صورة تذكارية مع كرة الثلج..!
صباح الخير، مرحبا، أهلا، باي باي، السلام عليكم، كلمات يتباهى بنطقها هذا الببغاء الأخضر ذو المنقار الأحمر طوال اليوم وهو يقف على خشبة مثبتة على جدار مدخل محل لبيع الطيور الذي يجاور المقهى الذي غالبا ما أجلس فيه، اسمع كل هذه الكلمات التي يرددها..، أثناء عبوري من أمامه، هذه المرة توقفت أمام الببغاء الأخضر ذو المنقار الأحمر حاولت أن أتعرف عليه عن قرب، سألته: عن اسمه، رد علي: أهلا، أعدت سؤالي، رد: صباح الخير، ظننت أنه لم يسمعني أولم يفهمني..!، رفعت صوتي وأعدت عليه سؤالي، رد: السلام عليكم وأكمل باقي الكلمات، هو يعرف أنني العابر الذي يسمع الكلمات التي هو يرددها..!، كما أنا أعرفه أنه الببغاء الأخضر ذو المنقار الأحمر الذي يقف على خشبة مثبتة على جدار مدخل محل بيع الطيور ويردد كلماته..، يقينا هو يعرفني كما أنا أعرفه..!، في المقهى أكون في كل مكان كنت فيه يوما، وفي كل مكان تمنيت أكون فيه يوما، وضعت على الطاولة هاتفي ومفاتيح سيارتي وصورة قديمة وجدتها في حقيبتي السمسونايت القديمة، صورة لها روح ولها حكاية..، ما الغريب أن يكون للصورة روح..؟!،ما الغريب أن يكون للصورة حكاية..؟!، أنا في انتظار كوب القهوة وكوب الماء..، كنت في يوم ليس باليوم القريب في الساحة الهاشمية الملتصقة بالمدرج الروماني في مدينة عمان الأردن الوجهة الأولى، مركز الكون..!، لتجمعات الناس بمختلف طبقاتهم وتصنيفاتهم وللعامل والسائح واللاجئ والضائع والبائع...الخ، في الشتاء تنتشر أكشاك المشروبات الساخنة داخل وخارج الساحة، في ذاك اليوم البعيد البعيد الممطر، هو يوم من أيام عام 2000م، والذي لن لن لن أنساه أبدا، كنت أشرب السحلب الأردني المشروب الشتوي الأول المحضر من النشا والحليب والسكر والمكسرات يا الله ما ألذه، وأنا أجلس على إحدى الكراسي الحجرية المنتشرة في الساحة، فوق رأسي سقيفة من الزنك تحميني وتحمي سيجارتي من المطر، صوت قطرات المطر وهي تتساقط على سقيفة الزنك، صوت قطرات المطر، اسمعها بروحي، ولأنني أسمعها بروحي، أسمعها بلحن أغنية فيروز دخلك يا طير الوروار التي أرددها كثيرا كثيرا، بيني وبين نفسي، لأنني كنت متيقنا أن حبيبتي حين تقف على نافذتها التي ترافقها أينما ذهبت..!، نعم، نافذتها ترافقها أينما تذهب..!، تسألني روحها سؤال المحبوبة لحبيبها بهذه الأغنية التي أحبها وأحب أن أسمعها بصوتها بلكنتها الحضرمية لا بصوت فيروز..!، أنا على يقين أن روحها تسألني وهي مغمضة العينين وستظل تسألني سؤال المحبوبة لحبيبها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا أحد يستطيع أن يشككني في روح هذه المرأة الدوعنية..!، وأنا أذهب هنا وهناك بخيالاتي حدثت المعجزة ريش أبيض يتساقط من السماء، نعم، ريش أبيض يتساقط من السماء في كل مكان، لم استوعب ما الذي يحدث، الناس يركضون، الناس يركضون ويضحكون..!، الناس يرفعون رؤوسهم إلى السماء، لم أضحك ولم أركض ولم أرفع رأسي إلى السماء، أين أنا..؟!، أين المطر..؟!، هل سُرق المطر..؟ هل خرجت أنا من الدنيا..؟!، أين الدنيا..؟!، بالفعل خطر في بالي أنني خرجت من الدنيا إلى دنيا الله..، لم أكن مستعدا لهذا اليوم، يوم الحساب والعقاب، تمسكت بالصمت وكأني أتمسك بحافة هاوية، مذهولا.. آه وأي ذهول.. وأي ذهول..!، بدأ كل شيء يكتسي باللون الأبيض، الساحة الهاشمية، المدرج الروماني، الأكشاك، الأرصفة، الناس بمختلف طبقاتهم وتصنيفاتهم، الأشجار، واجهات المحلات..، كرة ثلجية طائشة أصابت رأسي..، وظننت أيضا أنها سقطت من السماء..!، لا.. لا.. لم تسقط من السماء بل الناس بكل طبقاتهم وتصنيفاتهم يقذفون بعضهم بكرات الثلج التي يصنعونها من الثلج الذي بدأ يتكوم في كل مكان، رأيت بأم أم عيني جنة بيضاء..، كرة الثلج التي أصابتني في رأسي أعادتني إلى الدنيا مرة أخرى، بدأت أفهم أن الريش هو الثلج الذي يسقط على المدن الباردة..، كثيرا ما شاهدت في نشرات الأخبار مدن شقراء يسقط عليها الثلج، كنت أقرأ وأسمع وأحلم عن هذا الحدث الأبيض العظيم، أيضا، عشت لحظة لأول مرة أراها في حياتي، لم تتكرر في حياتي..، نعم، لم تتكرر في حياتي، فأنا ابن مكة ابن المناخ الصحراوي ابن الجبال السمراء، صنعت كرة ثلجية وقذفتها بطريقة عشوائية على مجموعة من المارة أصابت أحدهم، فارتفعت أصوات ضحكاتهم.. ضحكتُ وصنعتُ لنفسي كرة ثلجية أخرى والتقطت صورة تذكارية مع كرة الثلج لن تذوب أبدا..!، وأنا أضحك من قلبي، ما أجمل أن يضحك الإنسان من قلبه..، الزمن ليس هو الزمن، الناس ليس هم الناس، حين أسمع الآن من يقول مثل هذه العبارات..!، من يقولها هم الذين فقدوا أيامهم ولم يكن لهم موعد تحت الشمس يوما ولم يدركوا غروبها وشروقها الحقيقي..، في عامي الستين أحرص على أن نتنفس أنا وذاكرتي برئة واحدة..!، يكون لي الحق أن أكون في كل مكان كنت فيه يوما، وفي كل مكان تمنيت أكون فيه يوما، خرجت من المقهى، الشمس والثلج لا يجتمعان..!، ليس مجرد كلام..!، إنه قانون الطبيعة..، تقدمت في اتجاه العودة إلى البيت بخطوات العابر..، العابر من أمام الببغاء الأخضر ذو المنقار الأحمر الذي يقف على خشبة مثبتة على مدخل محل بيع الطيور، مازال يردد نفس الكلمات، نفس الكلمات، نفس الكلمات، إنه الببغاء الأخضر ذو المنقار الأحمر الذي يقف على خشبة مثبتة على مدخل محل بيع الطيور..، وأنا، أنا العابر الذي سمع الكلمات التي يرددها..!