اشتغالي على المسرح العام قادني إلى البحث في العلاقات المركبة بين الشخصيات والجماعة والمكان، بينما جعلني مسرح الطفل أتعامل مع اللغة والخيال والإيقاع بصورة مختلفة، لأن الطفل متلق حاضر وفاعل، ولا يمكن التعامل معه باعتباره نسخة مصغرة من المتلقي الكبير. أما المونودراما والدويودراما فقد فتحتا لي مساحة للاشتغال على التكثيف شخصية واحدة أو شخصيتان يمكن أن تحمل عالما كاملا من البناء الدرامي الخاص بي. أما التجارب ذات البناء غير التقليدي، فهي ربما الأقرب إلى طبيعة مشروعي في البحث المسرحي لأنني لا أريد أن أضع الفكرة في قالب جاهز. أحيانًا تكون الفكرة بحاجة إلى تفكيك الزمن، أو إعادة النظر في وظيفة الحوار، أو تحويل الجملة إلى حدث، أو إعطاء الصمت والحركة مساحة توازي مساحة الكلام. ولهذا فإن الانتقال من شكل إلى آخر بالنسبة لي ليس انتقالًا بين أجناس مسرحية بقدر ما هو انتقال بين أسئلة. كل مشروع يفرض أدواته، وكل نص يمنحني فرصة لاكتشاف إمكانية جديدة في الكتابة والعرض. وربما لهذا السبب أتعامل مع المسرح بوصفه سلسلة من المشاريع البحثية الخاصة بي وبطريقة كتابتي المسرحية. فمشروع الجملة الدرامية، ومشروع اللغة ومكوناتها وشاعريتها ومشروع البناء الدرامي الذي يكون فيه الصراع خفيا وغير ظاهر وغيرها، ليست منفصلة عن النصوص التي أكتبها، وإنما هي مختبرات أحاول من خلالها أن أفهم المسرح أكثر، وأن أختبر إلى أي مدى يمكن للشكل أن يتغير عندما تتغير حاجات الفكرة. علاقات العمل المسرحي *أنت كاتب ومخرج، ومع ذلك تقول إن وجود مخرج آخر قد يفتح للنص أفقًا أوسع؛ لماذا يحتاج الكاتب الذي يعرف خشبته جيدًا إلى عين أخرى؟ - لأن ذلك يساعده كثيرا في إضافة معنى للمعنى، العلاقة في العمل المسرحي هي في حقيقتها علائق، هنالك مجموعة نصوص تعمل في العمل، نص الكاتب، نص المخرج، نص الممثل، نص السينوغراف، نص الإضاءة، نص الصوت، المسرح نص في نصوص كثيرة. أربعون مدينة عربية وخمسة عشر مدينة سعودية *قدمت أعمالك في مدن عربية كثيرة، وشاركت في مهرجانات من القاهرة وقرطاج إلى مهرجانات الخليج؛ ماذا أضاف هذا الاحتكاك إلى تجربتك، وما الذي اكتشفته عن المسرح السعودي من خلاله؟ - ربما أفخر بذلك حينا حينما أقول إن نصوصي قدمت في أربعين مدينة عربية وخمسة عشر مدينة سعودية، قدمتها لي فرق مسرحية سعودية وعربية وكل تجربة بها إضافة وعلاقة وتعارف ومعرفة، الشاب الذي كان يتلمس طريق البدايات أصبح الآن مصدر معرفة وخبرة تحترم عربيا ومحليا وكل ذلك قدمه المسرح لي بحب كبير وتقدير نلته كثيرا في السنوات الأخيرة تكريما وتحكيما في مسابقات مسرحية وفيرة ورسائل دكتوراه وماجستير وعشرات البحوث المحكمة وكل ذلك مصدر فخر واعتزاز شديدين بكاتبي المسرحي الذي عرفني على هذه الطريق. ثلاثون جائزة وعشرات التكريمات * حصلت تجربتك على جوائز وتكريمات عديدة عبر مسيرتك؛ كيف تغيرت علاقتك بالجائزة والتكريم من بداياتك إلى اليوم؟ - في البدايات كنت أنظر إلى الجائزة بوصفها اعترافا بالحلم لحظة تقول لك إن ما تكتبه قد وصل إلى أحد، وأن الطريق الذي اخترته لم يكن عبثا. كانت الجائزة تمنحني شيئًا من الطمأنينة والثقة ومع مرور السنوات، تغيرت علاقتي بها. أصبحت أراها نتيجة وليست غاية، ومحطة في الطريق وليست الطريق نفسه. التكريم أيضا جميل، ولا شك أنه يمنح الفنان دفعة معنوية، لكنه لا يستطيع أن يكتب نصا جديدا ولا يضمن لك أن العمل القادم سيكون أفضل من السابق. أفرح بالجائزة وأقدرها، لكنني لا أعلق عليها قيمة ما أكتب، ما يعنيني أكثر هو أن يبقى النص حيا أن ينفذ عشرات المرات، وأن يجد طريقه إلى المتلقي، وأن يترك سؤالا أو أثرا أو حتى شيئًا من القلق الجميل في داخل كل متلقي. حصدت ما يقارب الثلاثين جائزة كل منها لها شكله وطعمه وحتى لونه وعطره. وكرمت في عواصم المسرح العربي وعدة مرات في القاهرة والكويت وتونس وغيرها إضافة لعشرات التكريمات المحلية وكلها منحتني نبضا جميلا للقادم. هيئة المسرح ونمطية البرامج *كنت تقول إن المسرح «مشروع دولة». بعد التحولات المؤسسية التي شهدها المسرح السعودي، كيف تنظر إلى هذا التحول في المشهد المسرحي المحلي؟ وما الذي تود أن تقوله لهيئة المسرح؟ - التحول هام والرؤية هامة وهي محل اهتمام سمو وزير الثقافة والهيئة تبدل جهدها لكنها لا تفكر في المهم والأهم لقد حصرت نفسها مؤخرا في نمطية البرامج. لا جديد لديها، دعم العروض والدورات والورش هذه جزء من البرامج وليست كل الأفكار، وما يؤخذ عليها فعلا اقصاءها التام لمعظم المسرحيين الفاعلين وتحسسها الشديد من النقد والشخصنة الشديدة في التعامل مع كل منتقد لعملها، أنت تجتهد وتعمل وتحقق المنجز تلو المنجز وهم لا يسمعون ولا يتفاعلون حتى بمجرد ورقة تهنئة، هذا العام أوقف دعم مشاركات المسرح السعودي وكاد ذلك أن يغيب صوت الوطن عن المحافل والمهرجانات والملتقيات العربية لكن اجتهادات وحب المسرحيين السعوديين جعلهم يشاركون على حسابهم الشخصي ويحققون الكثير من الانجازات والجوائز التي سجلت باسم الوطن في غياب للهيئة حتى عن التهنئة وكأنهم يعيشون في عالم موازي لسنا فيه وليسوا معنا.عموما وبعيدا عن الهيئة ومشاكلها معنا ومشاكلنا معها، أتمنى أن تتبنى وزارة الثقافة مشروعا وطنيا لبناء المسارح في كل مدينة وقرية بمشاركة القطاع الخاص والبنوك فدون ذلك سنظل نحفر في الهواء مهما عملنا. أسئلة واحباطات ونجاحات *أخيرًا، عشت المسرح السعودي من داخله، وكتبت عنه، وكتبت له، وأخرجت، ودرّبت، وجُرّبت نصوصك، وحصدت جوائز، ثم عدت الآن بنص عن الموت والحياة؛ كيف تنظر الآن إلى هذه الرحلة الطويلة؟ ما الذي ذهب وما الذي بقي؟ -تجربة ثرية صنعت اسمي محليا وعربيا، حين ألتفت إلى هذه الرحلة، أشعر أنني لم أعش المسرح بقدر ما عشت معه، بكل ما فيه من فرح وتعب وأسئلة وانتظارات واحباطات ونجاحات. دخلته شابا يحمل شغفا كبيرا وربما أسئلة أكثر من الإجابات، ووجدتني مع السنوات أتعلم أن المسرح ليس مهنة فقط، بل طريقة في النظر إلى الإنسان وإلى الحياة. ذهب الكثير ذهب شيء من الحماس الأول، وبعض الأوهام، وذهبت تلك الرغبة في إثبات الذات وإقناع الآخرين بأن ما نفعله يستحق أن يرى. وذهبت أيضا أسماء وأصدقاء ومحطات تركت أثرها ثم مضت. هذه طبيعة الحياة، والمسرح في جوهره يشبهها. لكن الذي بقي هو السؤال. بقي ذلك القلق الجميل الذي يدفعني إلى الكتابة، وإلى البحث عن معنى جديد في الحكاية والمشهد والشخصية. وبقي إيماني بأن المسرح يستطيع أن يضع الإنسان أمام نفسه ولو للحظة واحدة. علاقتي لازالت بهذا العشق المتجدد المضني، المتعب، القلق، المتآمر حينا عليك وحينا معك. نصي الاخير هو نص الحياة في فلسفة الموت. مواجهة مع ما أصبح أكثر حضورا في حياتنا، الموت أصبح مادة يومنا منذ نشرات الأخبار حتى المقابر نفسها. ما ذهب كان كثيرا، لكن ما بقي هو الأهم المسرح، والسؤال، والرغبة في أن أكتب شيئا صادقا متدفقا بعطاءات جديدة وتجارب لم تكتب بعد وطرق وأساليب وحالات وإحالات وأفكار لازالت تنمو كورد الصباح حين تمسه قطرات الندى.