تمثّل حركة جهيمان، في تطرفها وانغلاقها وتعلقها بالغيبي وفظاعة الجريمة التي ارتكبتها، موضوعًا يستدعي الدراسة من زوايا متعددة. ومع ذلك فقد نشأ لدي منذ مدة نوع من التشبُّع والملل من القراءة عما يُكتب عن جهيمان؛ بسبب تواتر كتابات كثيرة على تضخيم أثره في ما تعارفنا على تسميته بـ«الصحوة»، ثم ردّ طيف واسع من الحركات الجهادية اللاحقة إلى حركته، حتى كاد يصبح في بعض السرديات نقطة ابتداء تفسيرية لما جاء بعده من تشدد وعنف ديني. ومن هنا استوقفني كتاب الدكتورة لطيفة الشعلان «الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية»، ولا سيما عنوانه الفرعي الذي يصل بين «المنطلقات الوجودية والسياقات التاريخية والاجتماعية لاقتحام المسجد الحرام عام 1979». فالمنظور الوجودي لقراءة تلك الواقعة الأليمة يعني أن القراءة لن تكتفي بالبحث عما صنعته الظروف التاريخية والاجتماعية بالفرد، بل تتجه إلى ما صنعه هو أيضًا بهذه الظروف، وكيف أعاد بناء عالمه في وعيه، واستمد منه معنى وجوده ومسوغات أفعاله. وفي هذا المنظور مفارقة لافتة: فالإنسان الذي يصوغ عالمه الخاص، بما يتيحه ذلك من إرادة واختيار ومسؤولية، يمكن أن ينتهي، كما تكشف تجربة جهيمان وجماعته، إلى بناء عالم ذهني مغلق يأسره ويضيّق إمكانات اختياره، حتى يتوهّم أنه لا يفعل إلا ما تقتضيه حقيقة لا يملك الخروج عليها. هكذا يبدأ منعطف الاختلاف من طبيعة المقاربة التي اتخذتها الشعلان أداةً لقراءة الجهيمانية، ومن خلفيتها النظرية المتصلة بالأفق الظاهراتي-الوجودي الذي يستند إليه علم النفس الوجودي، ويجد تطبيقه في الكتاب في المعطيات الوجودية النهائية التي حددها إرفين دي يالوم، الطبيب النفسي الأمريكي وأحد أبرز منظّري علم النفس الوجودي. ولعل ما جعل هذه المقاربة لافتة لي أنها نقلت جهيمان من موقع «الأصل» الذي تُردّ إليه الظواهر اللاحقة، إلى موقع «الذات» التي ينبغي فهم كيفية تشكّل عالمها من الداخل. فبدل أن ينحصر السؤال في ما أنجبه جهيمان بعده، اتجه إلى كيفية تكوّنه هو نفسه، وكيفية إعادته بناء ما ورثه وعاشه في صورة مخصوصة من المعنى أفضت به إلى فعل ما فعل، ثم إلى مدى مسؤوليته عن اختياراته وأفعاله، وإن اعتقد أنه خاضع لحتمية لا يملك الخروج عليها. وتقوم فرضية الكتاب، في ضوء هذا الإطار النظري، على نفي السببية والحتمية، بالمعنى الذي يرفض ردّ واقعة اقتحام المسجد الحرام إلى ماضٍ يفسرها تفسيرًا مُلزِماً؛ فهي، في المقاربة الوجودية التي اعتمدها الكتاب، لا تُفهم على أنها حصيلة آلية لما سبقها من ظروف وأحداث، بل ثمرة العالم كما أعاد جهيمان بناءه في وعيه، واستمد منه معنى فعله ومسوغاته، ويتحمل من ثم مسؤولية اختياراته. ولا تعني هذه «اللاتاريخية» في مقاربة الكتاب إخراج الشخصية من التاريخ أو إنكار أثر سياقاتها، وإنما تعني ألا يكون الماضي، حين نفترض أنه سلسلة من الأسباب الموضوعية، كافيًا وحده لتفسير الفعل. فالمهم كذلك هو العالم كما يتشكّل في وعي الشخص؛ أي الطريقة التي يدرك بها واقعه ويمنحه معناه، ويستدعي من ماضيه ما ينسجم مع هذا التصور، ويجد في العالم الذي أعاد بناءه مسوِّغات أفعاله ومنطلقاتها. لا يكون الإنسان، من هذا المنظور، مجرد حاصل لما فعلته به ظروفه، بل طرفًا فاعلًا في بناء العالم الذي يتحرك داخله. ويمكن التمييز، في ضوء ذلك، بين المقاربات التي تجعل الثقل التفسيري في الشروط السابقة على الفرد؛ اجتماعيةً كانت أو نفسيةً أو مادية، وبين المقاربة الوجودية في هذا الكتاب، التي لا تنكر أثر هذه الشروط، لكنها ترفض استنفادها تفسير الفعل؛ وبذلك تستعيد الذات قدرتها على تأويل شروطها، ومنحها معناها، واتخاذ موقف منها، ومن ثم الإسهام في صنع الواقعة نفسها. ويكمن جانب مهم من فرادة مقاربة الكتاب في هذا التحول: من البحث عما صنع جهيمانَ، إلى البحث أيضًا فيما صنعه جهيمانُ بما أُتيح له وما فُرض عليه. هذه المقاربة -إذن- لا تردّ جهيمان إلى ظرف اجتماعي أو سياسي أو نفسي واحد؛ فتلك الظروف لم تُفضِ إلى النتائج نفسها لدى جميع من عاشوها، وهو ما يُبرز أهمية الكيفية التي يتمثَّل بها الفرد شروطه، وينتقي من عناصرها، ويعيد تركيبها ويمنحها معنى خاصًا. وهكذا تستعيد المقاربة فاعلية الفرد، فلا تجعله مجرد حصيلة سلبية لشروط سابقة عليه، وتتيح لنا أن نفهم في الشخصيات المتفردة، سلبًا أو إيجابًا، أي سواء أكانت مبدعة أم مجرمة، خيّرة أم شريرة، قدرتها على إنتاج صيغ مخصوصة من المعنى والقيمة والفعل من مواد مشتركة مع غيرها. وفي هذا ما يفسِّر جانبًا من شغفنا بالتعرف على هذه الشخصيات والأفعال واكتشافها من الداخل؛ فنحن نقرأ فيها ما صنعه العالم بها، إلى جانب ما صنعته هي بالعالم الذي أُتيح لها. ومن هنا تغدو المهدوية، في تمثُّلها الجهيماني، جزءًا من بنية وجودية أعاد جهيمان تشكيلها على نحو مخصوص، وأسهمت في دفعه إلى الفعل. *** وتتضح القيمة المعرفية لهذه المقاربة بالانتقال من الفصول الأربعة الأولى، التي تناولت المقاربات السابقة للجهيمانية المهدوية، وسيرة جهيمان، ورسائله وتكوينه المعرفي، والتأسيس النظري لعلم النفس الوجودي عند إرفين دي يالوم، إلى الفصول الأربعة التالية، التي تطبّق فيها الشعلان ثلاثة من معطيات يالوم الوجودية: المعنى والعزلة والفناء، وصولًا إلى تحليل تفاعلها في تشكيل وعي جهيمان المهدوي واستجابته التي انتهت إلى اقتحام الحرم. ويبدأ التطبيق في الفصل الخامس بسؤال المعنى، فتكشف الشعلان كيف تحولت المهدوية لدى جهيمان من معتقد أخروي إلى بنية شاملة للمعنى، أعاد في ضوئها تفسير العالم وتحديد موقعه الشخصي فيه. إذ غدت «ملة إبراهيم»، بما تنطوي عليه في تصور جهيمان من فصل حاسم بين الحق والباطل، أساسًا لتحديد علاقته بالمجتمع وهويته ومهمته، متجاوزةً حدود الموقف العقدي إلى توجيه سلوكه وأفعاله. وحين اقترن هذا المعنى الكوني بمعنى شخصي يجعل له دورًا في أحداث نهاية الزمان، ضاق أفق الزمن لديه، وتحول انتظار المهدي من ترقّب حدث مقدّر إلى السعي لتعجيل وقوعه. وهكذا تكشف المقاربة كيف انتقلت المهدوية، في وعي جهيمان، من تفسير العالم إلى محاولة تغييره بالفعل. وفي الفصل السادس، المتعلق بالعزلة الوجودية، تكتسب «الغربة» التي تحتل مكانة ظاهرة في خطاب جهيمان دلالة تتجاوز معناها الديني المستند إلى الحديث النبوي، وموقفه من التحولات الاجتماعية التي شهدتها المملكة. فهي تتحول إلى أساس لبناء الهوية، ومعيار للتمايز عن المجتمع، حتى يغدو الافتراق عن الآخرين علامة على صحة الطريق. وتقرأ الشعلان الجماعة السلفية المحتسبة في هذا السياق بحسبانها استجابة لقلق العزلة، لا مجرد تنظيم ديني؛ إذ يجد الفرد في الانتماء إليها الأمان واليقين والشعور بالاصطفاء. لكن هذه الاستجابة تنطوي على مفارقة: فالجماعة التي تخفف عزلة الفرد بانصهاره فيها تعمّق عزلتها عن المجتمع، حتى يصبح انغلاقها على عالمها الخاص عاملًا في ترسيخ يقينها، لا باعثًا على مراجعته. أما الفصل السابع، المتعلق بحتمية الفناء، فتقرأ فيه الشعلان انشغال جهيمان بالمهدوية وأشراط الساعة في ضوء قلق الموت وآليات الدفاع الوجودي في مواجهته. وتستحضر وفاة والده في حادث سير كان جهيمان في صحبته، بحسبانها تجربة يُحتمل أنها وضعته أمام حقيقة الفناء، ثم تتقصّى الكيفية التي اتصل بها الموت الفردي في وعيه بنهاية العالم والحساب والمصير الأخروي. وتبحث كذلك في ما يمكن أن تمنحه المشاركة في حدث كوني يُعتقد أنه يحقق وعدًا إلهيًا من شعور بتجاوز محدودية الحياة الفردية. وبذلك تكتسب المهدوية، إلى جانب وظيفتها في بناء المعنى، وظيفة دفاعية محتملة في مواجهة الفناء، بإدراج المصير الشخصي في سردية تتجاوز عمر الفرد وموته. وتبلغ المقاربة ذروتها في الفصل الثامن، حين تنتقل الشعلان من تحليل المعنى والعزلة والفناء، كلٍّ على حدة، إلى بناء نموذج تفسيري لتفاعلها في تشكيل استجابة جهيمان. فالمعنى الذي استمده من «ملة إبراهيم» والتصور المهدوي، والعزلة التي واجهها بالانصهار في جماعة تعتقد اصطفاءها، وقلق الفناء الذي واجهه بدفاعات تتصل بالاستثنائية الشخصية والخلود الرمزي، تتفاعل جميعًا مع ظروف تكوينه التاريخية والاجتماعية. وتوضح المؤلفة كيف يمكن لهذه الاستجابات الدفاعية أن يعزّز بعضها بعضًا، وأن تعيد إنتاج القلق الذي نشأت لمواجهته، بدل أن تبدّده. وفي ضوء هذه العلاقات المتبادلة، تقرأ اقتحام المسجد الحرم على أنه ذروة استجابة وجودية مركّبة، وليس على أنه نتيجة حتمية لعامل منفرد، ولا مجرد تنفيذ مباشر لمعتقد ديني سابق. وبذلك تتضح القيمة المعرفية للفصول التحليلية الأربعة؛ فالمؤلفة تتجاوز رصد معتقدات جهيمان وظروف تكوينه إلى الكشف عن الكيفية التي أعاد بها تشكيل تلك المعتقدات والظروف في عالم مخصوص من المعنى، وعن تفاعل هذا العالم مع استجاباته للعزلة والفناء، حتى وجد فيه مسوّغات لفعله. وتضيف المقاربة الوجودية، بناء على ذلك، إلى التفسيرات التاريخية والسياسية والعقدية، مستوى آخر من الفهم، يتجاوز مضمون الأفكار إلى وظائفها في التجربة الفردية، وكيفية تحوّلها إلى دوافع للفعل. وفي هذا الانتقال من وصف المعتقدات والظروف إلى استكشاف فاعلية الذات في تأويلها وإعادة تركيبها، تكمن الإضافة التي يقدّمها الكتاب إلى فهم الجهيمانية. *** لكن القيمة التفسيرية لهذه المقاربة لا تعفيها من المساءلة. وأول ما يثير التساؤل هنا هو حصْر الكتاب تفسير حركة جهيمان في عقيدة المهدي وتعجيل أحداث نهاية الزمان، ونفيه وجود مشروع سياسي دنيوي للجماعة. فالمهدوية، في التصور الذي تبنّاه جهيمان، ليست عقيدة أخروية منفصلة عن شؤون الدنيا؛ إذ إن المهدي المنتظر حاكم وقائد، ومبايعته تعني الإقرار بسلطة دينية وسياسية بديلة. ونحن لا نعثر على ما يثبت المزاعم التي تناقلها بعض الناس في أيام الاقتحام عن تقديم جماعة جهيمان اعتراضات متشددة دينياً للدولة. وكنت شخصياً أسمع ونحن طلاب في المرحلة الثانوية هذه المزاعم التي عرفت لاحقاً أن بعض المراجع تداولتها بصورة أخرى، أي بصورة التعليل لشعور المسلحين بالنقمة على الدولة، نقلاً عن تقرير الصحفي الأمريكي إدوارد كودي، لصحيفة “واشنطن بوست” في 25 نوفمبر 1979، فهي عنده روايات نقلها الرهائن الذين احتجزتهم الجماعة في الحرم ثم أفرجت عنهم، عن المسلحين من أعضاء الجماعة. وهي اعتراضات رددها قبل جهيمان إخوان من طاع الله، وانتهت بقضاء الملك عبد العزيز عليهم في معركة السبلة عام ١٩٢٩. وقد تحدث لاكروا -نقلاً عن ناصر الحزيمي- عن صلة جهيمان بإخوان من طاع الله، وأنه ورث ذلك عن أبيه الذي قاتل إلى جانب سلطان بن بجاد ضد تحويل الملك عبد العزيز دولته إلى دولة عصرية (زمن الصحوة ص١٢٦). لكن المهم هنا أن حضور هذه الاعتراضات في خطاب الجماعة، مقترناً بنزع الشرعية عن الحكم القائم ومبايعة المهدي، يجعل الفصل الحاسم بين المهدوية والسياسة موضع تساؤل. وتنشأ، في ضوء ذلك، مساءلة تتصل بصميم المقاربة الوجودية نفسها، وبسؤال المعنى عند يالوم على وجه الخصوص: هل كان المعنى الذي بناه جهيمان حول المهدوية تعويضًا عن قلقه الوجودي واستجابةً لتوقه إلى نهاية العالم فحسب، أم كان أيضًا مشروعًا لإعادة تشكيل ذلك العالم وسلطته وفق الحقيقة التي اعتقد امتلاكها؟ فإدراك هذا التداخل لا يقتضي، على الأقل، افتراض أن جهيمان اتخذ المهدوية ستارًا لطموح سياسي مضمر، ولا ينفي صدق اعتقاده بها؛ بل يدعونا إلى النظر في الكيفية التي أصبح بها الاعتقاد الأخروي نفسه مصدرًا للشرعية والتعبئة والفعل السياسي. ولا تنفرد حركة جهيمان بهذا التداخل بين العقيدة والصراع على السلطة؛ فقد عرف التاريخ الإسلامي حركات وظّفت تصوراتها الدينية في منازعة الحكم القائم، من الخوارج الأوائل إلى إخوان من طاع الله الذين خرجوا على الملك عبد العزيز، وصولًا إلى تنظيمات جهادية معاصرة كالقاعدة وداعش، على اختلاف عقائد هذه الحركات وأهدافها ووسائلها. وهكذا فإن تفسير ما منح المهدوية معناها الوجودي في وعي جهيمان لا يكتمل دون تفسير ما منحته له، في الوقت نفسه، من تصور للسلطة ومسوّغ لمنازعتها. أما التساؤل الآخر فيتصل باختيار المؤلفة ثلاثة من معطيات يالوم - اللامعنى والعزلة والموت - وسكوتها عن معطى الحرية أو المسؤولية، بدعوى غياب شواهده المباشرة عن خطاب جهيمان، تحت وطأة الجمود النصي واليقين المهدوي. ولا شك أن الخطاب الأصولي يموّه الاختيار بلبوس الامتثال للنص والقدر، لكن ذلك يبقى تمويهاً. فالجهد الذي بذله الكتاب في استعادة فاعلية الذات كان أدعى، في الوقت نفسه، بأن يُظهِر كيف تحوّل الاختيار إلى امتثال، وكيف تنصّل جهيمان من مسؤوليته عن أفعاله بإسنادها إلى مقتضيات النص وحتمية القدر، بدل طيّ هذا المعطى داخل المعطيات الثلاثة الأخرى. ولو توقفنا عند انتقال جهيمان من انتظار النهاية إلى السعي لتحقيقها، لرأينا أن الكتاب يكشف في ذلك عن ممارسة للاختيار وتحمّلٍ لدور الفاعل، وإن جرت هذه الممارسة تحت وطأة الاعتقاد بالحتمية والقدرية. ويزداد حضور معطى الحرية وضوحًا حين نستحضر اختلاف أعضاء الجماعة أنفسهم بشأن المهدوية وما انتهت إليه من فعل؛ فقد رفض ناصر الحزيمي ومجموعة معه الاعتقاد بمهدوية القحطاني، وانسحبوا من الجماعة قبل اقتحام الحرم، بينما مضى جهيمان وأتباعه في مشروعهم. وهو اختلاف يكشف أن الاشتراك في البيئة العقدية والتنظيمية لا يلغي إمكان اتخاذ مواقف متباينة منها، وأن الاعتقاد بالحتمية لا يعفي الفرد من مسؤولية اختياراته وأفعاله. ولا ينفي هذان السؤالان ما أتاحته المقاربة من فهم مختلف للجهيمانية، بل ينبعان من الأفق الذي فتحته هي نفسها؛ إذ لا ينفصل العالم الذي يبنيه الإنسان في وعيه عن العالم الذي يسعى إلى تغييره، ولا تنفصل قدرته على منح أفعاله معنى عن مسؤوليته عن اختياراته ونتائجها. وأرى أن من أبرز ما أنجزه كتاب الشعلان هذا التحوّل في وجهة البحث؛ من النظر إلى جهيمان في صورة أصل تُردّ إليه ظواهر لاحقة، إلى استكشاف عالمه من الداخل، والكشف عن الكيفية التي أعاد بها تشكيل موروثه وظروفه في عالم مخصوص من المعنى، وجد فيه مسوّغات لفعله. والكتاب، بعد هذا كله، يجاوز حدود موضوعه المباشر بما يفتحه من أفق أوسع للتفكير في قضايا التطرف والعصرنة والثقافة؛ إذ يتخطَّى رصد الأفكار والظروف التاريخية والاجتماعية التي تسهم في نشوء الظواهر إلى استكشاف الكيفية التي يعيد بها الإنسان تأويلها وتركيبها، ويستمد منها هويته ومسوّغات أفعاله. فليست التحولات الاجتماعية والثقافية أسبابًا تُفضي بالضرورة إلى نتائج متماثلة، ولا يحدد الموروث سلفًا صورة استجابة الفرد له؛ فقد يفضي ما يمارسه الإنسان من فاعلية في إنتاج المعنى إلى بناء عالم ذهني مغلق، يجعل من يقينه مسوّغًا للإقصاء والعنف. ومن هنا تكتسب مساءلتنا للمقاربة التي اعتمدها الكتاب أهميتها؛ فلا يكتمل فهم المعنى الذي صنعه جهيمان لنفسه دون النظر في ما انطوى عليه من تصور للسلطة، ولا في الكيفية التي مارس بها اختياره تحت وطأة الاعتقاد بالحتمية.