«إحسان عبد القدوس» سيرة أخرى..

الكاتب الذي عاش في قلب العاصفة.

للكاتب إبراهيم عبد العزيز مجموعة من الكتب كل منها يتحدث عن أحد أدباء مصر، يتناول فيها ما لم يكن واضحاً للرأي العام عن حياتهم، من خلال مراجعة لما نُشر عنهم من مقالات ووثائق لم تأخذ حظها من الذيوع والانتشار، ولذا فإن أكثر ما يرد في كتبه هذه يبدو للقارئ جديداً. وقد كتب عن طه حسين، ونجيب محفوظ، ويحيى حقي، وغيرهم كثير. إحسان عبد القدوس كان من الكتاب والصحافيين الذين شغلوا الناس وملأوا الدنيا بالكتابات السياسية الجريئة والكتابات الروائية الأكثر جرأة، وفي كليهما استطاع أن يهز المجتمع العام والمجتمع السياسي، فهو من فضح قضية شراء أسلحة فاسدة ليستعملها الجيش المصري في حرب فلسطين عام 1947، وكانت تلك أحد أسباب الهزيمة، وعرّضه ذلك لمحاولة اغتيال بقي تأثيرها على جسده حتى لحظات حياته الأخيرة، ولكنه رغم ذلك نصح بعض المتحمسين من الضباط بألا يتورطوا في محاولة اغتيال الملك فاروق، لأن ذلك سيعيد مصر مائة عام إلى الوراء، كما نصح الضباط الذين قاموا بالثورة بأن يدعوا فاروق يذهب إلى منفاه آمناً رغم أن البعض كان يرتب لاغتياله، وبالمقابل نصح فاروق عندما استقر في منفاه بألا يواصل نشر مذكرات مستفزة للقادة الجدد حماية لحياته، بل ونصحه بتهنئة هؤلاء بالتحول نحو الحكم الجمهوري، حتى يعطي بناته فرصة أفضل في الحياة في المجتمع المصري في العهد الجديد، رغم أن الملك فاروق عبّر عن كراهيته لإحسان لدرجة أنه أعلن عن حماسه لاستعمال مسدسه معه. ورغم أن إحسان كان مقرباً من الضباط الثائرين إذ كان أول صحفي يتصلون به، ويقبلون نصيحته بشأن اختيار رئيس وزراء جديد قادر على إدارة عملية التغيير، إلا أن ذلك لم يحمه من السجن؛ فإن القادة الجدد لم يتحملوا مقالته التي انتقدت وجود قيادة غير معلنة أمام الشعب تبدو وكأنها عصابة حكم سرية، ولم تكن تلك أول مرات سجنه، بل إنه سُجن في العهد الملكي لأنه طالب السفير البريطاني (الحاكم الحقيقي لمصر) بالرحيل. لم تكن تلك هي المشكلات الوحيدة التي عانى منها الرجل، فإن رواياته التي اغترفت السينما المصرية منها أثارت الكثير من الضجيج، فسُمي أدبه (أدب الفراش)، لاكتظاظها بالجنس والتحرر الفاقع، لكنه أشار إلى أن بطلاته المتحررات جداً في عصرهن إنما كن يمثلن طبقة اجتماعية مرموقة في مصر، وكان يكشف أمراضها الاجتماعية، التي كانت أمراضاً عامة ولم تكن مجرد أخطاء فردية يعالجها بوليس الآداب، بالطبع لم يعهد الناس الحديث عن تلك الأمراض في عصر سابق لعصرنا الحالي، فقبل عصرنا كانت بنات المجتمع يلتزمن قدراً من الاحتشام لا يجيز ما نراه اليوم من مذيعات القنوات التلفازية اللواتي يظهرن على الشاشة وقد تعرى نصف الجسد، مع الرقبة والذراعين ونصف الصدر، ثم يلكن الكلام المنغم كما يُدار اللبان في الأفواه. إحدى رواياته تمت مناقشتها في مجلس الشعب المصري وأحيلت إلى لجنة تأديب، ورغم أن الأدباء الذين أُحيلت الرواية إليهم لمناقشتها لم يجدوا من خلالها ما يدين الكاتب، إلا أن صديقه توفيق الحكيم رفض أن يكتب له شهادة تتضمن رأيه قبل مناقشة الرواية رسمياً، وصرح بأنه لن يفعل إلا بعد أن يعرف رأي السلطة، مؤسف جداً! أحد الأمور التي خلقت المعاناة للرجل كانت أنه ابن فاطمة اليوسف، الممثلة التي تحولت إلى الصحافة وأصبح لها مجلة باسمها (روز اليوسف)، وكانت مجلتها دائماً في قلب الأحداث الوطنية والسياسية، تكتسب الأصدقاء اليوم، فيتحولون إلى أعداء غداً، لم تكن تهادن أحداً، وكانت تتبنى كل قضايا المرأة، كقضية المشاركة المجتمعية التي تحررها من الاكتفاء بحياة ربة البيت، وكانت الأم نفسها مثالاً للتحرر. عانى إحسان منذ صغره قضية كونه “ابن الست”، فتمنى لو كانت أمه إحدى ربات البيوت لا إحدى النجمات، ولذا فقد حرص على أن يحتفظ بزوجته في برج عاجي، بعيداً عن المجتمع العام، تضيف إليه حنان الأم مع ود الزوجة، كذلك فإن نمط حياة طبقته لم يمنعه من التحمس لزواج ابنه الصحفي من ابنة الشيخ محمد الغزالي، وأصبحت تعيش مع الأسرة في بيت إحسان، وهو أمر ظن قراء إحسان أنه لا يتناسب مع أجوائه الروائية، وفي الكتاب مقال يشيد الشيخ الغزالي فيه بصهره إحسان عبد القدوس. عندما ظهر نبوغ إحسان الصحفي غمزه بعض الناس بأنه ابن روز اليوسف الصحيفة والأم، رغم أن الأم كانت تعامل ابنها كما تعامل كل الصحفيين، بعيداً عن مشاعر الأمومة لدرجة أنها طردته من مجلتها، فعمل واشتهر من خلال مجلة “آخر ساعة” التي كان يرأس تحريرها الصحفي محمد التابعي، ومحمد التابعي كان أول رئيس لتحرير مجلة روز اليوسف وقد عمل تحت إشراف أم إحسان فترة طويلة، نبوغ إحسان الصحفي المبكر جعل العقاد بطريقته الهجومية الفظة يتهم إحسان في نسبه، رداً على ملاحظة فيها نقد بسيط من إحسان للعقاد، قال العقاد إن إحسان ابن غير شرعي لعلاقة جمعت محمد التابعي مع الصحفية، وهذا بكل المقاييس فجور عظيم، في الكتاب وثيقة: هي رسالة لأحد وجوه المجتمع المصري من أصدقاء محمد عبد القدوس المهندس والممثل والأب يقول فيها: إنه انتقل إلى مدينة شبين الكوم للاختباء من اضطهاد سياسي تعرض له، وقدمت فرقة جورج أبيض إلى المدينة لتقديم عرض مسرحي، فذهب الرجل للسلام على أصدقائه في الفرقة المسرحية، يتابع الرجل أنه بينما كان جالساً مع فلان وفلان (يسميهم) جاء محمد عبد القدوس وبرفقته روز اليوسف، فحياها بعضهم على أنها الآنسة روز لكن محمد عبد القدوس قال إنهما (محمد وروز) قد ارتبطا بالزواج ولذا فإن اسمها قد أصبح (روز عبد القدوس اليوسف)، وإنما لم يعلنا عن الزواج نظراً لأن والد محمد الأزهري والقاضي عارض زواج ابنه من ممثلة مسيحية (أسلمت فيما بعد)، وينتهي الرجل إلى القول إنه أرسل الرسالة إلى إحسان مسجلاً شهادته وشهادة الحاضرين فلان وفلان حتى تتأكد شرعية الزواج أمام تقوّل القائلين. لم تحمِ علاقات إحسان إحساناً من السجن، والإبعاد عن وظائفه، فإن النقراشي الذي سجنه في العصر الملكي كان صديقه، وكذلك كان جمال عبد الناصر الذي سجنه أيضاً، ولكنه حاول أن يبقي على علاقات الود مع إحسان وأتاح له أن يكتب عن تجربته في السجن، التي لم يكن يعلم عنها الناس، أما علاقته مع صديقه السادات فلم تخلُ من منغصات، فقد اعتقل السادات ولديه لمشاركتهما في المظاهرات، ولم يستعطف إحسان صديقه، بل قال إن لولديه حق الاستقلال بآرائهما في السياسة، وعندما ادعى أحد الكتاب أن إحسان عندما التقى السادات قال جملة اعتذارية عن أولاده، أرسل الرجل نفياً لذلك، وتلك كانت شجاعة منه تقترب من التحدي، وهو نوع من احترام النفس تجده كثيراً عند إحسان فقد استقال من الأهرام لكي لا ينفذ توجيهات الرئيس السادات بخصوص إقالة بعض زملائه من العمل. وكان يتوقف عن العمل عندما يجد أن الأمور لا تسير في الطريق الصحيح. وعندما تركت والدته له مؤسسة روز اليوسف يديرها، وجد أن المؤسسة لا تمتلك رصيداً مالياً كافياً رغم نجاحاتها، فاقترح أن تشارك الدولة في ملكية الصحافة، وقد حدث بالتأميم، ولكن عندما استقر التأميم تأسف إحسان وأعلن أنه أخطأ لأنه وجد أن الصحفي قد أصبح بالتأميم موظفاً عند الدولة فتخلى عن حريته وأصبح يبحث عن رأي الدولة ليعبر عنه، وبالتالي فقد خسر أهم صفات العمل الصحفي الناجح، أي الاستقلالية. يفند الكاتب بالتفصيل ما نُشر في جريدة القبس الكويتية، عن وثيقة تقول إنه تواصل مع السفارة البريطانية بعد قيام الثورة بتسعة عشر يوماً، وتحدث فيها عن قيادات الثورة التي لا زالت وراء الكواليس، وعن توقعه أن تتحول إلى حكم ديكتاتوري وما إلى ذلك، وكان يمكن لهذه المعلومات أن تحفز الإنجليز للانقضاض على الثورة، مما يعني موقفاً لو صح لكان مزرياً بوطنية إحسان، يفصل الكاتب في هذه المسألة فيقول إن رأي إحسان أن فترة ديكتاتورية مؤقتة ربما كانت ضرورية وكان هذا رأياً سمعه من إحسان أكثر من واحد، أما تواصله مع الملحق الصحفي للسفارة البريطانية فكان يحدث بعلم الدولة، لأن عبد الناصر استخدم الصحفيين المصريين للتواصل مع السفارات الأجنبية لفهم كيف يفكرون أو لطمأنتهم، وقد استخدم ذلك مع أكثر من صحفي منهم صديقه محمد حسنين هيكل الذي وجهه للتواصل مع الأمريكان، بل إن الرئيس السادات قد حاول اتهام هيكل بالتواصل المشبوه مع الأمريكان بعد خصومتهما، رغم أن هذا التواصل تم برغبة وعلم من السادات نفسه، وقد تكرر ذلك مع أكثر من صحفي، واستعمله النظام ضد بعض الصحفيين للتشويش لا أكثر. علماً بأن مواقف إحسان ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر كانت واضحة لدرجة أن الملحق الصحفي الإنجليزي في نفس التقرير يشير إلى روز اليوسف المجلة بأنها مجلة شيوعية، وذلك في الفترة التي كان إحسان يرأس تحريرها، بل إن إحسان خبأ في بيته حسين توفيق الذي اغتال أمين عثمان السياسي المصري الموالي للإنجليز، وهو موضوع سجله إحسان في رواية وفيلم (في بيتنا رجل). ذكر الناقد رجاء النقاش أن النقاد لم يعطوا إحسان حقه كأديب روائي، ربما لأنهم كانوا يتصورون أنه ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، وربما لأنه لم يكن يوماً منتظماً في حزب، وعلى أي حال فإن موقعه الصحفي باعد بينه وبين السلبية، ولكنه جعله صديقاً لبعض الزعماء، وإن لم ينجُ من شرهم؛ فإن السادات أبعده عن مسؤولياته الصحفية حين اعترض على بعض ما تضمنه أحد خطاباته، رغم أن السادات كان يتصل به بعد كل خطاب ليسأله عن رأيه. صداقته للأمير الشاعر عبد الله الفيصل أهلته ليحمل رسالة من الأمير لعبد الناصر، يبلغه فيها عن مؤامرة لاغتياله. أما عن القذافي فقد أغضبه ما كتبه إحسان عنه قائلاً: إنه (أي القذافي) لن يكون مثل عبد الناصر، فعبد الناصر يتحالف مع الشيطان في سبيل مصلحة وطنه، ولكن القذافي يتحالف مع الشيطان من أجل شهوة الحكم، أوصلت له المخابرات المصرية أنها اكتشفت محاولة لاغتياله، لست أدري إذا كانت المسألة حقيقية أم مفبركة، إذ إن إحسان الذي ابتدأ موضوع انتقاد القذافي معبراً عن رأيه الشخصي وليس مدفوعاً من أحد، استجاب فيما بعد لطلب من السادات بمتابعة هجومه على القذافي. لكل شيء مثل النجاح والشهرة والصلات الاجتماعية ضريبة، وكما أنها تفيد أحياناً لكنها تضر أحياناً أخرى، وقد نال إحسان من كليهما. رحمه الله.