قراءة في رواية علي سباع «القلعة من رماد»..

جماليات المفارقة بين السّر والعلن والواقع والمتخيّل والسرد الإبداعي والوثيقة التاريخية.

كنت في مقالين سابقين قد عرضت لمفهوم الرواية التاريخيّة وجمالياتها وأنوَاعها، وقدّمت – بإيجاز - نبذة عن الرواية التاريخيّة العربيّة بعامة والرواية التاريخية السعودية بخاصة، تمهيداً لقراءة نماذج من هذا الجنس الروائيّ في الأدب العربي السعودي، وبدا واضحاً أن هذا النوع من السرد قد تطوّر في سياق فنّي وموضوعي في موازاة الفنون الأخرى ومقتضيات المراحل التاريخية: وتعدّدت مداخل المقاربات الفنية للتاريخ فكانت تلتمس سبل المعالجة في إطار المكان بوصفه البيئة الفاعلة التي تتمحور حولها عناصر الرواية الأخرى، والشخصيّات الممثّلة لهوية السلطة الحاكمة والظواهر الفكريّة والمذهبيّة والصراعات السياسية والمواجهات مع القوى الأخرى، وتفاوتت في اعتمادها على المصادر التاريخية ووثائقها وفق الرؤية التي يراها الكاتب والمخيال الإبداعي الذي يحفظ للرواية سمتها الفني وللتاريخ مصداقيته، وتفاوت الاهتمام بالتاريخ بوصفه مادةً تعليميّة معرفيّةً في مراحلها الأولى، وتوثيق جماليّ للقيم التي سادت وحكمت موازين القوى وثقافة المرحلة التي عالجها الروائيون، وقد تبين لمؤرخي الأدب الروائي في تلك المرحلة أن الرواية التاريخيّة احتلت مكانة مهمّة في الإبداع الروائي العربي ونالت جوائز ذات مستوى رفيع، وبلغت الذروة الإبداعية لهذا اللون الروائي بدءاً بالروائي محمد زارع عقيل في روايته الرائدة (أمير الحب) وفؤاد عنقاوي في روايته (تراب ودماء) ثم كان الطور الثاني ممثّلاً في مقبول العلوي في رواياته (فتنة جدة) و(زرياب) و(سفر برلك) وقد سبق أن عرضت لها في مقال سابق، ثم محمد حسن علوان في روايته (موت صغير) وأميمة الخميس في (مسرى الغرانيق في مدن العقيق) ومحمد المزيني في (التغريبة النجدية) وخليف الغالب في روايتيه (عقدة الحدّار والمزهاف) وحسن عامر الألمعي في (رصاص في بنادق الآخرين)؛ أما رجاء عالم فلها شأن آخر؛ فرواياتها التاريخية تدور حول مكة وتاريخها الثقافي والاجتماعي. ثمة عتبات بدأ بها الكاتب روايته تشير إلى رؤيته وتومئ إلى فلسفته تتمثّل في استهلاله لهذه الرواية تحت عنوان (مقدمة لا بد منها) يقول فيها: “لا شيء في هذه الرواية يؤخذ على أنه دليل يؤرخ لحقبة زمنيّة، الحقيقة أن لا شيء في التاريخ يمكن إثباته” ويتبع ذلك ببيتين للشاعر ابن المقرب العيوني الذي يعتدُّ ديوانه من الوثائق الأدبية المهمة في فهم تلك الحقبة، ومن ثمة يأتي الكاتب برسم لخارطة بعض المواقع التي ورد ذكرها في الرواية، وهذه العتبات تؤشر إلى ما يمكن أن نطلق عليه الإطار الجمالي القائم على المفارقة في هذه الرواية التي تنتظم سلسلة من المفارقات؛ سواء في الإطار الجامع (الواقع والمتخيّل) و(المعلن والخفي) و(الظاهر والباطن). والرواية التي بين أيدينا تدور حول مرحلة من مراحل التاريخ في إقليم من أقاليم المملكة العربية السعودية يتمثل في (القطيف)، وقد عدّ هذا الاهتمام بتلك الحقبة من ميزات هذا العمل الروائي وإضافاته المهمة للرواية التاريخية في الأدب العربي السعودي، وهي رغم ما تفضي به من رؤية فلسفيّة قيمية تتعلق بطبائع البشر وشهوة السلطة وتقلّب الأمزجة والأحوال من خلال المناصب والمواقع، وما يصحب ذلك من مفارقات؛ وهي ذات نكهة تاريخيّة توثيقيّة غالبة، يتبين للباحث فيها أنها تقبس من وقائع التاريخ الحقيقي أبطالها وأحداثها، وتملأ الفجوات التي لا يذكرها التاريخ عادة من تفاصيل تتعلّق بسلوك الشخصيّات الخاصة وحواراتهم في الغرف المغلقة، والمؤامرات والدسائس والنوايا والوسائل، وتخترق الظواهر إلى البواطن، ويعمل مخيالها على الربط والوصل وترتيب الحبكة والإيحاء بما تفضي به الأمكنة والعوالم والنفوس والمفاجآت والأماني والخيبات. الرواية – كما هو واضح – مجتمعها من علية القوم وأحداثها هرمية بمعنى أنها تتعلق بطبقة السلطة ودراميتها؛ ولكنها ليست محصورة في طلاب الحكم فحسب، ولكنها تعاملت مع الوسط الشعبي الاجتماعي بفئاته كافّة في المحيط الاجتماعي، والرؤيا فيها تتصل بالبعد القيمي والتوثيقي؛ بمعنى أن التوثيق لا يعني القيام بمهمة التأريخ؛ بل بالاستشهاد به وبتأكيد رؤية الكاتب عبر واقعية غير قابلة للإنكار. وقد بدا أن كثيراً من الوقائع والشخصيات التي ورد ذكرها في الرواية ذات منشأ تاريخي موثّق؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر واقعة مقتل محمد أحمد العيوني والتفاصيل المتعلقة بوصف المعارك وترتيب الوقائع في الحبكة الروائية وبرنامجها السردي، ودوافعها وما أعقبها من صراعات، وكذلك شخصية عزيز بن الحسن وراشد عميرة والفضل بن محمد وما يتصل باستنجاده بالخليفة العباسي والناصر لدين الله وغياث الدين شاه، وما ورد بشأن جزيرة قيس وعلاقتها بالعيونيّين وما يتصل باستعادة الفضل للقطيف وأوال، ثم ما يتعلق بالامتيازات الاقتصاديّة في المعاهدات السياسية، وما يتعلق بالرحاب (الشخصية المحورية في الرواية) وغانم وغيرهما، كل ذلك من العناصر الأساسية التي بنيت عليها مجريات السرد في هذه الرواية؛ أما فيما يتعلق بالأبعاد النفسية والهواجس والاستبطانات الداخلية والحوارات واللقاءات والوشائج الاجتماعية ووصف المعارك وغيرها فهي نتاج المخيلة التي يمتلكها الكاتب، وهذا ديدن الفن الروائي التاريخي، وقد أشارت المصادر الأدبية المتاحة للاطلاع وفي مقدمتها شرح ديوان ابن مقرب العيوني إلى ذلك؛ فضلاً عن الكتاب المرجعي المهم عن (الدولة العيونية في البحرين) لعبد الرحمن المديرس، وكتاب عبد الرحمن آل ملا (تاريخ الإمارة العيونية في شرق الجزيرة العربية) وغيرها من الكتب التي لا يتسع المجال لذكرها. وتعدّ هذه الرواية إضافة نوعيّة فيما يتعلق بموضوعها فيما يتعلق باهتمامها بمسار تاريخي إقليمي وثيق الصلة بالجغرافيا العربية السعودية، والبعد الوثائقي التاريخي وخصوصاً في إيرادها لبعض النصوص الوثائقية واهتمامها بالإضافة إلى ذلك بمجريات الحياة وتفاصيلها في تلك الحقبة التاريخية الدولة العيونية وشرق الجزيرة العربية في أواخر القرن السادس وبداية السابع الهجريين، وإلى القطيف وأوال وتاروت وجزيرة قيس. ولعل ما يحسب للرواية اتكاؤها على الوثيقة بنصّها الأصلي (حيث أثبتها بنصّها) وكأنها شاهد ودليل على صدقية الرواية؛ وإن لم تكن سبّاقة في ذلك؛ ولكن موقع الوثيقة ووظيفتها الفنية جاء مغايراً للمألوف في الروايات التاريخية التقليدية التي اعتمدت على الرواية. ولعل من المهم في تحليل هذه الرواية ما يتعلق ببنيتها السردية؛ فهي تبدأ بموقف مُتأزم ضبابيٍّ يثير الاهتمام، وهو مؤشّر أولي على مبدأ التشويق، خصوصاً فيما يتعلق بالروايات التي تنطلق من مبدأ الالتزام بالتوثيق التاريخي فالمادة الوصفيّة المجردة تفتقر إلى الإثارة التي تغري بمتابعة القراءة، وهي - هنا - لحظة مفعمة بالغموض والإلغاز دراميّة المنحى، تتمثل في واقعة مُلغِزة فقد الاتصال بالشخصية التاريخية محمد بن أحمد العيوني، وهي لحظة متفجّرة متوتّرة مفعمة بالحيرة؛ ثم بالمفاجأة التي تتمّثل في مقتل هذه الشخصية وتوعُّد الرحاب بالانتقام، وهي عتبة سرديّة مهمة ومنطلق لما سيأتي من وقائع، وهذه ظاهرة جماليّة تُحسب لكاتب الرواية ومحرّض رئيس لتتابع الوقائع التي تلي ذلك وإضاءة أولى للشخصية الرئيسة في الرواية، وتنهض على مبدأ العدول الذي هو جوهر الفنون الأدبية؛ فالبدء بهذه الواقعة يخالف مبدأ السرد التقليدي في الحكايات، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ثمة عودة إلى البداية؛ ولكنها ليست البداية المعهودة في السرد، وإنما عودة لبداية سيرة الرحاب الشخصية الرئيسة في الرواية التي تنهض بمهمة السرد والفعل في الوقت ذاته، واللافت فيها ليست التفاصيل المتعلقة بالتفاصيل المعهودة في السير؛ بل التأكيد على شخصية (ابن الحصار) المربي الذي غرس في الرحاب سمات القوة والقسوة وانطوت على مفارقة مهمّة في بناء الحبكة الروائية تمثّلت في ازدواجية الولاء والاعتداء (إذا صح التعبير) فهذه الشخصية لعبت دوراً مزدوجاً ظاهراً وخفيّاً، وهذه العودة ترصد محطات مهمة في أحداث الرواية وتطوّر شخصية الرحاب وبدء بروزه الذي أهّله للقيام بدوره المحرك للأحداث في الرواية فهو الذي اصطاد النمر الذي عالج به الأمير المريض؛ ولم يكن اختيار الكاتب للنمر أمراً عَرضيّاً؛ بل فيه إيحاءات تتّصل بشخصية الرحاب: فقد نجا الأمير عماد الدين المريض بالوصفة التي وفّرها الرحاب ممثلة في كبد النمر الذي اصطاده لهذا الغرض؛ ولكن أقارب الرحاب لم ينجوا من الموت، وتلك مفارقة أخرى إذ كانوا ضحية الوباء الذي ضرب المنطقة وهم من ضحاياه؛ ولكن من المفارقات أنه نتيجة لإنقاذه للأمير الذي تبنّاه أصبح مرموق المكانة فيما يقابل خسارته لأقاربه؛ وهي معادلة قدريّة تندرج في سلسلة المفارقات التي انبنت عليها الرواية، وهنا تتجمع الخيوط السردية والوصفية التي أنتجت الرؤيا الواقعية والفلسفية والتاريخية للرواية بكثافة ملحوظة، وهي التي منحت عنوان دلالاته الرئيسة بوصفه العتبة التي تقود إلى ولوج معترك الصراع في الرواية من ناحية، وتومئ إلى نهايتها من ناحية أخرى، فقد تم العثور على النفق الموصل إلى القلعة ومركزية الحماية التي تضمنت المفارقة الكبرى ممثلة في المقتلة التي انتهت إليها، سلسلة من المفارقات تشكّل بنية السرد في الرواية، وتنعقد حبكتها عبر مفارقة بنائيّة أخرى تتمثل في المراوحة بين زمنيّة الوقائع حيث البداية بلحظة الذروة التي تتبلور فيها بؤرة الصراع ومنطلق الأحداث المسرح والجذر الضارب في زمن سابق تشكلت فيه شخصية الرحاب الشخصية الفاعلة المحرّكة، والموجهة لحركة الفعل والمهيمنة على مسار السرد، حيث يستنبت الكاتب منهجه القائم على المفارقة المنقّب في خبايا النفوس والكاشف لأسرار الوقائع. ولأن المجال لا يتسع للتفصيل، فإن الوقوف عند محور مهم من محاور الرؤية مُمثلاً في دور الشخصيات النسائية في الرواية ودورها في بناء الحبكة أمر مهم يتسق مع طبيعة الأنثى التي تبدو مهمشة في مثل هذه السياقات التاريخية؛ فنحن أمام شخصيتين مهمتين هما: الشاهنامة المرأة الفارسية التي تنبني شخصيتها المُلغزة على مفارقة بين الحضور الجسدي العاطفي الذي يشغل الرحاب والدور الخفي الذي تنهض به في الأحداث، وكذلك النطيعة، وهي ذات حضور أشد تعقيداً؛ إذ تنخرط في سلك الجاسوسية للملك غياث، وهذا الدور مألوف في كثير من الروايات التاريخية ومنها (موت صغير) لمحمد حسن علوان، وهناك دراسة أكاديمية عنوانها (محكي الحلم في رواية “موت صغير” لمحمد حسن علوان) منشورة في مجلة (إشكالات في اللغة والأدب) والحلم فيها له وظيفة تنبؤية على شاكلة الرواية التي نحن بصددها، كذلك ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور، والحلم فيها أقرب إلى المعادل النفسي لما يدور في داخل الشخصية، وكذلك الحلم في رواية عزازيل ليوسف زيدان، وفي رواية (واحة الغروب) لبهاء طاهر و(ساق الغراب) ليحيى أم قاسم وروايتين لأمين معلوف هما (سمرقند) و(ليون الإفريقي) وروايات تاريخية أخرى لا يتسع المجال لذكرها؛ ولكن أقربها ما جاء في رواية (موت صغير). وبالعودة إلى النص السردي في (قلعة من رماد) يتبين لنا المتكأ الجمالي الذي ينتظم سياقاتها المتعدّدة يتمثل في المفارقة التي تتجمع خيوطها في الجزء الأخير من الرواية: لقد كانت الحصيلة الإجمالية التي انتهت إليها الرواية التي تتجمع فيها خيوط المفارقات كلها تتمثل في: خراب المزارع التي كان للرحاب منها نصيب وافر منح له هدية مجزية من الأمير الذي وفّر له كبد النمر، واضطراب المجتمع القبلي الذي نجح الرحاب في حشده وتجنيده في صفه، والأهم من ذلك كله ما انتهى إليه الرحاب الذي انقلب على مبادئه ومقاصده في الوفاء والعدل والانتصار للمظلومين إلى التسلط والعنف والانتقام، وكشفت الوقائع في الرواية عن مفارقات في المواقف؛ وأولها موقفه هو؛ إذ كان الظاهر أنه يسعى للثأر لمقتل الأمير في حين كان يسعى لتشكيل جبهته الخاصة التي تمنحه القوة والسلطان. والمفارقة الكبرى هي التي تمثلها العتبة الرئيسة في الديوان، حيث كان المعتقد أنه باكتشافه للنفق الذي يوصل إلى القلعة قد امتلك زمام القوة التي تمكنه من الغلبة فإذا بها تقوده إلى الهلكة. وفي نهاية المطاف أود أن أشير إلى أن ما ينتظم العقد الجمالي في الرواية سواء في بناء الحبكة أو تشكيل الشخصيات الرئيسة والعلاقات الناظمة بينها أو المكان وأنساق الوعي كلها تخضع لإطار جمالي يتمثل في صناعة المفارقة التي يمكن إسقاطها على منظومة القيم الإنسانية وتنتظم رؤية الكاتب الفلسفية.